تركيا وعقيدة “الوطن الأزرق”: دراسة في الجذور الفكرية والأبعاد الجيوسياسية والتحول إلى التشريع
تركيا وعقيدة “الوطن الأزرق”: دراسة في الجذور الفكرية والأبعاد الجيوسياسية والتحول إلى التشريع
محمد عبد الكريم يوسف
الملخص
تتناول هذه الدراسة عقيدة “الوطن الأزرق” (Mavi Vatan) التركية بوصفها أحد أكثر المشاريع
الجيوسياسية تأثيرًا في منطقة شرق المتوسط خلال العقدين الأخيرين. تتعقب الورقة جذور العقيدة الفكرية
منذ ظهورها في الأوساط البحرية التركية عام 2006، مرورًا بتبنيها السياسي الرسمي في خطاب
الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2019، وصولًا إلى مساعي تقنينها تشريعيًا في عام 2026.
تستعرض الدراسة الأسس القانونية والجغرافية التي تستند إليها العقيدة، وأبرز آليات تنفيذها المتمثلة في
الاتفاقية البحرية التركية-الليبية (2019) والمناورات البحرية السنوية، فضلًا عن التداعيات الإقليمية
والدولية المترتبة عليها. تخلص الدراسة إلى أن “الوطن الأزرق” تحول من رؤية استراتيجية دفاعية إلى
عقيدة توسعية تعيد تشكيل توازنات القوة في شرق المتوسط، في سياق تصادم مباشر مع القانون الدولي
للبحار ومصالح الدول المجاورة، خاصة اليونان وقبرص، مما يضع المنطقة أمام احتمالات تصعيد
مستدامة. وتختتم الورقة بمناقشة سيناريوهات مستقبلية محتملة للعقيدة وتداعياتها على الأمن الإقليمي.
- المقدمة
شهد حوض شرق المتوسط منذ اكتشافات الغاز الطبيعي الضخمة في العقد الثاني من القرن الحادي
والعشرين تحولًا جيوسياسيًا عميقًا، أعاد تعريف العلاقات الإقليمية وأشعل تنافسًا محتدمًا بين القوى
الفاعلة في المنطقة. وفي قلب هذا التحول، برزت عقيدة “الوطن الأزرق” (Mavi Vatan) التركية
كأحد أكثر المشاريع الاستراتيجية طموحًا وإثارة للجدل.
تعود جذور “الوطن الأزرق” كمفهوم استراتيجي إلى عام 2006، حين صاغه ضباط في البحرية
التركية، وعلى رأسهم الأدميرال المتقاعد جهاد يايجي (Cem Gürdeniz) والأدميرال جهاد يايجي
(Cihat Yaycı). وقد تطور هذا المفهوم من فكرة أكاديمية في أوساط الخبراء العسكريين إلى عقيدة
استراتيجية تتبناها الدولة، ثم إلى مشروع قانون يسعى لتقنينه تشريعيًا.
تكمن أهمية دراسة عقيدة “الوطن الأزرق” في كونها تجسيدًا لتحول جوهري في السياسة الخارجية
التركية، من دولة برية – بحرية إلى قوة بحرية إقليمية طموحة، تسعى لإعادة تعريف حدودها ونفوذها في
البحار الثلاثة المحيطة بها: البحر الأسود، بحر إيجة، والبحر المتوسط. كما تعكس العقيدة ترابطًا معقدًا
بين الأمن القومي، والموارد الاقتصادية، والطموحات الجيوسياسية، في منطقة تشهد تنافسًا محتدمًا على
الغاز وممرات الطاقة.
تهدف هذه الدراسة إلى:
تتبع الجذور الفكرية والتطور التاريخي لعقيدة “الوطن الأزرق”.
تحليل الأسس القانونية والجغرافية التي تستند إليها العقيدة.
استعراض آليات التنفيذ والتطبيق العملي للعقيدة.
مناقشة التداعيات الإقليمية والدولية وردود الفعل تجاهها.
استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة.
- الإطار النظري والمنهجي
2.1 المنظور النظري: الواقعية الجديدة والجيوسياسية البحرية
تستند هذه الدراسة إلى منظورين نظريين متكاملين: الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية، التي تفسر
سلوك الدول بوصفه سعيًا عقلانيًا لتعظيم القوة والأمن في نظام دولي فوضوي، والجيوسياسية
البحرية (Maritime Geopolitics) التي تركز على أهمية السيطرة البحرية في تشكيل توازنات القوة
الدولية.
من هذا المنظور، يمكن فهم عقيدة “الوطن الأزرق” كاستجابة تركية لتصورات التهديد والمحاصرة
الجيوسياسية، خاصة في مواجهة ما تراه أنقرة محاولات لتقييدها جغرافيًا في بحر إيجه وشرق المتوسط.
وقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن عقيدة الوطن الأزرق “تعكس سعي تركيا لتحقيق الاستقلال
الاستراتيجي الكامل، وهو أمر بالغ الأهمية لبقاء الدولة التركية”.
2.2 المنهجية
تعتمد هذه الدراسة على المنهج التاريخي التحليلي، من خلال تتبع تطور العقيدة عبر الزمن، والمنهج
الوصفي في عرض مكوناتها وأبعادها، والمنهج القانوني في تحليل الأسس التي تستند إليها. كما تستعين
بتحليل الخطاب السياسي لفهم كيفية بناء العقيدة وتقديمها للرأي العام.
- الجذور الفكرية والتطور التاريخي
3.1 النشأة: الأدميرالان وميلاد الفكرة (2006)
يعود تاريخ صياغة مفهوم “الوطن الأزرق” بشكل ممنهج إلى يونيو 2006، عندما قدم الأدميرال
رامازان جيم غوردينيز (Ramazan Cem Gürdeniz) الفكرة خلال ندوة في الأكاديمية البحرية
التركية. وقد شاركه في تطوير المفهوم الأدميرال جهاد يايجي (Cihat Yaycı)، الذي يُعتبر أحد أبرز
المهندسين الفكريين للعقيدة.
تمثل الفكرة الجوهرية للعقيدة في أن “الوطن” التركي لا يقتصر على الحدود البرية، بل يشمل أيضًا
الفضاءات البحرية المحيطة بتركيا، التي تُعتبر امتدادًا طبيعيًا للأمن القومي والاقتصاد والطاقة. وقد صاغ
غوردينيز المفهوم لاحقًا قائلًا: “يمثل الوطن الأزرق فكرة، ورمزًا، وعقيدة”.
3.2 التبني السياسي: من الأكاديميا إلى الخطاب الرئاسي (2019)
انتقل مفهوم “الوطن الأزرق” من النطاق الأكاديمي العسكري إلى الخطاب السياسي الرسمي في لحظة
فارقة: في 2 سبتمبر 2019، ظهر الرئيس رجب طيب أردوغان في صورة مع خريطة تصور ما يقرب
من نصف بحر إيجه وقسمًا يصل إلى الساحل الشرقي لجزيرة كريت كجزء من “الوطن الأزرق لتركيا”.
وقد ظهرت الخريطة خلال مراسم أداء اليمين الرسمية في جامعة الدفاع الوطنية التركية في إسطنبول.
يمثل هذا الظهور نقطة تحول حاسمة، حيث تبنت العقيدة القيادة السياسية، مما منحها شرعية ودفعًا غير
مسبوقين. وقد لاحظ الباحث Aurélien Denizeau أن عقيدة الوطن الأزرق، رغم أنها تطرح بعض
التناقضات مع الرؤية التقليدية للإسلاميين المحافظين، فقد تبناها الرئيس أردوغان، مما أتاح له فرصة
تعزيز تحالفه مع الحركات القومية وتوفير إطار قانوني لأعماله في ليبيا.
3.3 التحول إلى التشريع: مشروع قانون 2026
وصلت عقيدة “الوطن الأزرق” إلى مرحلة نضجها التشريعي في مايو 2026، حين أعلنت وزارة الدفاع
التركية عن مشروع قانون مناطق الصلاحية البحرية. يهدف التشريع الجديد إلى تجاوز قانون المياه
الإقليمية رقم 2674 الصادر عام 1982، عبر توحيد البنية القانونية المتعلقة بالجرف القاري والمنطقة
الاقتصادية الخالصة والمنطقة المتاخمة ضمن إطار قانوني واحد.
يمنح مشروع القانون، الذي أعده حزب العدالة والتنمية الحاكم، الرئيس التركي صلاحية إعلان منطقة
اقتصادية خالصة تمتد 200 ميل بحري من السواحل التركية. كما يؤكد المشروع تمسك تركيا بموقفها
الرافض لتجاوز حد 6 أميال بحرية للمياه الإقليمية في بحر إيجه، خلافًا للتفسيرات اليونانية التي تستند
إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
ويُعد هذا التشريع “تحولًا استراتيجيًا في السياسة البحرية التركية”، إذ يكرس السيادة التركية على مضيقي
إسطنبول وجناق قلعة وبحر مرمرة، ويضفي أساسًا قانونيًا داخليًا على اتفاقية مونترو ونظام إدارة
المضائق.
- الأسس القانونية والجغرافية للعقيدة
4.1 المطالبات البحرية: ما الذي تطالب به تركيا؟
تتبنى عقيدة “الوطن الأزرق” تفسيرًا موسعًا للحدود البحرية التركية، يشمل:
المياه الإقليمية: في بحر إيجه، تتمسك تركيا بحد 6 أميال بحرية، بينما تطالب اليونان بـ12 ميلًا
بحريًا وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ): تطالب تركيا بمنطقة اقتصادية خالصة في شرق المتوسط
تمتد إلى ما يقرب من 462,000 كيلومتر مربع من المياه.
الجرف القاري: تشمل المطالبات التركية الجرف القاري في بحر إيجه وشرق المتوسط، بما
يتعارض مع مطالبات اليونان وقبرص.
وقد صرح مسؤول تركي رفيع بأن البحرية التركية “مستعدة للدفاع عن كل شبر من وطننا الأزرق البالغ
462,000 كيلومتر مربع”.
4.2 الموقف من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)
تشكل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) محور الخلاف القانوني الأساسي. فتركيا ليست
طرفًا في الاتفاقية، ولم توقع عليها. ويستند الموقف التركي إلى رفضها لما تعتبره “تفسيرات غير عادلة”
للاتفاقية، خاصة فيما يتعلق بحقوق الجزر في توليد مناطق اقتصادية خالصة.
يرى الباحثون أن تركيا تسعى، من خلال تشريع “الوطن الأزرق”، إلى “إدخال الأحكام غير المكتوبة في
القانون الدولي إلى المنظومة القانونية المحلية، وهو ما من شأنه أن يعزز موقف أنقرة في المفاوضات
الدولية”.
4.3 “خريطة إشبيلية” كذريعة للتمديد
تلعب ما تُعرف بـ”خريطة إشبيلية” (Seville Map) دورًا محوريًا في الخطاب التركي الداعم لعقيدة
الوطن الأزرق. فقد أعد هذه الخريطة عام 2004 أكاديميان إسبانيان، واستخلصا منها مناطق اقتصادية
خالصة محتملة للدول المطلة على شرق المتوسط، وأظهرت الخريطة أن وصول تركيا إلى البحر
المتوسط سيقتصر على خليج أنطاليا فقط.
ورغم أن أثينا وبروكسل تنفيان اعتماد هذه الخريطة رسميًا، فإن المسؤولين الأتراك يستشهدون بها
باستمرار كمصدر للقلق، وكدليل على “محاولات حصر تركيا في زاوية صغيرة من شرق المتوسط”.
وقد صرّح أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبي بأن “هذا يظهر مرارًا وتكرارًا من الجانب التركي”. وتُستخدم
هذه الخريطة كذريعة لتبرير المطالبات التركية الموسعة.
- آليات التنفيذ والتطبيق العملي
5.1 الاتفاقية البحرية التركية-الليبية (2019)
في 27 نوفمبر 2019، وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية مذكرة تفاهم بشأن ترسيم الحدود
البحرية في البحر المتوسط. وقد مثّلت هذه الاتفاقية نقلة نوعية في تنفيذ عقيدة “الوطن الأزرق”، حيث
وسّعت المطالبات التركية البحرية لتصل إلى وسط البحر المتوسط.
وبموجب هذه الاتفاقية، حددت تركيا وليبيا منطقة اقتصادية خالصة مشتركة، مما منح تركيا مساحة
بحرية إضافية قدرت بنحو 189,000 كيلومتر مربع. وقد قدّمت أنقرة الخريطة المرفقة بالاتفاقية إلى
الأمم المتحدة في 7 ديسمبر 2019.
وترى أنقرة في هذه الاتفاقية “خطوة حاسمة تدعم مطالب تركيا بالمنطقة الاقتصادية الخالصة في شرق
المتوسط وتعزز صوتها فيما يتعلق بموارد الهيدروكربون في المنطقة”. كما أنها تضع الأساس للضغط
على مصر وإسرائيل للتراجع عن اتفاقيات ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة التي أبرمتها مع اليونان
وقبرص.
5.2 المناورات البحرية “الوطن الأزرق”
تُعد المناورات البحرية السنوية “الوطن الأزرق” (Mavi Vatan) أداة رئيسية لتطبيق العقيدة عمليًا
وإظهار القدرات العسكرية التركية. وقد شهدت مناورة “الوطن الأزرق 2025” مشاركة واسعة النطاق،
حيث نُشرت 77 سفينة سطحية، و7 غواصات، و31 طائرة، و17 مروحية، و28 طائرة بدون طيار،
و7 مركبات سطحية غير مأهولة. كما شارك في المناورة نحو 20 ألف جندي، ونُفذت عمليات إنزال
برمائي في منطقة أكساز.
تُجرى هذه المناورات في البحر الأسود وبحر إيجة وشرق البحر المتوسط في وقت واحد، مما يعكس
الطابع متعدد الجبهات للعقيدة. وقد اعتبر المراقبون هذه المناورات “موجهة لكل من الجماهير المحلية،
لتعزيز الفخر الوطني، وللخصوم الإقليميين، لإرسال إشارات بالقوة”.
5.3 تعزيز القدرات البحرية
ارتبطت عقيدة “الوطن الأزرق” ببرنامج طموح لتحديث البحرية التركية. وقد تمثلت أبرز ملامحه في
تدشين السفينة “تي سي جي أناضول” (TCG Anadolu)، أول سفينة هجوم برمائي تركية وأكبر
منصة بحرية في تاريخ البلاد. وقد رفض الأدميرال المتقاعد جهاد يايجي، المهندس الرئيسي للعقيدة،
محاولات التقليل من دور هذه السفينة، مؤكدًا أنها “رسالة مركزية” في إطار العقيدة.
كما شهدت المناورات استخدامًا مكثفًا للطائرات بدون طيار والمركبات السطحية غير المأهولة، مما
يعكس توجهًا نحو توظيف التكنولوجيا الحديثة في تطبيق العقيدة.
- التداعيات الإقليمية والدولية
6.1 الصراع مع اليونان وقبرص
تُشكّل عقيدة “الوطن الأزرق” محور الصراع البحري المتصاعد بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من
جهة أخرى. فالمطالبات التركية في بحر إيجة تتعارض مباشرة مع السيادة اليونانية على الجزر، حيث
ترى أنقرة أن الجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي لا ينبغي أن تولد مناطق اقتصادية خالصة
كاملة.
وتعود جذور هذا النزاع إلى معاهدات لندن وأثينا (1913) ومعاهدة لوزان (1923) التي منحت اليونان
السيادة على جزر شمال وشرق بحر إيجة بشرط نزع السلاح. وقد شكّلت أزمة قبرص عام 1974 نقطة
تحول في هذا النزاع.
وفي مايو 2026، أثار إعلان تركيا عن مشروع قانون “الوطن الأزرق” موجة من القلق في أثينا، حيث
صرحت الحكومة اليونانية بأنها “تتابع التطورات بقلق خاص”. ووصفت المصادر الأوروبية مشروع
القانون بأنه “محاولة منهجية لتبرير المطالب التوسعية والمراجِعة ضد الدول الأعضاء في الاتحاد
الأوروبي”.
6.2 ردود الفعل الأوروبية
أثارت عقيدة “الوطن الأزرق” ومشروع القانون المرتبط بها ردود فعل قوية من الاتحاد الأوروبي. ففي
يونيو 2026، تبنى البرلمان الأوروبي قرارًا يدين العقيدة البحرية التركية، ويدرس فرض عقوبات على
المسؤولين الأتراك. وقد تمت الموافقة على النص في ستراسبورغ بـ381 صوتًا مؤيدًا، و107 معارضًا،
و171 امتناعًا.
وقد أثار أعضاء البرلمان الأوروبي تساؤلات حول إدراج عقيدة “الوطن الأزرق” في المناهج الدراسية
التركية، حيث يتضمن كتاب الجغرافيا للصف التاسع قسمًا مخصصًا للعقيدة يتضمن خرائط وطائرات
عسكرية. كما أشار بعض النواب إلى أن العقيدة تُذكّر بمفهوم “حيوي” (Lebensraum).
وتواصل المفوضية الأوروبية التأكيد على أن “تركيا مطالبة بتقديم التزام لا لبس فيه بالعلاقات حسن
الجوار والاتفاقيات الدولية والتسوية السلمية للنزاعات”.
6.3 التداعيات على الناتو
يشكّل الصراع حول عقيدة “الوطن الأزرق” تحديًا داخليًا لحلف الناتو، حيث تجمع العضوية كلاً من
تركيا واليونان. وقد اعتبرت بعض التحليلات أن العقيدة “تخاطر بتحويل بحر إيجة وشرق المتوسط إلى
مناطق صراع دائمة”.
وقد تساءلت بعض التقارير: “هل سيتصدى الناتو لوقاحة عقيدة الوطن الأزرق التركية؟”، مما يعكس
القلق المتزايد من تداعيات هذه العقيدة على تماسك الحلف.
6.4 التأثير على ملف الطاقة في شرق المتوسط
ترتبط عقيدة “الوطن الأزرق” ارتباطًا وثيقًا بالتنافس على موارد الغاز الطبيعي في شرق المتوسط. فمن
خلال المطالبات البحرية الموسعة، تسعى تركيا إلى كسر العزلة التي يفرضها “منتدى غاز شرق
المتوسط” (EMGF) الذي يضم مصر واليونان وقبرص وإسرائيل.
ويُتيح مشروع قانون “الوطن الأزرق” لتركيا حقوقًا سيادية حصرية لإدارة الموارد الحية وغير الحية في
المياه التي تطالب بها، مما يعيد إشعال المنافسة على حقوق الحفر والتعدين والصيد في شرق البحر
المتوسط وبحر إيجه.
- تحليل الخطاب: كيف تُقدَّم العقيدة للرأي العام؟
7.1 البناء الخطابي للعقيدة
أظهرت دراسة تحليلية للخطاب حول عقيدة “الوطن الأزرق” في فيلم وثائقي بثته قناة TRT الحكومية أن
العقيدة تُبنى حول ثلاث “نقاط عقدية” رئيسية: الوطن، والعدالة، والقوة. وتعمل هذه النقاط على تنظيم
خطاب هيمنة يربط المطالبات الإقليمية بأسئلة وجودية، ويُطبيع الحدود البحرية المثيرة للجدل، ويُعبئ
المشاعر الجماعية، ويبني “آخرين” معادين مثل اليونان والقوى الغربية.
وتشير الدراسة إلى أن “نجاح العقيدة في توحيد المشاعر الوطنية يقيد أيضًا النقاش الديمقراطي والمرونة
الدبلوماسية”.
7.2 الوطنية مقابل التوسعية
تقدم الرواية التركية الرسمية عقيدة “الوطن الأزرق” كإطار دفاعي يهدف إلى حماية المصالح التركية في
البحار المحيطة، وليس كسياسة توسعية. ويُطرح المشروع كإطار “يتيح لجميع الدول المتشاطئة، وليس
تركيا فحسب، تحديد مساحات سيادية واسعة”.
غير أن القراءات الخارجية – وخاصة الأوروبية واليونانية – تصف العقيدة بأنها توسعية ومراجِعة،
تهدف إلى إعادة رسم الحدود البحرية القائمة على حساب الدول المجاورة. وقد وصفها المعهد الألماني
للشؤون الدولية والأمنية بأنها جزء من أجندة “نيو-عثمانية” و”نيو-إمبريالية”.
- السيناريوهات المستقبلية
8.1 سيناريو التقنين التشريعي والتصعيد المُدار
في هذا السيناريو، يمر مشروع قانون “الوطن الأزرق” عبر البرلمان التركي ويُصبح قانونًا نافذًا، مما
يمنح المطالبات التركية شرعية داخلية. ترد اليونان وقبرص بإجراءات دبلوماسية وقانونية، وقد تلجآن
إلى محكمة العدل الدولية. ويستمر التوتر في “المنطقة الرمادية” دون مواجهة عسكرية مباشرة، مع
استمرار المناورات البحرية وأنشطة التنقيب.
8.2 سيناريو التصعيد الإقليمي
في هذا السيناريو، تؤدي المطالبات التركية الموسعة إلى حوادث بحرية بين القوات التركية واليونانية أو
القبرصية، خاصة في مناطق التنقيب عن الغاز. قد تفرض أوروبا عقوبات اقتصادية على تركيا، وقد
تصل الأزمة إلى مجلس الأمن. هذا السيناريو يحمل مخاطر عالية على الاستقرار الإقليمي.
8.3 سيناريو التسوية والتفاوض
في هذا السيناريو، تدرك جميع الأطراف كلفة التصعيد، وتجلس للتفاوض حول ترسيم الحدود البحرية. قد
تُقدّم تركيا تنازلات في بحر إيجه مقابل مكاسب في شرق المتوسط. وقد يلعب الناتو والاتحاد الأوروبي
دورًا وسيطًا. غير أن هذا السيناريو يتطلب تغييرًا في الموقف التركي من اتفاقية UNCLOS، وهو أمر
غير مرجح في المدى المنظور.
8.4 قراءة تحليلية
ترجح الدراسات أن المنطقة ستشهد استمرار التنافس في “المنطقة الرمادية”، مع بقاء احتمالية نشوب
صراع عسكري مباشر منخفضة بسبب الردع المتبادل والضغوط الدولية. غير أن تقنين عقيدة “الوطن
الأزرق” تشريعيًا قد يرفع منسوب التوتر، ويجعل النزاعات البحرية أكثر صعوبة في الحل. كما أن
استمرار العقيدة يعزز “الاستقلال الاستراتيجي” التركي، لكنه على حساب علاقاتها مع حلفائها في الناتو
وجيرانها الأوروبيين.
- الخاتمة
تُعد عقيدة “الوطن الأزرق” واحدة من أكثر المشاريع الجيوسياسية طموحًا في تاريخ تركيا الحديث. فما
بدأ كفكرة في أوساط ضباط البحرية التركية عام 2006 تحول إلى عقيدة استراتيجية تتبناها الدولة، ثم
إلى مشروع قانون يسعى لتقنينه تشريعيًا، مما يعكس تحولًا جوهريًا في السياسة الخارجية التركية نحو
التوسع البحري وإعادة تعريف حدود النفوذ.
تكشف الدراسة عن عدة خلاصات رئيسية:
أولًا: عقيدة “الوطن الأزرق” ليست مجرد رؤية دفاعية، بل هي مشروع طموح لإعادة رسم الخريطة
البحرية لشرق المتوسط وبحر إيجة، في سياق تصادم مباشر مع القانون الدولي للبحار (UNCLOS)
ومصالح الدول المجاورة.
ثانيًا: انتقلت العقيدة من الفكر الاستراتيجي إلى التطبيق العملي عبر الاتفاقية البحرية مع ليبيا (2019)
والمناورات البحرية السنوية، وصولًا إلى مساعي التقنين التشريعي (2026)، مما يجعلها واقعًا سياسيًا
وقانونيًا لا يمكن تجاهله.
ثالثًا: تثير العقيدة تداعيات إقليمية ودولية عميقة، إذ تضع تركيا في مواجهة مباشرة مع اليونان وقبرص
والاتحاد الأوروبي، وتشكل تحديًا داخليًا لحلف الناتو.
رابعًا: يعكس الخطاب الرسمي التركي ازدواجية في تقديم العقيدة، حيث تُطرح كإطار دفاعي لحماية
المصالح الوطنية، بينما تُقرأ خارجيًا كسياسة توسعية ومراجِعة.
خامسًا: يظل مستقبل العقيدة مرهونًا بتوازن معقد بين العوامل الداخلية (السياسية والاقتصادية)
والخارجية (ردود فعل اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي والناتو)، واحتمالات التصعيد أو التسوية.
في النهاية، تمثل عقيدة “الوطن الأزرق” أكثر من مجرد سياسة بحرية؛ إنها تعكس تحولًا في الهوية
الاستراتيجية التركية، وإعادة تعريف للدور الإقليمي، ورؤية جديدة لمكانة تركيا في النظام الدولي. وبينما
تواصل أنقرة السعي لتحقيق “الاستقلال الاستراتيجي الكامل” عبر هذه العقيدة، يبقى السؤال مفتوحًا حول
ما إذا كان هذا الطموح سيقود إلى تعزيز مكانة تركيا الإقليمية، أم إلى عزلة دبلوماسية وتصعيد أمني في
واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيدًا.
قائمة المراجع
ويكيبيديا العربية. “الوطن الأزرق.”
Denizeau, Aurélien. (2021). “Mavi Vatan, the ‘Blue Homeland’: The
Origins, Influences and Limits of an Ambitious Doctrine for
Turkey.” Études de l’Ifri, Ifri, April 2021.
Chiozzo, Vitor Deccache & Neves, Andre Luiz Varella. (2025). “The
Blue Homeland (Mavi Vatan): Turkey’s Naval Strategy in the
Surrounding Seas (2020-2023).” Revista da Escola de Guerra
Naval.
Crisis Group. (2021). “Turkey-Greece: From Maritime Brinkmanship
to Dialogue.” Europe Report N°263, 31 May 2021.
“عقيدة ‘الوطن الأزرق’ من الفكر الاستراتيجي إلى التقنين البرلماني.” (2026). كتابات.
“هل تقود مأسسة مشروع الوطن الأزرق التركي إلى إعادة تشكيل معادلات النفوذ في شرق
المتوسط؟” (2026). مركز أوراسيا للدراسات.
“الوطن الأزرق… مشروع قانون بحري تركي يجدد الصراع على الطاقة.” (2026). المجلة.
European Parliament. (2024). “Parliamentary question on ‘Blue
Homeland’ in teaching material used in schools in Türkiye.” E-
001741/2024.
European Parliament. (2026). “Parliamentary question on Türkiye’s
‘Blue Homeland’ bill and the threat to Member States’ sovereign
rights.” P-002111/2026.
Wikipedia. “Blue Homeland.”
Dagdelen, Mazlum Kemal. (2025). “Constructing the discursive
frontiers: A discourse-theoretical analysis of the Blue Homeland
doctrine in a TRT documentary.” Revija za humanistične in družbene
vede, 2025(2), 30–53.
“مشروع قانون ‘الوطن الأزرق’.. كيف ترسم تركيا حدود نفوذها؟” (2026). الجزيرة نت.
“قانون ‘الوطن الأزرق’: تركيا تحدد مجالها البحري بمواجهة اليونان.” (2026). العربي الجديد.
“Turkey – strategic dreams of a Blue Homeland.”
(2026). International Affairs.
“Ankara moves to codify ‘Blue Homeland’ doctrine in law.”
(2026). Hürriyet Daily News.
“Türkiye confirms maritime rights bill for Blue Homeland.”
(2026). Daily Sabah.
“EU condemns Turkey’s ‘Blue Homeland’ doctrine, weighs sanctions
on officials.” (2026). eKathimerini.



إرسال التعليق