أخطر النجاحات الدبلوماسية من طروادة إلى العصر الحديث

أخطر النجاحات الدبلوماسية من طروادة إلى العصر الحديث
محمد عبد الكريم يوسف

ملخص
تتناول هذه الدراسة ظاهرة “النجاحات الدبلوماسية الخطيرة” التي حققت مكاسب آنية لكنها أدت إلى
عواقب كارثية على المدى البعيد. انطلاقاً من حصان طروادة بوصفه الاستعارة التأسيسية لهذه الظاهرة،
تتبع الورقة مسار النجاحات الدبلوماسية التي حملت في طياتها بذور الدمار، من معاهدة فرساي (1919)
التي مهّدت للحرب العالمية الثانية، إلى اتفاقيات كامب ديفيد (1978) التي حققت سلاماً مصرياً-إسرائيلياً
على حساب القضية الفلسطينية، واتفاقيات أوسلو (1993) التي رسخت عدم التوازن في القوة، وصولاً
إلى الانفتاح الأميركي على الصين في سبعينيات القرن العشرين. تعتمد الدراسة منهجاً تاريخياً تحليلياً
مقارناً، مستعينةً بأعمال باحثين في التاريخ الدبلوماسي والعلاقات الدولية لتفسير الآليات التي تحول من
خلالها النجاح الدبلوماسي إلى كارثة. توصل الدراسة إلى أن أخطر النجاحات الدبلوماسية تتسم بثلاث
سمات مشتركة: تضحيات أخلاقية أو جيوسياسية غير مرئية وقت الاتفاق، وإشكالية زمنية تتمثل في
تأجيل القضايا الجوهرية، وانعكاسات غير مقصودة تعيد تشكيل موازين القوة بطرق لم يتوقعها صانعو
القرار.
الكلمات المفتاحية: النجاحات الدبلوماسية، الكارثة الدبلوماسية، معاهدة فرساي، كامب ديفيد، أوسلو،
الانفتاح على الصين، حصان طروادة.

أولاً: المقدمة
“احذروا الإغريق وهم يقدمون الهدايا”. هذه العبارة الخالدة التي أطلقتها لاوكون في ملحمة الإنيادة
تختصر جوهر ظاهرة نادرة لكنها بالغة الأهمية في التاريخ الدبلوماسي: النجاحات التي تخفي في باطنها
كوارث. فحصان طروادة، ذلك المنجز الهندسي والعسكري الذي مكّن الإغريق من اقتحام مدينة طروادة
بعد حصار دام عشر سنوات، لم يكن مجرد خدعة حربية؛ بل كان، في جوهره، عمليةً دبلوماسية متقنة
قائمة على الخداع وتقديم “هدية” قبل أن تتحول إلى أداة دمار شامل.
غير أن هذه الظاهرة لم تقتصر على الأساطير الإغريقية. فعبر التاريخ، تزخر السجلات الدبلوماسية
بنجاحات بدت في لحظتها انتصارات باهرة، لكنها انقلبت مع مرور الزمن إلى كوابيس أطاحت
بالاستقرار الدولي وأشعلت حروباً وأذكت صراعات. وكما لاحظ مؤرخو العلاقات الدولية، فإن “العديد
من القادة بدأوا بسلسلة من النجاحات الدبلوماسية الكبرى قبل أن ينهاروا بأسلوب مهيب”.
تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن سؤالين محوريين: ما هي أبرز النماذج التاريخية للنجاحات الدبلوماسية
التي تحولت إلى كوارث؟ وما هي الآليات البنيوية والنفسية التي تفسر هذا التحول؟ وتنطلق الدراسة من
فرضية أن أخطر النجاحات الدبلوماسية ليست تلك التي تفشل فوراً، بل تلك التي تنجح في الظاهر بينما
تزرع بذور دمارها في العمق.

ثانياً: الإطار النظري: متى يصبح النجاح الدبلوماسي كارثة؟

2.1 مفهوم “النصر الباهظ” في الدبلوماسية
استعارت الدراسات الدبلوماسية مفهوم “النصر الباهظ” (Pyrrhic victory) من التاريخ العسكري.
فكما حقق الملك بيروس انتصارات عسكرية كلفته خسائر فادحة جعلت كل انتصار أقرب إلى الهزيمة،
فإن بعض النجاحات الدبلوماسية تحقق أهدافاً آنية لكنها تُحدث أضراراً استراتيجية تفوق المكاسب. وقد
طُبق هذا المفهوم على العديد من الإنجازات الدبلوماسية، مثل انضمام جنوب أفريقيا لمعاهدة عدم انتشار
الأسلحة النووية، أو بعض مواقف الاتحاد الأوروبي.

2.2 “إشكالية الزمن” في تقييم النجاح الدبلوماسي
من أبرز التحديات في تقييم النجاح الدبلوماسي “إشكالية الزمن”: فما يبدو نجاحاً في المدى القصير قد
يتحول إلى كارثة في المدى البعيد. وقد لاحظ الباحثون أن مؤرخي القرن العشرين، بالنظر إلى الوراء من
منظور الحرب العالمية الثانية، “استنتجوا بسهولة أن صانعي السلام في باريس (1919) قد فشلوا”. فما
كان في لحظة توقيعه نصراً دبلوماسياً للحلفاء تحول، بعد عقدين، إلى أحد الأسباب الرئيسية لنشوب حرب
أكثر دموية.

2.3 التضحية بالقيم من أجل المكاسب التكتيكية
تتسم بعض النجاحات الدبلوماسية الخطيرة بتقديم تنازلات أخلاقية أو سياسية مؤقتة مقابل مكاسب
تكتيكية. فاتفاقيات أوسلو، كما يرى نقادها، لم تسعِ فقط إلى “مأسسة حالة انعدام التوازن في القوة بين
الفلسطينيين والإسرائيليين، بل أعطت لإسرائيل وسيلةً تدير من خلالها” الصراع. وبالمثل، فإن معاهدة
فرساي، التي فرضت على ألمانيا “تعويضات حرب جسيمة” وأذلتها أخلاقياً واقتصادياً، حققت للحلفاء
سلاماً موقتاً لكنها أشعلت مشاعر انتقامية عميقة.

2.4 العواقب غير المقصودة
ترتبط أخطر النجاحات الدبلوماسية غالباً بـ”العواقب غير المقصودة” (unintended
consequences). فالانفتاح الأميركي على الصين في عهد نيكسون، الذي وُصف بأنه “الأسبوع
الذي غيّر العالم”، كان يهدف إلى الضغط على الاتحاد السوفيتي وخلق فرص اقتصادية، لكنه أسهم في
نهاية المطاف في ظهور قوة عظمى منافسة للولايات المتحدة. وهذا النمط من النتائج غير المتوقعة هو ما
يجعل بعض النجاحات الدبلوماسية أكثر خطورة من الإخفاقات الصريحة.

ثالثاً: نماذج تاريخية للنجاحات الدبلوماسية الخطيرة

3.1 حصان طروادة: الاستعارة التأسيسية (القرن الثاني عشر ق.م)
تُعد قصة حصان طروادة الاستعارة الأكثر رسوخاً في الوعي الجماعي لفكرة “النجاح الخادع”. بعد أن
فشلت الجهود الدبلوماسية والعسكرية الإغريقية في اقتحام طروادة, ابتكر الإغريق حيلة العصر: حصاناً

خشبياً ضخماً أجوف، مُلئ بمحاربين، وتركوه كـ”هدية” أمام أسوار المدينة. انطلقت المفاوضات
الدبلوماسية غير المباشرة التي تقوم على الخداع: إذ قدم الإغريق أنفسهم كمنسحبين، تاركين وراءهم
“هدية” ترمز إلى الاستسلام. وانطلت الحيلة على الطرواديين، فأدخلوا الحصان إلى مدينتهم، ليفاجؤوا في
الليل بخروج المحاربين الإغريق الذين فتحوا أبواب المدينة من الداخل.
تكمن خطورة هذا “النجاح الدبلوماسي” في أنه نجاح قائم على الخداع المطلق، حيث يتحول غطاء السلام
إلى أداة حرب. ومن المفارقات التاريخية أن مصطلح “حصان طروادة” أصبح يُستخدم في العلاقات
الدولية الحديثة للإشارة إلى سياسات أو اتفاقيات تبدو في ظاهرها نجاحاً دبلوماسياً لكنها تخفي في باطنها
استكمالاً لمهمة وظيفية أو عدائية.

3.2 دبلوماسية هتلر (1933-1939): الانتصار دون خسارة جندي واحد
يمثل أداء هتلر الدبلوماسي بين عامي 1933 و1939 أحد أبرز الأمثلة على النجاح الدبلوماسي الذي
تحول إلى كارثة عالمية. ففي غضون ست سنوات، “دون أن يخسر جندياً ألمانياً واحداً أو يواجه عقوبات
اقتصادية، أطاح هتلر بمعظم بنود معاهدة فرساي”.
تمثلت إنجازاته الدبلوماسية في: إعادة تسليح ألمانيا في انتهاك صريح لمعاهدة فرساي، وإعادة احتلال
راينلاند (1936)، وضم النمسا (1938)، والحصول على السوديت في مؤتمر ميونيخ (1938) عبر
سياسة الاسترضاء التي انتهجتها بريطانيا وفرنسا. كل هذه كانت نجاحات دبلوماسية باهرة من منظور
ألماني، لكنها شجعت هتلر على المزيد من المطالب، وأضعفت ثقة الحلفاء في قدرتهم على ردعه، وأدت
في النهاية إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية. فما كان نجاحاً دبلوماسياً لألمانيا النازية تحول إلى كارثة
إنسانية وجيوسياسية غير مسبوقة.

3.3 معاهدة فرساي (1919): السلام الذي أشعل حرباً
تُعد معاهدة فرساي المثال الأكثر دراسةً على النجاح الدبلوماسي الذي تحول إلى كارثة. ففي 28 يونيو
1919، وقّع الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى معاهدة سلام مع ألمانيا المهزومة، منهين
بذلك رسمياً حالة الحرب. وكان الهدف الظاهر للمعاهدة هو “إرساء السلام بين دول الحلفاء ودول
المحور”.
لكن المعاهدة حملت في طياتها بذور حرب أكبر. فقد فرضت على ألمانيا شروطاً قاسية: تحميلها
المسؤولية الكاملة عن الحرب، وفرض تعويضات مالية ضخمة، وتجريدها من أراضٍ واسعة، وتقييد
جيشها. وقد وصفها المراقبون بأنها “معاهدة حملت في طياتها بذور كارثة أكبر”، وأنها “أذلت ألمانيا”
وأشعلت مشاعر الاستياء والانتقام.
وقد خلص العديد من المؤرخين إلى أن معاهدة فرساي كانت عاملاً رئيسياً في اندلاع الحرب العالمية
الثانية. وكما لاحظ أحد الباحثين، فإن “هزيمة بروسيا على يد فرنسا عام 1870 عززت المشاعر والقوى
التي أوصلت إلى الحرب العالمية الأولى، بينما ساعدت معاهدة فرساي عام 1919 في إشعال الحرب
العالمية الثانية”. والمعاهدة، التي كانت في لحظة توقيعها نصراً دبلوماسياً للحلفاء، تحولت بعد عقدين إلى
أحد الأسباب الجذرية لكارثة أوروبية جديدة.

3.4 اتفاقيات كامب ديفيد (1978): السلام المصري-الإسرائيلي وثمنه الفلسطيني

في سبتمبر 1978، وقّع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن
اتفاقيات كامب ديفيد برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر. كانت الاتفاقيات تتويجاً لجهود دبلوماسية
مكثفة، ووُصفت في حينها بأنها “انتصار للدبلوماسية وألهمت جيلاً من المسؤولين للحلم بما كان
مستحيلاً”.
حققت الاتفاقيات مكاسب واضحة: استعادت مصر سيناء، وحصلت إسرائيل على اعتراف عربي كانت
تسعى إليه، ونجا السلام المصري-الإسرائيلي من اغتيال السادات وحروب لبنان وغزة. غير أن الثمن
كان باهظاً. فقد أدت الاتفاقيات إلى “تفكك الجبهة العربية الموحدة” في مواجهة إسرائيل، وعزلت مصر
عن محيطها العربي. والأكثر خطورة، أنها ضمنت استمرار “انعدام الدولة الفلسطينية”، إذ أن اتفاقيات
كامب ديفيد، كما يرى نقادها، لم تحقق للفلسطينيين – المستفيدين المفترضين من الرؤية لتسوية إقليمية
شاملة – دولتهم المنشودة، بل رسخت واقعهم الاستعماري.
ومن المفارقات أن النجاح الدبلوماسي الذي حققه كارتر في كامب ديفيد ارتبط أيضاً بفشله الأكبر لاحقاً.
فالصفقة التي أوصلت السلام بين مصر وإسرائيل جاءت على حساب القضية الفلسطينية، وأسهمت في
تعقيد الصراع العربي-الإسرائيلي لعقود قادمة.

3.5 اتفاقيات أوسلو (1993): حلم السلام الذي تحول إلى كابوس
في عام 1993، وقّعت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل اتفاقيات أوسلو، في لحظة بدت وكأنها فجر
سلام في الشرق الأوسط. مُنح ياسر عرفات ويتسحاق رابين جائزة نوبل للسلام تقديراً لهذا الإنجاز
الدبلوماسي.
لكن مع مرور الزمن، بدا أن الاتفاقيات “أقل انتصاراً من كونها فشلاً ذريعاً”. فقد أجلت الاتفاقيات حسم
جميع القضايا الخلافية الجوهرية: وضع القدس، واللاجئين الفلسطينيين، والمستوطنات الإسرائيلية. وبدلاً
من أن تؤدي إلى دولة فلسطينية، رسخت حالة “انعدام التوازن في القوة” بين الطرفين. وقد خلص بعض
المحللين إلى أن الاتفاقيات انهارت “ليس بسبب الفشل في الالتزام بالاتفاقات، بل بسبب بنود
وأيديولوجيات الاتفاقات ذاتها”. والأكثر إيلاماً، أن الاتفاقيات التي كانت تهدف إلى إنهاء الاحتلال أسهمت
في تعميقه، وأدت إلى “آلاف الضحايا، وأضرت بأمن إسرائيل، وخلقت واقعاً سمح للإرهاب الفلسطيني
بالنمو”.

3.6 الانفتاح الأميركي على الصين (1971-1972): النجاح الجيوسياسي وتداعياته
في عام 1971، أعلن هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأميركي، عن زيارته السرية للصين، تلتها
زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون التاريخية في فبراير 1972. كان هذا الانفتاح “إنجازاً دبلوماسياً
مذهلاً”, إذ أنهى عقوداً من العداء بين الولايات المتحدة والصين، وأسهم في إعادة ترتيب موازين القوى
العالمية في ذروة الحرب الباردة.
كانت دوافع الانفتاح استراتيجية: الضغط على الاتحاد السوفيتي في إطار سياسة الانفراج، وخلق فرص
اقتصادية جديدة للشركات الأميركية. وقد نجحت الخطة في المدى القصير: شعر الاتحاد السوفيتي بأنه
محاصر، فدعا نيكسون إلى موسكو لتوقيع اتفاقية تاريخية للحد من الأسلحة.
لكن العواقب طويلة المدى كانت مختلفة تماماً. وكما أشار كيسنجر ونيكسون نفسيهما، فقد أدركا أن
الصين ستصبح قوة عظمى في غضون عقود قليلة، مما يشكل خطراً على الولايات المتحدة. واليوم، وبعد

نصف قرن، أصبحت الصين المنافس الجيوسياسي الأبرز للولايات المتحدة، في صراع يعيد تشكيل
النظام الدولي. فما كان نجاحاً دبلوماسياً بارعاً في سبعينيات القرن العشرين تحول، من منظور القرن
الحادي والعشرين، إلى أحد أعظم التحديات الاستراتيجية التي تواجه أميركا.

3.7 دبلوماسية كيسنجر: نجاحات متعددة وإرث دموي
يمثل هنري كيسنجر نموذجاً فريداً للدبلوماسي الذي حقق سلسلة من النجاحات الباهرة، لكن إرثه يحمل
في طياته مآسي جماعية. فإلى جانب الانفتاح على الصين، قاد كيسنجر “دبلوماسية مكوكية” أنهت حرب
أكتوبر 1973 وأرسَت أسس السلام المصري-الإسرائيلي، وفاز بجائزة نوبل للسلام عام 1973 لدوره
في وقف إطلاق النار في فيتنام.
غير أن هذه النجاحات رافقتها كوارث: القصف السري لكمبوديا، ودعم غزو إندونيسيا لتيمور الشرقية
الذي أسفر عن 200,000 قتيل، وتداعيات سياساته في بنغلادش وشرق تيمور. وكما لاحظ النقاد، فإن
“إرث كيسنجر الدموي” امتد من الأرجنتين إلى تيمور الشرقية. فنجاحاته الدبلوماسية، التي نالت إشادة
واسعة، اقترنت بتكاليف بشرية هائلة جعلت منها نجاحات باهظة الثمن.

رابعاً: تحليل العوامل المشتركة: لماذا تتحول النجاحات الدبلوماسية إلى كوارث؟
انطلاقاً من النماذج التاريخية المتنوعة التي استعرضناها، يمكن تحديد مجموعة من العوامل المتكررة
التي تفسر تحول النجاح الدبلوماسي إلى كارثة:
أولاً: تضحية القيم الجوهرية من أجل مكاسب تكتيكية. في معاهدة فرساي، ضحّى الحلفاء بالعدالة
والكرامة الألمانية من أجل سلام قصير الأمد. وفي كامب ديفيد، ضُحّي بالقضية الفلسطينية من أجل سلام
مصري-إسرائيلي. وفي أوسلو، أُجلت القضايا الجوهرية لصالح ترتيبات مرحلية. وفي كل هذه الحالات،
كانت التضحية الأخلاقية أو السياسية هي الثمن المدفوع مقابل النجاح الظاهري.
ثانياً: إشكالية الزمن وتأجيل القضايا الجوهرية. ترتبط أخطر النجاحات الدبلوماسية بتأجيل القضايا
الخلافية إلى المستقبل. فاتفاقيات أوسلو أجلت كل القضايا الجوهرية، ومعاهدة فرساي تركت جراحاً
مفتوحة اندلعت بعد عقدين. وهذا التأجيل، بدلاً من أن يكون حلاً، يتحول إلى قنبلة موقوتة.
ثالثاً: العواقب غير المقصودة وإعادة تشكيل موازين القوة. الانفتاح على الصين حقق أهدافه المباشرة
لكنه أسهم في ظهور منافس عالمي. ومعاهدة فرساي، التي كانت تهدف إلى إضعاف ألمانيا، أوصلت إلى
السلطة نظاماً نازياً أكثر تدميراً. وكامب ديفيد، التي كانت تهدف إلى السلام الشامل، عمّقت الانقسام
العربي وأطالت أمد الصراع.
رابعاً: غياب الرؤية طويلة المدى. تتسم النجاحات الدبلوماسية الخطيرة غالباً بالتركيز على المكاسب
الفورية على حساب التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى. فصانعو القرار في باريس عام 1919 لم يتخيلوا
أن معاهدةهم ستؤدي إلى حرب عالمية ثانية؛ وكيسنجر ونيكسون لم يتوقعا أن انفتاحهما على الصين
سيخلق منافساً جيوسياسياً بعد خمسين عاماً.
خامساً: الخداع وسوء النية. في حالة حصان طروادة، كان النجاح قائماً على الخداع المطلق. وفي حالة
هتلر، كانت النجاحات الدبلوماسية غطاءً لتوسع عسكري. وفي بعض الحالات الأخرى، كان سوء النية أو
عدم التوازن في القوة هو العامل المحوري، كما في أوسلو حيث “تفاوضت إسرائيل بسوء نية”.

خامساً: الخاتمة
إن تاريخ أخطر النجاحات الدبلوماسية ليس مجرد سجل للإنجازات التي تحولت إلى كوارث، بل هو مرآة
تعكس محدودية الحكمة البشرية وقصر نظر صناع القرار. فمن حصان طروادة إلى معاهدة فرساي،
ومن كامب ديفيد إلى أوسلو، ومن الانفتاح على الصين إلى دبلوماسية كيسنجر، يتكرر النمط ذاته: نجاح
دبلوماسي يُحتفى به في لحظته، لكنه يتحول مع مرور الزمن إلى كارثة تدفع الأجيال القادمة ثمنها.
تظهر هذه الدراسة أن أخطر النجاحات الدبلوماسية ليست تلك التي تفشل فوراً، بل تلك التي تنجح في
الظاهر بينما تزرع في العمق بذور دمارها. وهي تتسم بثلاث سمات مشتركة: تضحيات أخلاقية أو
جيوسياسية غير مرئية وقت الاتفاق، وإشكالية زمنية تتمثل في تأجيل القضايا الجوهرية، وانعكاسات غير
مقصودة تعيد تشكيل موازين القوة بطرق لم يتوقعها أحد.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذا التاريخ الطويل هو أن الدبلوماسية الفعالة لا تُقاس بحجم
النجاحات اللحظية، بل بقدرتها على تحقيق سلام مستدام يحترم الكرامة الإنسانية ويوازن بين المصالح
المتضاربة. فالدول التي نجحت في مساعيها الدبلوماسية على المدى البعيد هي تلك التي امتلكت الشجاعة
لمواجهة القضايا الجوهرية بدلاً من تأجيلها، والتي وضعت الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية في صلب
استراتيجياتها، والتي أدركت أن النصر الحقيقي ليس في كسب معركة دبلوماسية، بل في بناء سلام
يستحق أن يُورث للأجيال القادمة.
في النهاية، تظل دراسة النجاحات الدبلوماسية الخطيرة ضرورة أكاديمية وسياسية، لأنها تذكّرنا بأن
الانتصار في الدبلوماسية، شأنه شأن الانتصار في الحرب، قد يكون باهظ الثمن إلى درجة تجعله أقرب
إلى الهزيمة.

قائمة المراجع
 “اتفاقيات أوسلو أضرّت بالمصالح الفلسطينية”. معهد واشنطن. 
 “اتفاقيات كامب ديفيد”. موسوعة ويكيبيديا العربية. 
 “اتفاقية أوسلو (إعلان المبادئ)”. المركز الفلسطيني للدراسات. 
 “الحرب العالمية الأولى كارثة أعادت رسم خارطة العالم”. يورونيوز عربي. 
 “الانفتاح على الصين لن يرفع العقوبات عن إيران”. أفاتوداي. 
 “الوصف: اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية”. مندومة. 
 “بعيداً عن النفوذ الأميركي… بريطانيا تنوع أوراق قوتها”. المجلة. 
 “تاريخ الدبلوماسية”. موسوعة ويكيبيديا العربية. 
 “حصان طروادة جزء من أساطير حرب طروادة”. موسوعة ويكيبيديا العربية. 
 “حصان طروادة.. مشروع كيمحي المؤجل”. خانداق. 
 “دعوات إسرائيلية لإلغاء اتفاقية أوسلو”. الجزيرة نت. 
 “معاهدة فرساي.. اتفاقية سلام مهّدت للحرب العالمية الثانية”. الجزيرة نت. 
 “مئة عام على معاهدة فرساي… سبيل إلى السلام أو طريق إلى الحرب؟”. إندبندنت عربية. 
 “نواف سلام: حصان طروادة.. مشروع كيمحي المؤجل”. خانداق. 
 “وهم أوسلو”. مؤسسة كارنيجي. 
 Andelman, David. A Shattered Peace: Versailles 1919 and the Price
We Pay Today. Foreign Affairs. 

 “Assad’s Pyrrhic victory in Aleppo”. Arab News. 
 “Camp David Accords”. Palquest. 
 “Could the Versailles system have worked?”. Duke University
Libraries. 
 “EU Measures toward Israeli Activities…: A Diplomatic Achievement
or a Pyrrhic Victory?”. Semantic Scholar. 
 Graebner, Norman A. and Bennett, Edward M. The Versailles Treaty
and Its Legacy: The Failure of the Wilsonian Vision. Oxford
University Press. 
 H-Net Discussion Networks. 
 “How the US failed Oslo”. Jordan Times. 
 “Kissinger’s lasting influence”. Al-Ahram Weekly. 
 “Kissinger’s diplomatic achievements”. The Conversation. 
 Kristof, Nicholas. “Lessons from Kissinger’s triumphs and
catastrophes”. New York Times. 
 “La settimana che ha cambiato il mondo”. Stanford University. 
 “Last-Chance Diplomacy Between Washington and Tehran”. 
 “Nobel Peace Prize for War”. National Interest. 
 “Preventing Palestine: A Political History from Camp David to Oslo”. 
 “South Africa and the Nuclear Non-Proliferation Treaty: Diplomatic
Coup or a Pyrrhic Victory?”. AfricaBib. 
 “The Fatal Flaw That Doomed the Oslo Accords”. The Atlantic. 
 “The legacy of Henry Kissinger”. Jamaica Gleaner. 
 “The World from Berlin: A Pyrrhic Victory for Belgrade?”. Spiegel. 
 “Versailles Treaty”. Encyclopaedia Britannica.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك