الدبلوماسية السورية من عصر الأسد الأب إلى الرئيس الشرع
ملخص
تتناول هذه الدراسة تطور الدبلوماسية السورية عبر ثلاثة عقود متمايزة: عهد حافظ الأسد (1970-
2000)، وعهد بشار الأسد (2000-2024)، والمرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع (2024-).
يسعى البحث إلى تتبع التحولات في الأدوات والأهداف والمرتكزات الإيديولوجية للسياسة الخارجية
السورية، محللاً عوامل الاستمرارية والتغيير في كل مرحلة. توصلت الدراسة إلى أن الدبلوماسية
السورية في عهد الأسد الأب اتسمت بالبراغماتية المتوازنة واستغلال المحاور الإقليمية والدولية لخدمة
أهداف الدولة، بينما تحولت في عهد الابن إلى سياسة انزلاقية نحو التبعية لإيران وروسيا على حساب
السيادة الوطنية، لتشهد بعد سقوط النظام تحولاً جذرياً نحو الانفتاح المؤسسي وإعادة تعريف المصالح
الوطنية في سياق إقليمي متغير.
الكلمات المفتاحية: الدبلوماسية السورية، حافظ الأسد، بشار الأسد، أحمد الشرع، السياسة الخارجية،
الشرق الأوسط، المحاور الإقليمية.
مقدمة
تُعد السياسة الخارجية السورية واحدة من أكثر السياسات تعقيداً وتقلباً في منطقة الشرق الأوسط، وذلك
بحكم الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسوريا، وتداخلها مع القضايا المحورية في المنطقة كالقضية
الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، فضلاً عن تنوع المحاور الإقليمية والدولية المؤثرة في المشهد
السوري. وقد مرت الدبلوماسية السورية بتحولات كبرى على مدى خمسة عقود ونيف، ارتبطت بتغير
القيادة، وتحولات البيئة الإقليمية والدولية، وتطور طبيعة النظام السياسي ذاته.
تمتد هذه الدراسة على ثلاثة عهود متمايزة: العهد الأول بزعامة حافظ الأسد (1970-2000)، الذي
يُنظر إليه غالباً بصفته “مهندس” السياسة الخارجية السورية الحديثة؛ والعهد الثاني بزعامة بشار الأسد
(2000-2024)، الذي شهد تحولات دراماتيكية في مسار الدبلوماسية السورية؛ والعهد الثالث الذي بدأ
بسقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 وتولي الرئيس أحمد الشرع قيادة المرحلة الانتقالية، وهو ما يمثل
قطيعة نوعية مع عقود من السياسات السابقة.
تعتمد هذه الدراسة منهج التحليل المقارن التاريخي، مستعينة بمصادر متنوعة تشمل وثائق تاريخية،
وتحليلات أكاديمية، وتقارير صحفية، ومذكرات سياسية. يطرح البحث السؤال الرئيسي التالي: كيف
تطورت الدبلوماسية السورية من عصر الأسد الأب إلى الرئيس الشرع، وما عوامل الاستمرارية
والتغيير التي طبعت كل مرحلة؟ وينبثق من هذا السؤال عدة أسئلة فرعية: ما السمات الأساسية للسياسة
الخارجية في عهد حافظ الأسد؟ وكيف اختلفت مقاربة بشار الأسد عن مقاربة والده؟ وما ملامح التحول
الجذري في الدبلوماسية السورية بعد 2024؟
ينقسم البحث إلى أربعة محاور رئيسية: يتناول أولها الدبلوماسية السورية في عهد حافظ الأسد، مسلطاً
الضوء على مرتكزاتها واستراتيجياتها وإنجازاتها. ويتناول ثانيها عهد بشار الأسد، محللاً مسار التدهور
والانكفاء على المحور الإيراني-الروسي. ويتناول ثالثها المرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع،
مستعرضاً ملامح إعادة البناء الدبلوماسي. ويختتم الرابع بمقارنة تحليلية شاملة تستخلص عوامل
الاستمرارية والتغيير عبر العهود الثلاثة.
أولاً: الدبلوماسية السورية في عهد حافظ الأسد (1970-2000)
1.1 مرتكزات السياسة الخارجية: بين “العقل الحكومي” و”عقل الأمة”
وصف الباحث حسام عبد الرحمن في أطروحته عن السياسة الخارجية السورية مسارها بأنه “نتاج جهد
متواصل من التوفيق بين العقل الحكومي (raison d’Etat) والانتماء الإقليمي العربي المعروف بعقل
الأمة (raison de la Nation)”. وقد مثل هذا التوتر الجوهري المحرك الأساسي للسياسة الخارجية
في عهد حافظ الأسد، حيث سعى النظام إلى توظيف الانتماء القومي العربي في خدمة شرعية الدولة
واستمراريتها.
عندما تولى حافظ الأسد السلطة في انقلاب 1970، فرض سياسة خارجية اختلفت بشكل كبير عن سياسة
النظام البعثي السابق. فبدلاً من الإيديولوجية المتصلبة والمراجعة اللامحدودة (unlimited
revisionism)، انتهج الأسد مقاربة أكثر براغماتية ومرونة، أطلق عليها الباحث فرانشيسكو بيلكاسترو
اسم “المراجعة المحدودة” (limited revisionism)، وهو تحول عزته الدراسة إلى عوامل نظامية
(كإعادة التوازن الإقليمي بعد حرب 1967) وعوامل داخلية (كتغيير القيادة).
وقد استندت سياسة حافظ الأسد الخارجية في جوهرها إلى دافع أساسي هو البقاء regime
survival في ظل ضعف الدولة المزمن، وذلك من خلال تنمية شبكة من التحالفات الاستراتيجية
المتنوعة. وهذا ما يفسر قدرته على المناورة بين معسكرات متعددة دون التزام كامل بأي منها.
1.2 التحالف مع الاتحاد السوفييتي والتوازن مع الغرب
كان حافظ الأسد مؤيداً قوياً للاتحاد السوفييتي، وجعل سوريا البعثية قريبة من الكتلة الشرقية، وتبنت
خلال هذه الفترة موقفاً قوياً معادياً للصهيونية. وقد رسخ هذا التحالف بتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع
الاتحاد السوفييتي في موسكو في 8 أكتوبر 1980، مما منح سوريا غطاءً عسكرياً ودبلوماسياً مهماً في
مواجهة إسرائيل.
ومع ذلك، لم تكن علاقة الأسد مع واشنطن عدائية دوماً. ففي أعقاب حرب أكتوبر 1973، أبدى الأسد
مرونة مفاجأة في مفاوضاته مع هنري كيسنجر، حيث أظهرت وثائق نائب الرئيس السوري الراحل عبد
الحليم خدام أن كيسنجر كان “مذهولاً ومتفاجئاً” من موافقة الأسد على اتفاقية فض الاشتباك لدرجة أنه
“طلب من مستشاريه التنحي لدقائق، وعندما توجه إلى حافة الغرفة تعثر وكاد يسقط”. وقد مثلت هذه
المفاوضات لحظة محورية في الدبلوماسية السورية، حيث أظهر الأسد قدرته على المفاوضة المباشرة مع
واشنطن رغم خطاباته المعادية للسياسة الأميركية.
1.3 الورقة اللبنانية: التدخل كأداة نفوذ إقليمي
شكّل التدخل في لبنان أحد أبرز أدوات السياسة الخارجية في عهد حافظ الأسد. ففي عام 1976، تحول
الأسد عن حلفائه الفلسطينيين والمسلمين في لبنان وانحاز إلى المسيحيين، خوفاً من أن يؤدي تغلب منظمة
التحرير الفلسطينية على موازين القوى في لبنان إلى رد إسرائيلي حتمي. وقد أوضح الأسد موقفه قائلاً:
“نحن إما في حالة حرب أو في حالة سلام”، معتبراً أن التدخل في لبنان يهدف إلى إنهاء “المجازر
الوحشية” وإزالة عقبة أمام مؤتمر جنيف.
بلغ التدخل السوري في لبنان ذروته بالتوقيع على اتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية
اللبنانية وأقام علاقات خاصة بين سوريا ولبنان. وقد استغل الأسد انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج
الثانية لتعزيز موقعه في لبنان، حيث أبرم صفقة مع الرئيس الأميركي جورج بوش الأب طردت بموجبها
القوات السورية منافسيها في لبنان (ميشال عون وسمير جعجع). وهكذا تحولت سوريا من كائن سياسي
إلى فاعل إقليمي بفضل تدخلها في لبنان.
1.4 حرب الخليج 1991: التحول نحو الاعتدال
مثلت حرب الخليج الثانية (1990-1991) نقطة تحول كبرى في الدبلوماسية السورية. ففي قرار
مفاجئ، انحاز الأسد إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق، وأرسل قوات للمشاركة في
الحرب. وقد رأى المحللون الأميركيون أن الأسد أدرك بعد الحرب أنه بلغ نقطة تحول: “يمكنه أن يصبح
الزعيم غير المتنازع عليه للراديكاليين العرب، أو يمكنه أن ينافس على مكانة بين المعتدلين. وقرر الأسد
أن المستقبل مع الولايات المتحدة”.
وجاءت مشاركة سوريا في التحالف الغربي بثمارها الدبلوماسية، حيث حظيت سوريا بدور رئيسي على
طاولة المفاوضات، ونسقت مع مصر والسعودية في تشكيل قوة حفظ سلام عربية جديدة في منطقة
الخليج. كما عمل الأسد مع الولايات المتحدة لإحباط هجمات إرهابية كانت متوقعة ضد أهداف غربية ردا
على حرب الخليج. وقد قبل الأسد الصيغة الأميركية لعقد مؤتمر سلام في الشرق الأوسط، ليصبح أول
زعيم عربي منذ أنور السادات يوافق على مفاوضات سلام عامة ومباشرة مع إسرائيل. ومع ذلك،
رفضت سوريا بشدة فكرة السلام المنفرد مع إسرائيل.
ثانياً: الدبلوماسية السورية في عهد بشار الأسد (2000-2024)
2.1 استمرارية الشكل واختلاف الجوهر
عندما خلف بشار الأسد والده في يوليو 2000، بدا أن السياسة الخارجية السورية ستواصل النهج نفسه.
فقد أشارت دراسة ألان ماكوفسكي إلى أن رئاسة بشار التي استمرت ستة أشهر أظهرت سياسة خارجية
نشطة بشكل مفاجئ، لكنها كانت في جوهرها نسخة كربونية عن سياسة والده. ومع ذلك، سرعان ما تبين
أن الاختلافات جوهرية وليست شكلية.
تشير دراسة أكاديمية إلى أن سياسة الدولة في عهد حافظ الأسد وابنه بشار تشمل اختلافات أكثر مما
تشمل سمات مشتركة. فبينما اغتصب حافظ الأسد السلطة بقدراته الذاتية، تسلمها بشار بالميراث مع
مجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي هددت قدرة الدولة على توفير “الخبز مقابل الحرية”.
وقد رفض بشار في جوهره اتباع المسار الممهّد للتحرير السياسي والاقتصادي المعتدل الذي بدأه والده،
وأساء استخدام “سوط” الدولة لكبح المعارضة الديمقراطية والحركة الكردية.
2.2 التحول من سياسة المحاور إلى التبعية الإيرانية
يُعد التحول في العلاقة مع إيران أحد الفروق الجوهرية بين عهدي الأب والابن. ففي عهد الأسد الأب،
كانت سياسة المحاور، وخصوصاً الاستثمار في صعود إيران، أداة لابتزاز دول الخليج العربي. أما في
عهد الأسد الابن، فتحولت سوريا إلى منطقة نفوذ لإيران في السياق ذاته.
وقد توج هذا التحول باعتماد النظام السوري بشكل كامل على الدعم الإيراني والروسي للبقاء في مواجهة
الانتفاضة الشعبية التي انطلقت عام 2011. فمنذ ذلك العام، استفاد بشار الأسد من الدعم الثابت لروسيا
وإيران، مما مكنه من مقاومة تمرد سرعان ما حظي بدعم أعداء إيران. وقد لعبت روسيا دوراً حاسماً في
بقاء النظام، سواء على الأرض أو في مجلس الأمن الدولي، بمعارضتها لأي تغيير جوهري في الوضع
القائم.
2.3 الانكفاء على محور الممانعة وفقدان الدور الإقليمي
أدت سياسة بشار الأسد الخارجية إلى انكفاء سوريا التدريجي عن محيطها العربي وتحولها إلى محور
الممانعة بقيادة إيران. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انكشفت هشاشة هذه السياسة. فقد استجاب
النظام للاحتجاجات الشعبية، التي كانت جزءاً من موجة “الربيع العربي”، بقمع وحشي، مما حول سوريا
إلى بؤرة للجماعات المسلحة.
ولم يعد الدور الإقليمي السوري كما كان في عهد الأسد الأب. فسياسة بشار الفاشلة في لبنان شكلت “بداية
نهاية الذاتية الإقليمية السورية”. كما أن الحرب الأهلية التي كانت نتيجة لسياسة بشار لم تعلمه شيئاً، وفي
النهاية لجأ إلى مساعدة رعاته الأجانب: روسيا وإيران، وتحول إلى دمية في أيديهما. وقد دفع هذا التحول
الشعب السوري ثمناً باهظاً، ليس فقط بسبب القبضة الحديدية التي حطمت الدولة والمجتمع، ولكن أيضاً
بسبب الدور الإقليمي المؤذي.
ثالثاً: الدبلوماسية السورية في عهد الرئيس أحمد الشرع (2024-)
3.1 سقوط النظام وإعادة الضبط الدبلوماسي
في ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية وتحولات الأولويات
الجيوسياسية وتفاقم الأزمات الإنسانية. مثل هذا السقوط نهاية حقبة دامت 54 عاماً من حكم عائلة الأسد،
وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة البناء الدبلوماسي.
تشير التقارير إلى أن الحكومة السورية الانتقالية، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، شهدت في عام واحد من
التعاملات الدبلوماسية مع المجتمع الدولي أكثر مما شهدته حكومة الأسد في 54 عاماً. ويعكس هذا
الإحصاء حجم التحول الجذري في النهج الدبلوماسي السوري.
3.2 البراغماتية الجديدة: المصالح فوق الإيديولوجيا
لم تعد سوريا الجديدة تشبه سوريا التي عُرفت طوال عقود، فبعد سقوط نظام الأسد تبدلت قواعد اللعبة،
ولم تعد الإيديولوجيا وحدها هي التي تحدد اتجاهات دمشق، بل أصبحت المصالح والقدرة على المناورة
وفتح قنوات الاتصال مع الخصوم قبل الحلفاء جزءاً من المشهد الجديد.
وتسعى دمشق الجديدة إلى الاحتفاظ بالخبرة العسكرية الروسية والإمدادات والدعم الدبلوماسي، ولكن من
دون تبعية عصر الأسد. وهذا يمثل قطيعة واضحة مع سياسة التبعية التي ميزت العقد الأخير من حكم
بشار الأسد.
3.3 إعادة الاندماج الإقليمي والدولي
تشهد الدبلوماسية السورية الجديدة انفتاحاً غير مسبوق على المجتمع الدولي. ففي أغسطس 2026، تم
إزالة سوريا من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، وهي خطوة وُصفت بأنها “نجاح
للدبلوماسية السورية”. كما أعيد تعريف العلاقة مع الصين، التي كانت قد دعمت سياسياً نظام بشار الأسد
واستخدمت حق النقض (الفيتو) لصالحه.
وقد شملت الجهود الدبلوماسية الجديدة زيارات رسمية إلى الصين، وإعادة بناء العلاقات مع مجموعة
واسعة من القوى الدولية. ويرى المراقبون أن واشنطن سارعت إلى التراجع عن جزء كبير من إطار
العقوبات بعد سقوط حكومة الأسد، مدفوعة بموقع سوريا الاستراتيجي وتحالفاتها الإقليمية المتغيرة.
رابعاً: تحليل مقارن: الاستمرارية والتغيير في الدبلوماسية السورية
4.1 الاختلافات الجوهرية بين عهدي الأسد الأب والابن
تكشف المقارنة بين عهدي الأب والابن عن أربعة اختلافات جوهرية:
أولاً: في طبيعة السلطة وشرعيتها. اغتصب حافظ الأسد السلطة بقدراته الذاتية، بينما تسلمها بشار
بالميراث، مما أضعف شرعية الأخير وقدرته على القيادة المستقلة.
ثانياً: في التوازن بين الأهداف الوطنية وبقاء النظام. حافظ الأسد، رغم قسوته، كان يركز على الأمن
القومي السوري، بينما ضحى ابنه بتركيز والده على الأمن القومي لصالح سياسة بقاء النظام regime
survival.
ثالثاً: في طبيعة التحالفات الإقليمية. الأب استثمر في صعود إيران كورقة تفاوضية ضد دول الخليج،
بينما الابن تحول إلى منطقة نفوذ إيرانية.
رابعاً: في المناورة الدبلوماسية. حافظ الأسد كان قادراً على اللعب على عدة محاور (السوفييت،
الولايات المتحدة، الدول العربية)، بينما حصر بشار الأسد نفسه في محور الممانعة الإيراني-الروسي.
4.2 العوامل المفسرة للتحول
يمكن تفسير هذا التحول بعدة عوامل:
العامل البنيوي: ضعف الدولة السورية المزمن الذي تفاقم مع مرور الوقت، مما جعلها أكثر
اعتماداً على الرعاة الخارجيين.
العامل القيادي: شخصية بشار الأسد التي لم تكن مؤهلة للقيادة في ظل الأزمات، ورفضه اتباع
مسار التحرير المعتدل الذي بدأه والده.
العامل الإقليمي: تغير موازين القوى في المنطقة بعد الغزو الأميركي للعراق (2003) والربيع
العربي (2011)، مما دفع النظام نحو مزيد من التصلب.
العامل الدولي: تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة وصعود النفوذ الروسي والإيراني، مما وفر
غطاءً للنظام لمواصلة سياساته القمعية.
4.3 الاستمرارية في ظل التحول
رغم هذه الاختلافات الجوهرية، هناك عناصر من الاستمرارية تربط بين العهدين:
استمرار الخطاب المعادي لإسرائيل كأداة للشرعية الداخلية.
استمرار التدخل في الشؤون اللبنانية والفلسطينية كأداة نفوذ إقليمي.
استمرار النمط الاستبدادي في الحكم، حيث عززت الهيمنة الخارجية قوة النظام في تعامله مع
شعبه.
4.4 قطيعة ما بعد 2024: نحو دبلوماسية جديدة؟
تمثل الدبلوماسية السورية في عهد الرئيس الشرع قطيعة نوعية مع الماضي من عدة جوانب:
الانتقال من التبعية إلى الاستقلالية النسبية: السعي للاحتفاظ بالدعم الروسي من دون تبعية عصر
الأسد.
الانتقال من الإيديولوجيا إلى المصالح: حيث أصبحت المصالح والقدرة على المناورة هي المحرك
الأساسي.
الانتقال من العزلة إلى الانفتاح: إعادة بناء العلاقات مع المجتمع الدولي بعد سنوات من العزلة.
ومع ذلك، لا تزال التحديات كبيرة، فإعادة بناء الدولة والمؤسسات الدبلوماسية بعد عقود من الدمار
يتطلب وقتاً وجهداً، كما أن التوازن بين المصالح المتضاربة للقوى الإقليمية والدولية في سوريا يمثل
تحدياً مستمراً.
خاتمة
تقدم هذه الدراسة تحليلاً مقارناً لتطور الدبلوماسية السورية عبر ثلاثة عهود متمايزة، كشفت من خلاله
عن تحول جوهري من براغماتية متوازنة في عهد حافظ الأسد إلى تبعية متزايدة في عهد بشار الأسد،
وصولاً إلى قطيعة نوعية في المرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس الشرع.
يمكن استخلاص عدة استنتاجات رئيسية:
أولاً: كانت الدبلوماسية السورية في عهد حافظ الأسد نموذجاً للبراغماتية الواقعية، حيث استطاع توظيف
التحالفات المتنوعة (السوفييتية والعربية والغربية) في خدمة أهداف الدولة، مع الحفاظ على درجة عالية
من الاستقلالية النسبية. وكان التدخل في لبنان والمشاركة في حرب الخليج تجسيدين لهذه البراغماتية.
ثانياً: شهد عهد بشار الأسد تحولاً دراماتيكياً من سياسة المحاور إلى التبعية، حيث تحولت سوريا من
لاعب إقليمي إلى ساحة نفوذ إيرانية-روسية. وقد ساهم ضعف القيادة، وتغير البيئة الإقليمية، وتصاعد
الأزمات الداخلية في دفع النظام نحو هذا التحول، مما أدى في النهاية إلى انهياره.
ثالثاً: تمثل المرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس الشرع فرصة تاريخية لإعادة تعريف الدبلوماسية السورية
على أسس جديدة، تقوم على المصالح الوطنية والانفتاح المؤسسي بدلاً من الإيديولوجيا والتبعية. ومع
ذلك، تظل التحديات الهيكلية والجيوسياسية عقبات كبيرة أمام هذا المشروع.
رابعاً: تؤكد المقارنة بين العهود الثلاثة أن السياسة الخارجية السورية كانت دوماً رهينة للتوازن بين
“العقل الحكومي” و”عقل الأمة”، وبين المصالح الوطنية والانتماءات الإقليمية. وقد أدى اختلال هذا
التوازن في عهد بشار الأسد إلى كارثة وطنية، بينما يسعى المشروع الجديد إلى استعادته في سياق
مختلف.
في النهاية، تظل الدبلوماسية السورية في المرحلة الانتقالية موضوعاً مفتوحاً على احتمالات متعددة،
تعتمد على قدرة القيادة الجديدة على بناء مؤسسات دبلوماسية فاعلة، وإدارة التوازنات الإقليمية والدولية
المعقدة، واستعادة ثقة الشعب السوري والمجتمع الدولي على حد سواء.
قائمة المراجع
- عبد الرحمن، حسام. La politique étrangère syrienne: la restructuration
stratégique de la guerre à la paix durant la présidence de Hafez Al-
Assad. أطروحة دكتوراه، جامعة تولوز، 2010. - Belcastro, Francesco. “The Foreign Policy of Syria.” In Syrian
Foreign Policy, Taylor & Francis, 2019. - Zelinskyi, Andriy. “The Father and the Son al-Assad: the Common
and Different Features of a State Policy.” Problems of World History,
no. 25, 2024, pp. 129-163. - “أوهام الدور الإقليمي لسوريا في عهد نظام الأسد.” النهار، 4 يوليو 2025.
- Makovsky, Alan. “Syria’s Foreign Policy under Bashar al-Asad.” The
Washington Institute for Near East Policy, 2000. - “Syrian Foreign Policy.” Academia.edu, 2025.
- “How George HW Bush reached out to Hafez al-Assad amid Soviet
Union collapse.” Al Majalla, 2023. - “Hafez al-Assad ‘shocked’ Kissinger by agreeing to separation
line.” Al Majalla, 2023. - “Middle East: Why Assad Saw the Light.” TIME, 29 July 1991.
- “MIDDLE EAST: Peace, But Not This Year.” TIME, 1977.
- “Syria returns to global stage: Rebuilding diplomacy in year
since Assad’s fall.” Anadolu Agency, 8 December 2025. - “سوريا الجديدة.. براجماتية المصالح واللعب على كل الحبال.” الأسبوع، 25 أغسطس
2026. - “Syria’s removal from US terror list ‘shakes off dark stain’: Al-
Sharaa.” Daily Sabah, 25 August 2026.



إرسال التعليق