التحيز المعرفي والفشل الدبلوماسي: دراسة في سيكولوجية صنع القرار في السياسة الخارجية
التحيز المعرفي والفشل الدبلوماسي: دراسة في سيكولوجية صنع القرار في السياسة الخارجية
محمد عبد الكريم يوسف
ملخص
تتناول هذه الدراسة دور التحيزات المعرفية في تفسير الفشل الدبلوماسي، من خلال استكشاف الآليات النفسية التي تشوّه إدراك صنّاع القرار
وتؤدي إلى أخطاء استراتيجية فادحة. تنطلق الورقة من فرضية أن الإخفاقات الدبلوماسية الكبرى لا تعود – في كثير من الأحيان – إلى نقص
المعلومات أو ضعف القدرات المؤسسية، بل إلى أنماط منهجية من الخطأ في المعالجة المعرفية للمعلومات المتاحة. تعتمد الدراسة منهجاً
تحليلياً يجمع بين الإطار النظري لعلم النفس السياسي – وبخاصة أعمال روبرت جيرفيس ودانيال كانيمان – واستعراض نماذج تاريخية
للفشل الدبلوماسي من حرب فيتنام إلى غزو العراق 2003، مروراً بإخفاقات التقييم الاستخباراتي الأميركي في أفغانستان وأوكرانيا. توصل
الدراسة إلى أن التحيزات المعرفية – وفي مقدمتها تحيز التأكيد، والثقة المفرطة، والخطأ الأساسي في الإسناد، والتفكير المرآتي، وتحيز
الجماعة – تشكل عوائق بنيوية أمام التقييم الموضوعي في صنع القرار الدبلوماسي، وأن فهم هذه التحيزات وسبل التخفيف من آثارها يشكل
شرطاً أساسياً لتجاوز الإخفاقات المتكررة وبناء ممارسة دبلوماسية أكثر فعالية.
الكلمات المفتاحية: التحيز المعرفي، الفشل الدبلوماسي، صنع القرار، علم النفس السياسي، تحيز التأكيد، الثقة المفرطة، روبرت جيرفيس.
أولاً: المقدمة
تمثل الإخفاقات الدبلوماسية واحدة من أكثر الظواهر إيلاماً وتكراراً في تاريخ العلاقات الدولية. فمن معاهدة فرساي التي مهّدت للحرب
العالمية الثانية، إلى كارثة غزو العراق 2003، إلى الفشل في توقع هجمات 11 سبتمبر، تتكرر أنماط من الأخطاء الاستراتيجية تذهل
المراقبين وتكلف الدول والمجتمعات ثمناً باهظاً. غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس “ماذا حدث؟” بل “لماذا حدث، رغم وفرة المعلومات
وضخامة الموارد الاستخباراتية؟”.
تقترح هذه الدراسة أن جزءاً كبيراً من الإجابة يكمن في التحيزات المعرفية (cognitive biases) التي تشوّه إدراك صنّاع القرار وتؤدي
بهم إلى قراءة خاطئة للواقع. فالتحيزات المعرفية ليست مجرد أخطاء عابرة في التفكير، بل هي “أنماط منهجية من الانحراف في إصدار
الأحكام”، تنشأ عن ميل الدماغ البشري إلى تبسيط معالجة المعلومات من خلال “مرشح للخبرة والتفضيلات الشخصية”. وهذه الأنماط، كما
يرى الباحثون، “ليست حتمية ولا خارجة عن السيطرة، لكن تأثيرها على صنع القرار في الأمن …” يمكن أن يكون مدمراً.
يعود الاهتمام الأكاديمي بالتحيزات المعرفية في العلاقات الدولية إلى أعمال رائدة، أبرزها كتاب روبرت جيرفيس “الإدراك والخطأ في
الإدراك في السياسة الدولية” (Perception and Misperception in International Politics) الذي شكل “علامة فارقة في
تطبيق علم النفس المعرفي على صنع القرار السياسي”. وقد أثبت جيرفيس أن “ما إن يعتقد القائد شيئاً ما، فإن ذلك التصور سيؤثر على
الطريقة التي يدرك بها القائد جميع المعلومات الأخرى ذات الصلة”.
تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن سؤالين محوريين: ما هي أبرز التحيزات المعرفية التي تؤدي إلى الفشل الدبلوماسي؟ وكيف تتجلى هذه
التحيزات في نماذج تاريخية محددة؟ وتنطلق الدراسة من فرضية أن الإخفاقات الدبلوماسية “ليست – في كثير من الأحيان – مجرد حالات
فريدة من عدم الكفاءة الفردية، بل هي نقاط ضعف متأصلة في أي نظام بشري لصنع القرار يعمل تحت ضغط شديد”.
ثانياً: الإطار النظري: التحيز المعرفي ونظرية صنع القرار
2.1 جذور المفهوم: كانيمان وتفيرسكي
يعود التأسيس النظري لمفهوم التحيزات المعرفية إلى أعمال علماء النفس دانيال كانيمان和阿莫斯 تفيرسكي في أوائل السبعينيات، الذين
لاحظوا “عدم قدرة الناس على التفكير بشكل حدسي في الأمور التي تتضمن أوامر أكبر من الحجم …”. وقد بيّنا أن العقل البشري، بدلاً من
أن يعمل كآلة حسابية عقلانية، يعتمد على الاستدلالات (heuristics) – أي اختصارات ذهنية – تسمح باتخاذ قرارات سريعة في ظل عدم
اليقين، لكنها تؤدي إلى أخطاء منهجية متوقعة.
هذه الرؤية تتحدى جذرياً نموذج “الفاعل العقلاني” (rational actor) الذي افترضته النظريات الكلاسيكية في العلاقات الدولية،
وخصوصاً الواقعية ونظرية الاختيار العقلاني. فبدلاً من أن تكون تفضيلات صنّاع القرار “مستقرة وموضوعية”، فإن “التحيزات المعرفية
تنتهك بشكل منهجي هذه الافتراضات الأساسية”.
2.2 العقلانية المحدودة وصنع القرار الدبلوماسي
يقدم مفهوم “العقلانية المحدودة” (bounded rationality) الذي طوره هربرت سايمون إطاراً لفهم كيف يتخذ صنّاع القرار قراراتهم في
ظل قيود معرفية ومعلوماتية. ففي سياق الدبلوماسية، حيث “عدم اليقين والضغط مرتفعان، غالباً ما يتم تضخيم عواقب التفكير الخاطئ”.
يضاف إلى ذلك “ضغط الوقت: فغالباً ما تحتاج القرارات إلى اتخاذها بشكل عاجل استجابة لتطورات سريعة”، مما يزيد من الاعتماد على
الاختصارات الذهنية.
وهذا ما يفسر لماذا “القرارات التي تبدو “غير عقلانية” أو دون المستوى الأمثل من منظور واقعي بنيوي محض” – مثل تصعيد حرب مكلفة
مع آمال متضائلة في النصر – “تصبح أكثر قابلية للتفسير عندما تؤخذ في الاعتبار الديناميكيات المعرفية الداخلية للقادة، مثل النفور الشديد
من الخسارة أو الثقة المفرطة الراسخة”.
2.3 جيرفيس والإدراك في السياسة الدولية
يمثل روبرت جيرفيس الرائد بلا منازع في تطبيق علم النفس المعرفي على العلاقات الدولية. وقد حدد جيرفيس “الظروف الهيكلية
والتحيزات المعرفية التي تدفع إلى الخطأ في الإدراك في السياسة الدولية”. ومن بين التحيزات التي استعرضها، أخذ على محمل الجد “ميل
رؤية التنسيق حيث لا يوجد تنسيق”.
جوهر أطروحة جيرفيس هو أن صنّاع القرار لا يعالجون المعلومات بشكل موضوعي؛ بل يفسرونها من خلال عدساتهم المعرفية المسبقة.
وهذا يعني أن التحيزات لا تشوه تفسير المعلومات فحسب، بل تشكل أيضاً أي معلومات يتم البحث عنها وأيها يتم تجاهلها. وهذا له آثار
عميقة على الدبلوماسية، حيث يعتمد النجاح على القراءة الدقيقة لنوايا الخصوم وقدراتهم.
2.4 الطبيعة النظامية للتحيزات
تشير الأدبيات المعاصرة إلى أن التحيزات المعرفية ليست مجرد سمات فردية، بل هي ظواهر نظامية تتضخم في سياقات مؤسسية معينة.
فـ”الطبيعة النظامية لهذه التحيزات، التي تضخمها ظروف العقلانية المحدودة المنتشرة، تشير إلى أن الإخفاقات في السياسة الخارجية التي
تُعزى إلى قرارات خاطئة … تتعلق غالباً بنقاط الضعف المتأصلة في أي نظام بشري لصنع القرار يعمل تحت ضغط شديد”.
وهذا يعني أن “حتى الأفراد الأكثر قدرة يمكن أن يضلوا” إذا كان “النظام” نفسه – الطريقة التي تُصاغ بها القرارات، وتُعالج بها المعلومات،
وتُدار بها الضغوط – “عرضة لإنتاج نتائج متحيزة”. وتتضاعف هذه المخاطر في أوساط الاستخبارات التي تعمل ضمن “هياكل سرية
ومجزأة للغاية، والتي، رغم كونها ضرورية للأمن، تعزز أيضاً العزلة والتفكير الجماعي من خلال الحد من التعاون بين الوكالات والرقابة
الخارجية”.
ثالثاً: أنواع التحيزات المعرفية المؤدية إلى الفشل الدبلوماسي
3.1 تحيز التأكيد (Confirmation Bias)
يعد تحيز التأكيد أحد أكثر التحيزات المعرفية شيوعاً وتدميراً في صنع القرار الدبلوماسي. وهو يعني ميل صنّاع القرار والمحللين
الاستخباراتيين إلى “تفضيل المعلومات التي تتوافق مع معتقداتهم المسبقة مع تجاهل البيانات التي تناقض تلك الآراء”. والنتيجة هي تشكيل
“غرفة صدى” على مستوى صنع القرار، حيث تُعزز التحليلات التي تتحدث عن “المرونة” و”القوة” التصورات المسبقة دون تمحيص
نقدي.
تتجلى خطورة تحيز التأكيد في قدرته على تحويل الشك إلى يقين، والاحتمال إلى حقيقة مؤكدة. ففي سياق الاستخبارات، “غالباً ما تكون
إخفاقات التقييم الأميركية … نتيجة لخداع الذات” أكثر مما هي نتيجة “الفشل في جمع المعلومات الصحيحة أو عدم القدرة على تقييم الإرادة
القتالية”.
3.2 الثقة المفرطة (Overconfidence)
تمثل الثقة المفرطة انحيازاً معرفياً يتمثل في المبالغة في تقدير القدرات الذاتية والاستهانة بالمخاطر. وتشير الأبحاث إلى أن “الأداء الناجح
في الماضي يقود صنّاع القرار إلى تطوير ثقة مفرطة في حكمهم وقدراتهم وتوقعاتهم، مما يُحيز تقييماتهم للمخاطر”. فـ”النجاح السابق يقنع
صنّاع القرار بإعطاء وزن مفرط لمهاراتهم ومعرفتهم مقارنة بما يبرره الدليل الموضوعي”.
وهذا يخلق حلقة مفرغة: النجاح يغذي الثقة المفرطة، والثقة المفرطة تضعف الحذر، وضعف الحذر يؤدي إلى المخاطرة غير المحسوبة،
والمخاطرة غير المحسوبة تؤدي إلى الفشل. وقد لوحظ هذا النمط بوضوح في العديد من الإخفاقات الدبلوماسية والعسكرية الكبرى، حيث
قادت سلسلة من النجاحات السابقة صنّاع القرار إلى المغامرة في مشاريع تجاوزت قدراتهم.
3.3 الخطأ الأساسي في الإسناد (Fundamental Attribution Error)
يشير هذا التحيز إلى ميل المراقبين إلى إرجاع سلوك الآخرين إلى سمات شخصية أو نوايا، مع إرجاع سلوكهم هم أنفسهم إلى عوامل
ظرفية. في السياق الدبلوماسي، يعني هذا أن الدول تميل إلى تفسير تصرفات خصومها على أنها نابعة من نوايا عدائية أو شخصية معادية،
بينما تفسر تصرفاتها هي على أنها ردود فعل ضرورية على ظروف موضوعية.
وقد حلل الباحثون كيف يمكن لهذا التحيز أن يؤدي إلى “تصعيد النزاعات”. فالدولة التي ترى خصمها عبر عدسة الخطأ الأساسي في الإسناد
قد تستنتج أن الخصم “غير جدير بالثقة” أو “عدائي بطبيعته”، مما يدفعها إلى تبني مواقف أكثر تشدداً، وبالتالي خلق ديناميكية تصعيدية.
3.4 التفكير المرآتي (Mirror Imaging)
التفكير المرآتي هو تحيز معرفي يتمثل في افتراض أن الخصم يفكر ويتصرف بنفس الطريقة التي نفكر بها نحن. وهذا يؤدي إلى توقعات
خاطئة حول سلوك الخصم، لأن صنّاع القرار يبنون تقديراتهم على افتراض أن الآخرين يشاركونهم نفس القيم والتصورات ونماذج التفكير.
يمثل التفكير المرآتي أحد الأسباب الرئيسية للمفاجآت الاستراتيجية. فالحكومات التي تفترض أن خصومها سيتصرفون “بعقلانية” وفقاً
لتعريفهم هم للعقلانية، غالباً ما تفاجأ عندما يتصرف الخصم بطريقة تبدو “غير عقلانية” من منظورهم، لكنها عقلانية تماماً من منظور
الخصم نفسه.
3.5 تحيز الجماعة (Groupthink)
يشير تحيز الجماعة إلى ميل المجموعات إلى اتخاذ قرارات متوافقة على حساب التقييم النقدي، خاصة عندما تكون المجموعة متماسكة
ومعزولة عن الآراء الخارجية. وقد حددت إيمي زيجارت “التحيزات السبعة القاتلة” – التي تشمل تحيز التأكيد، والتحيز التفاؤلي، وتحيز
التوفر، والخطأ الأساسي في الإسناد، والتفكير المرآتي، وتحيز التأطير، وتحيز الجماعة – وأظهرت كيف يمكن “للثقافة المؤسسية لأجهزة
الاستخبارات أن تضخم هذه التحيزات، مما يزيد من خطر سوء التفسير والفشل”.
ففي أجهزة الاستخبارات، “طابعها السري والمجزأ … يعزز العزلة والتفكير الجماعي من خلال الحد من التعاون بين الوكالات والرقابة
الخارجية”. وعندما تُقمع الآراء المخالفة أو تُهمش، يصبح الطريق مفتوحاً أمام قرارات كارثية.
3.6 تحيز التوفر (Availability Bias)
تحيز التوفر هو ميل إلى تقدير احتمال أو تكرار حدث ما بناءً على مدى سهولة استحضار أمثلة عليه في الذهن. في السياق الأمني، “إذا
كانت الأحداث الأخيرة أو الواضحة أو عالية الدعاية (مثل هجوم إرهابي) يمكن استحضارها بسهولة، فقد يبالغ المحللون في تقدير احتمالية
وقوع أحداث مستقبلية مماثلة، حتى لو كانت البيانات الإحصائية تشير إلى خلاف ذلك”.
وهذا التحيز يمكن أن يؤدي إلى تشويه أولويات السياسة الخارجية، حيث تحظى التهديدات الأكثر “وضوحاً” أو “حداثة” باهتمام غير
متناسب، بينما تُهمل التهديدات الأكثر خطورة لكن الأقل بروزاً إعلامياً.
رابعاً: التحيز المعرفي في الممارسة الدبلوماسية: نماذج تاريخية
4.1 حرب فيتنام: الثقة المفرطة والفشل في تحديث المعتقدات
تُعد حرب فيتنام واحدة من أكثر الأمثلة دراسة على دور التحيزات المعرفية في الفشل الدبلوماسي والاستراتيجي. فكما حلل الباحثون، كانت
القرارات التي بدت “غير عقلانية” من منظور واقعي – مثل تصعيد حرب مكلفة مع آمال متضائلة في النصر – “تصبح أكثر قابلية للتفسير
عندما تؤخذ في الاعتبار الديناميكيات المعرفية الداخلية للقادة، مثل النفور الشديد من الخسارة أو الثقة المفرطة الراسخة”.
فقد استند صنّاع القرار الأميركيون إلى نماذج معرفية مبسطة للواقع في فيتنام – نماذج “تعارضت بشدة مع الواقع الموضوعي”. وقد حالت
“غرور القادة، وحدسهم، وثقتهم المفرطة غير المبررة، ونفورهم من المعلومات التي تتعارض مع آرائهم” دون تصحيح هذه النماذج.
والأكثر خطورة، أن “المستشارين والبيروقراطيات يمكن أن يكونوا ضمانات غير كافية، ويمكنهم، بدافع التملق أو الخوف، تعزيز تفكير
القادة الخاطئ”.
4.2 غزو العراق 2003: تحيز التأكيد والخداع الذاتي
يمثل غزو العراق في مارس 2003 واحداً من أكثر الإخفاقات الدبلوماسية فداحة في التاريخ الحديث، وهو أيضاً أحد أكثر الأمثلة وضوحاً
على دور تحيز التأكيد. ففي الفترة التي سبقت الحرب، “كان الرئيس جورج دبليو بوش وإدارته يسلطون الضوء بشكل انتقائي على
المعلومات الاستخباراتية التي تشير إلى أن الزعيم العراقي صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل”. وقد تأثرت أجهزة الاستخبارات، “خاصة
في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بشدة بالرواية السياسية السائدة”.
فقد تم تضخيم الأدلة التي تدعم هذه الرواية، “على الرغم من أن عمليات التفتيش التابعة للأمم المتحدة لم تجد أي دليل من هذا القبيل، وعلى
الرغم من المعارضة داخل وكالة المخابرات المركزية”. وقد أعطيت شهادة المخبر “كورفبول” – وهو منشق عراقي قدم ادعاءات ملفقة
حول مختبرات أسلحة بيولوجية متنقلة في العراق – “وزناً غير مستحق، لأنها كانت تتناسب مع الاعتقاد المسبق”. وأصبحت شهادته الزائفة
“حجر الزاوية في قضية الاستخبارات المعيبة للحرب”.
هنا يتجلى جوهر تحيز التأكيد: فبدلاً من أن تكون المعلومات هي التي تشكل المعتقدات، كانت المعتقدات هي التي تشكل كيفية اختيار
المعلومات وتفسيرها. وكما لاحظ المحللون، فإن “إخفاقات التقييم الأميركية … غالباً ما تنبع من خداع الذات”، حيث “كبار المسؤولين
الحكوميين غالباً ما يشكلون تقييماتهم لتناسب تفضيلاتهم السياسية”.
4.3 الانسحاب من أفغانستان 2021: التفكير المرآتي والاعتماد على افتراضات عفا عليها الزمن
في الفترة التي سبقت الانسحاب الأميركي من أفغانستان في أغسطس 2021، “قلل المسؤولون من تقدير سرعة تقدم طالبان جزئياً بسبب
الاعتماد المفرط على افتراضات عفا عليها الزمن”. وقد عانى المسؤولون من تحيزات معرفية متعددة: التفكير المرآتي (افتراض أن القوات
الأفغانية ستقاتل بنفس العزيمة التي قاتلت بها القوات الأميركية)، والثقة المفرطة (الاعتقاد بأن سنوات من التدريب الأميركي ستؤتي
ثمارها)، وتحيز التأكيد (تجاهل المؤشرات المبكرة على انهيار القوات الأفغانية).
وقد خلصت دراسة حديثة إلى أن “إخفاقات التقييم الأميركية … ليست في المقام الأول بسبب الفشل في جمع المعلومات الصحيحة أو عدم
القدرة على تقييم الإرادة القتالية، بل بسبب خداع الذات”. فالمسؤولون “وقعوا ضحية فخ التأكيد”، حيث شكلوا تقييماتهم لتتناسب مع
تفضيلاتهم السياسية بدلاً من الواقع على الأرض.
4.4 التقدير الخاطئ للمقاومة الأوكرانية 2022: تفكير مرآتي وثقافة استخباراتية جامدة
يمثل التقدير الروسي الخاطئ للمقاومة الأوكرانية والعزيمة الغربية في بداية الحرب في أوكرانيا عام 2022 مثالاً معاصراً على كيفية
تضخيم التحيزات المعرفية على المستوى المؤسسي. فكما لاحظ المحللون، أنتجت “ثقافة الاستخبارات السوفيتية الموروثة في روسيا – التي
اتسمت بالخضوع الهرمي، والامتثال السياسي، والثقافة التي تثبط التقييم النقدي – تقييمات مشوهة قللت من شأن المقاومة الأوكرانية
والعزيمة الغربية”.
وهذا يوضح كيف يمكن للثقافة المؤسسية أن تضخم التحيزات الفردية. ففي بيئة تثبط التقييم النقدي وتكافئ الامتثال، تصبح التحيزات
المعرفية متأصلة في نسيج المؤسسة ذاتها، مما يجعل تصحيحها شبه مستحيل.
4.5 حرب أكتوبر 1973: المفاجأة الاستراتيجية وفشل تحديث المعتقدات
تمثل حرب أكتوبر 1973 مثالاً كلاسيكياً على كيف يمكن للتحيزات المعرفية أن تؤدي إلى مفاجأة استراتيجية. فبعد النصر الساحق في
حرب 1967، ترسخ في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية اعتقاد بأن الجيوش العربية غير قادرة على شن هجوم ناجح. وقد أدى هذا الاعتقاد –
الذي تغذيه الثقة المفرطة والتفكير المرآتي – إلى استهانة استخباراتية فادحة.
وقد أظهرت دراسة مقارنة لأزمات دولية من 1918 إلى 2002 أن “المعتقدات الراسخة بشكل غير عقلاني قد تقلل من الحافز لمحاولة
الهجوم المفاجئ”، لكنها في الوقت نفسه قد تمنع صنّاع القرار من رؤية الهجوم عندما يأتي. والمفارقة أن “النموذج الذي يتضمن فاعلاً
متحيزاً محتملاً يبدو أنه يتفوق على النموذج الذي يفترض فاعلين عقلانيين تماماً” في تفسير بعض الأحداث.
خامساً: تحليل العوامل المشتركة: لماذا تفشل الدبلوماسية بسبب التحيزات المعرفية؟
انطلاقاً من النماذج التاريخية التي استعرضناها، يمكن تحديد مجموعة من الآليات التي تفسر كيف تؤدي التحيزات المعرفية إلى الفشل
الدبلوماسي:
أولاً: خداع الذات بدلاً من نقص المعلومات. في كثير من الحالات، لم يكن الفشل الدبلوماسي نتيجة نقص المعلومات، بل نتيجة لخداع الذات.
فالمعلومات كانت متاحة، لكنها إما أهملت أو فُسرت بشكل متحيز لتتناسب مع المعتقدات المسبقة. وهذا ما يجعل التحيزات المعرفية أكثر
خطورة من نقص المعلومات: ففي حين يمكن علاج نقص المعلومات بالمزيد من جمع البيانات، فإن خداع الذات يتطلب تغييراً في طريقة
التفكير ذاتها.
ثانياً: تعزيز المعتقدات عبر الآليات المؤسسية. التحيزات المعرفية لا تعمل في فراغ؛ بل تتضخم عبر الآليات المؤسسية. فالأجهزة
الاستخباراتية، بطابعها السري والمجزأ، “تعزز العزلة والتفكير الجماعي”. والبيروقراطيات، بدافع “التملق أو الخوف، يمكنها تعزيز تفكير
القادة الخاطئ”. وهذا يعني أن معالجة التحيزات المعرفية تتطلب إصلاحاً مؤسسياً، وليس مجرد وعي فردي.
ثالثاً: الثقة المفرطة كنتاج للنجاحات السابقة. تتغذى الثقة المفرطة على النجاحات السابقة، مما يخلق حلقة مفرغة: النجاح يغذي الثقة، والثقة
تضعف الحذر، والحذر الضعيف يؤدي إلى المخاطرة، والمخاطرة تؤدي إلى الفشل. وهذا يفسر لماذا تميل الدول التي حققت سلسلة من
النجاحات الدبلوماسية أو العسكرية إلى ارتكاب أخطاء فادحة لاحقاً.
رابعاً: فشل تحديث المعتقدات في مواجهة المعلومات الجديدة. أحد أخطر آثار التحيزات المعرفية هو فشل صنّاع القرار في تحديث
معتقداتهم في ضوء المعلومات الجديدة. فبدلاً من تعديل نماذجهم المعرفية لتعكس الواقع المتغير، يميلون إلى تجاهل أو تشويه المعلومات التي
تتعارض مع معتقداتهم. وهذا يؤدي إلى تراكم الأخطاء وتضخيمها مع مرور الوقت.
خامساً: تحيز الجماعة وقمع الآراء المخالفة. في بيئات صنع القرار الهرمية، يؤدي تحيز الجماعة إلى قمع الآراء المخالفة وتعزيز التوافق
الزائف. وهذا يعني أن القرارات الخاطئة لا تُصحح، بل تُعزز، وأن الأخطاء تتراكم دون رادع.
سادساً: سبل التخفيف من آثار التحيزات المعرفية في الدبلوماسية
لا تعني دراسة التحيزات المعرفية الوقوع في اليأس من إمكانية تحسين صنع القرار الدبلوماسي. بل على العكس، فإن فهم هذه التحيزات هو
الخطوة الأولى نحو التخفيف من آثارها. وتشير الأدبيات إلى عدة استراتيجيات ممكنة:
أولاً: إضفاء الطابع المهني على عمليات التقييم. كما خلصت دراسة حديثة، “إذا كانت الولايات المتحدة تهدف إلى إنتاج تقييمات أفضل في
المستقبل، فإنها بحاجة إلى الحماية من هذا التحيز من خلال إضفاء الطابع المهني على التقييم”. وهذا يعني فصل عمليات التقييم عن الضغوط
السياسية، وضمان استقلالية المحللين.
ثانياً: تعزيز ثقافة التقييم النقدي. بدلاً من ثقافة الامتثال والخضوع الهرمي التي “تثبط التقييم النقدي”، تحتاج المؤسسات الدبلوماسية
والاستخباراتية إلى ثقافة تشجع التحدي والمناقشة المفتوحة. وقد أظهرت أبحاث فيليب تيتلوك أن “الأفراد يختلفون بشكل كبير في دقتهم
التنبؤية واستعدادهم لتحديث معتقداتهم”، وأن الأنواع “الثعلبية” – التي تستخلص من وجهات نظر متنوعة وتحدث معتقداتها في ضوء
المعلومات الجديدة – تتفوق باستمرار على الأنواع “القنفذية” – التي تعتمد على إطار نظري واحد.
ثالثاً: تنويع مصادر المعلومات وآليات صنع القرار. للحد من تحيز الجماعة وعزل صنّاع القرار، ينبغي تنويع مصادر المعلومات وآليات
صنع القرار، وضمان وصول الآراء المخالفة إلى أعلى المستويات.
رابعاً: الاعتراف بالقيود المعرفية. كما خلصت إحدى الدراسات، “الإخفاقات في السياسة الخارجية التي تُعزى إلى قرارات خاطئة … تتعلق
غالباً بنقاط الضعف المتأصلة في أي نظام بشري لصنع القرار يعمل تحت ضغط شديد”. والاعتراف بهذه القيود هو الخطوة الأولى نحو بناء
أنظمة أكثر مرونة في مواجهتها.
سابعاً: الخاتمة
إن دراسة التحيز المعرفي والفشل الدبلوماسي تكشف عن حقيقة جوهرية: أخطر أعداء الدبلوماسية ليسوا بالضرورة الخصوم في الخارج،
بل التحيزات في الداخل. فالقرارات الدبلوماسية الكارثية – من فيتنام إلى العراق، ومن أكتوبر 1973 إلى أفغانستان 2021 – لم تكن نتائج
نقص في المعلومات أو ضعف في القدرات، بل نتائج أنماط منهجية من الخطأ في معالجة المعلومات المتاحة.
لقد أظهرت هذه الدراسة أن التحيزات المعرفية – تحيز التأكيد، والثقة المفرطة، والخطأ الأساسي في الإسناد، والتفكير المرآتي، وتحيز
الجماعة، وتحيز التوفر – ليست مجرد عيوب فردية، بل هي نقاط ضعف نظامية تتضخم في البيئات المؤسسية التي تثبط التقييم النقدي
وتكافئ الامتثال. وكما لاحظ روبرت جيرفيس، “ما إن يعتقد القائد شيئاً ما، فإن ذلك التصور سيؤثر على الطريقة التي يدرك بها القائد جميع
المعلومات الأخرى ذات الصلة”.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذه الدراسة هو أن تحسين صنع القرار الدبلوماسي لا يتطلب المزيد من المعلومات فقط، بل يتطلب
تغييراً في طريقة معالجة المعلومات. وهذا يتطلب إصلاحات مؤسسية تعزز التقييم النقدي، وتشجع تنوع الآراء، وتفصل عمليات التقييم عن
الضغوط السياسية. فالدبلوماسية الفعالة، في النهاية، ليست مجرد فن التفاوض، بل هي أيضاً فن إدارة العقل البشري بكل تحيزاته ونقاط
ضعفه.
في عصر تتضاعف فيه وتعقيدات العلاقات الدولية وتتسارع وتيرة الأحداث، تصبح القدرة على التعرف على التحيزات المعرفية والتخفيف
من آثارها شرطاً أساسياً للنجاح الدبلوماسي. فكما علّمنا التاريخ، فإن الدول التي تفشل في إدارة تحيزاتها المعرفية، غالباً ما تدفع ثمن هذا
الفشل أغلى من أي ثمن يمكن أن تدفعه في أي مفاوضات.
قائمة المراجع
جيرفيس، روبرت. الإدراك والخطأ في الإدراك في السياسة الدولية. (المراجع )
كانيمان، دانيال، وتفيرسكي، آموس. أعمال حول التحيزات المعرفية والاستدلالات. (المرجع )
“Seeing What We Want to See: How Cognitive Biases Distort Security
Assessments”. RSDI, 2025. (المرجع )
كوهين، رافائيل س. “Hear no evil, see no evil: Why the United States gets net assessment
wrong”. Journal of Strategic Studies, أكتوبر 2024. (المرجع )
غومبيرت، ديفيد سي.، بيننديك، هانز، ولين، بوني. Blinders, Blunders, and Wars: What America and
China Can Learn. RAND Corporation, 2014. (المرجع )
زيجارت، إيمي. “التحيزات السبعة القاتلة” في صنع القرار في الأزمات النووية. European Journal of International
Security, Cambridge Core. (المرجع )
بارمان، أكاش. أطروحة حول الطبيعة النظامية للتحيزات المعرفية في صنع القرار في السياسة الخارجية. جامعة ماساريك.
(المرجع )
“Predispositions and Foreign Policy Surprises: Assessing the Impact of Rational and Biased
Beliefs on Strategic Decision-Making”. Core.ac.uk. (المرجع )
“التحيز المعرفي”. موسوعة ويكيبيديا العربية. (المرجع )
“التحيزات المعرفية وسبل تجاوزها”. رواق بغداد, 2025. (المرجع )



إرسال التعليق