طرائف نبيه بري في البرلمان اللبناني
محمد عبد الكريم يوسف
مقدمة
في السياسة اللبنانية، حيث تتداخل الجدية بالكوميديا وتختلط المأساة بالمهزلة، يبرز رئيس مجلس النواب
نبيه بري كشخصية فريدة لا تقتصر أهميتها على دوره السياسي المحوري فحسب، بل تمتد إلى ما يمكن
وصفه بـ”فن الطرائف البرلمانية”. فبري، الذي يترأس المجلس النيابي منذ عام 1992، لم يكن مجرد
رئيس جلسات يتقن إدارة النقاشات السياسية المحتدمة، بل كان أيضاً “راقماً” للطرائف التي تتحول إلى
مادة دسمة للتداول الإعلامي والشعبي. معروف عن الرئيس نبيه بري أنه يحب “التنكيت”، وينقل عنه
عارفوه أنه “مهضوم”، يخلط ما بين الذكاء والمزاح.
يتناول هذا البحث الطرائف المسجلة عن نبيه بري في المجلس النيابي، محاولاً تفكيك دلالاتها السياسية
والاجتماعية، وكيف أن هذه الطرائف، رغم بساطتها الظاهرية، تعكس أبعاداً أعمق في شخصيته السياسية
وأسلوبه في إدارة المؤسسة التشريعية اللبنانية.
أولاً: طرفة الاسم الخطأ – “نزيه البزري” بدلاً من “عبد الرحمن البزري”
من أشهر الطرائف التي سُجّلت في قبة البرلمان اللبناني تلك التي وقعت خلال جلسة تشريعية، حيث أخطأ
رئيس المجلس نبيه بري في اسم النائب عبد الرحمن البزري، فناداه “نزيه البزري” – وهو اسم والد
النائب. عندها ضحك النواب في القاعة، فلم يكتف بري بالاعتذار أو التمادي في الخطأ، بل حمل
المسؤولية للنائب هادي أبو الحسن الذي كان يجلس إلى شماله، وقال: “هو من كتب الاسم، الله يسامحه”.
أما النائب البزري فردّ بالقول: “ما من مشكلة، أنا ووالدي واحد”، في مشهد جمع بين الطرافة والظرف
اللبناني الأصيل.
تتجلى في هذه الطرفة أكثر من دلالة سياسية واجتماعية:
الروح المرحة في أروقة السياسة: ففي بلد تعج صراعاته السياسية بالجدية والاحتقان، تمنح مثل
هذه اللحظات متنفساً للنواب وتذكيراً بالجانب الإنساني للعمل السياسي.
براعة بري في إدارة الموقف: بدلاً من التورط في اعتذار مطول، حوّل بري الموقف إلى طرفة
جماعية بإلقاء المسؤولية على النائب الآخر، مما جنّب نفسه الإحراج وأدخل البهجة على المجلس.
العلاقة الأبوية في الثقافة السياسية اللبنانية: إن استدعاء اسم الوالد بدلاً من اسم النائب، ورد
النائب بأنه “ووالده واحد”، يعكس عمق البعد العائلي في الهوية السياسية اللبنانية، حيث تحمل
الأسماء العائلية دلالات قبلية وسياسية تمتد لأجيال.
ثانياً: طرفة الهمس والنكتة – لحظات عفوية مع رئيس الجمهورية
في مشهد طريف آخر، ظهر رئيس مجلس النواب نبيه بري وهو يهمس “بنكتة” لرئيس الجمهورية
جوزاف عون، ما دفع بالرئيس إلى ضحكة عفوية، وذلك قبيل القداس الذي ترأسه البابا لاوون الرابع
عشر في الواجهة البحرية لبيروت.
تكتسب هذه الطرفة أهميتها من السياق الرسمي والديني الذي وقعت فيه. ففي لحظة مهيبة تجمع رأس
السلطة التشريعية ورأس السلطة التنفيذية بحضور بابوي، كان بري قادراً على خلق لحظة إنسانية عفوية
تذكّر بأن السياسيين، رغم ثقل مناصبهم، يبقون بشراً. كما تعكس هذه اللقطة العلاقة الشخصية بين بري
والرئيس عون، والتي تبدو متجاوزة للبروتوكولات الرسمية الصارمة.
ثالثاً: طرفة الرد الحاد – “سأل بيّك”
من المواقف الطريفة التي أثارت الجدل، ذلك الجدال الحاد بين نبيه بري والنائب سامي جميل، حيث علق
الأخير قائلاً: “طريقتك غير لائقة”، فردّ بري بجملة موجزة وحادة: “سأل بيّك”.
هذه الجملة، التي تحمل في طياتها أكثر من معنى، يمكن قراءتها على مستويات متعددة:
- الرد الساخر: يحيل بري النائب إلى والده، وكأنه يقول “اسأل أباك عني”، في رد يمزج بين الجدية
والسخرية. - الإشارة إلى الأصول العائلية: في ثقافة لبنانية تقوم على الأنساب والعائلات، قد يكون في هذه
العبارة تذكير بوزن بري العائلي والسياسي. - قلب الأدوار: بري، بصفته رئيس المجلس والأكبر سناً، يضع نفسه في موقع الأب الذي لا يُسأل
بل يُسأل عنه.
رابعاً: طرائف الأقوال – بين التمسك بالسلطة ونقدها
من الطرائف التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، تصريح بري عام 2011: “هيدا التمسك بالسلطة
بتمنى إنو ما يصيبنا بلبنان. لأنو في ناس الآن مش مصدقين بعد إنو السلطة مداورة”.
تكمن طرافة هذا القول في المفارقة التي ينطوي عليها: فرئيس مجلس النواب الذي يواصل الترشح وإعادة
الانتخاب لأطول فترة في تاريخ لبنان، يحذر من التمسك بالسلطة! هذه المفارقة تجعل القول طريفاً من
ناحية، وناقداً للذات من ناحية أخرى، وإن كان النقاد يرون فيها نوعاً من “النكتة” التي يخفي خلفها بري
واقعاً مختلفاً.
خامساً: قراءة في ظاهرة الطرائف البرلمانية لبري
يمكن النظر إلى طرائف بري في البرلمان من زوايا تحليلية متعددة:
- الطرائف كأداة لإدارة الصراع
في بيئة برلمانية لبنانية تتسم بالانقسامات الحادة والخلافات العميقة، تشكل الطرائف وسيلة لتخفيف حدة
التوتر. فبري، الذي يعرف جيداً فن المناورة السياسية، يستخدم الفكاهة كأداة لإعادة توجيه النقاش أو نزع
شرارة الخلاف. - الطرائف كبناء للصورة العامة
يساهم تداول هذه الطرائف في بناء صورة بري كـ”رجل شعبي” قريب من الناس، “مهضوم” وخفيف
الظل, بما ينعكس إيجاباً على صورته العامة بعيداً عن الصورة الصارمة لرئيس السلطة التشريعية. - الطرائف كمرآة للسياسة اللبنانية
تعكس طرائف بري في البرلمان طبيعة السياسة اللبنانية ذاتها: مزيج من الجدية والكوميديا، من المأساة
والمهزلة. ففي بلد يعاني من أزمات متراكمة، تبقى النكتة والطرفة وسيلة للتعامل مع الواقع المعقد. - حدود الطرائف
تجدر الإشارة إلى أن هذه الطرائف، رغم انتشارها وتداولها، تبقى جزءاً من الصورة العامة لبري، ولا
يجب أن تحجب الجدية السياسية لمسيرته أو تثير تساؤلات حول مدى ملاءمة بعض المواقف لمكانة
رئيس المجلس النيابي.
خاتمة
طرائف نبيه بري في البرلمان اللبناني ليست مجرد نوادر عابرة أو لحظات عفوية، بل هي جزء من
أسلوبه في إدارة المؤسسة التشريعية وبناء علاقاته مع النواب. من طرفة “نزيه البزري” إلى همس النكتة
للرئيس عون، ومن رد “سأل بيّك” إلى تصريحه عن التمسك بالسلطة، تكشف هذه الطرائف عن سياسي
يدرك أن الفكاهة، في بلد كلبنان، ليست ترفاً بل أداة للبقاء والتواصل.
في النهاية، تظل هذه الطرائف شاهدة على جانب إنساني في شخصية رجل قضى أكثر من ثلاثة عقود
على رأس السلطة التشريعية في لبنان، وتذكيراً بأن السياسة، بكل جديتها وثقلها، لا تخلو من لحظات
خفيفة تجعل من البرلمان فضاءً بشرياً قبل أن يكون فضاءً سياسياً.
قائمة المراجع
- ليبانون ديبايت. (2024، 28 نوفمبر). “تغيير اسم نائب… بري ناداه بهذا الاسم!”
- موقع X (تويتر). “سجلت طرفة خلال جلسة مجلس النواب التشريعية حيث أخطأ رئيس المجلس
نبيه بري باسم النائب عبد الرحمن البزري” - موقع X (تويتر). “نبيه بري (٢٠١١): هيدا التمسك بالسلطة بتمنى إنو ما يصيبنا بلبنان”
- موقع فيسبوك، صفحة “لبنان أون”. “ظهر رئيس مجلس النواب نبيه بري في فيديو طريف وهو
يهمس بنكتة لرئيس الجمهورية جوزاف عون” - موقع فيسبوك. “جدال حاد بين نبيه بري وسامي جميل والأخير يعلق: طريقتك غير لائقة.. بري
يرد: سأل بيّك” - موقع نداء الوطن. “نكتة اسمها ضمانات نبيه بري – صالح المشنوق”
- موقع X (تويتر). “يبقى الرئيس نبيه بري شيخ المهضومين في البلد”



إرسال التعليق