قراءة في مسرحية “هو الذي طغى” لعبد الغفار مكاوي
محمد عبد الكريم يوسف
تمهيد
تُعد مسرحية “هو الذي طغى: محاكمة جلجاميش في عشر لوحات درامية” للدكتور عبد الغفار مكاوي (1930–2012) واحدة من أبرز
الأعمال المسرحية العربية المستلهمة من التراث الأسطوري القديم. صدرت المسرحية عام 1992، وهي ثمرة لانشغال عميق بملحمة
جلجاميش البابلية، سبقه ترجمة المؤلف للملحمة نفسها عن اللغة الأكادية.
يمثل هذا العمل محاولة طموحة لإعادة قراءة الملحمة القديمة في ضوء الأسئلة الوجودية والسياسية المعاصرة، حيث يُخضع المؤلف البطل
الأسطوري لمحاكمة، متخذًا من خشبة المسرح منصة لتقاطع الأزمنة وتلاقح الحضارات.
أولاً: المؤلف وخلفيته الفكرية
- السيرة الذاتية
عبد الغفار حسن مكاوي، أكاديمي وفيلسوف وأديب مصري، ولد في بلدة بلقاس بمحافظة الدقهلية في 11 يناير 1930. حصل على ليسانس
الفلسفة من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1951، ثم على الدكتوراه في الفلسفة والأدب الألماني الحديث من جامعة فرايبورج بألمانيا عام
1962، عن رسالته “بحث فلسفي عن مفهومي المحال والتمرُّد عند ألبير كامي”. - الموقع الفكري
يُعد مكاوي واحدًا من أبرز المترجمين من اللغة الألمانية إلى العربية، حيث نقل أعمالًا لفيلسوفين كبار هما إيمانويل كانت ومارتن هايدغر.
وقد عبر هايدغر عن نفسه بعبارة تكاد تنطبق على مكاوي: “إن لغتي هي مسكني، وهي موطني ومستقرّي، وهي حدود عالمي الحميم
ومعالمه”.
هذا الانشغال بالفلسفة الوجودية والألمانية انعكس بوضوح على رؤيته المسرحية، حيث يمتزج الهمّ الوجودي بالبحث عن المعنى في أعماله. - السياق الإنتاجي
جاءت مسرحية “هو الذي طغى” في سياق إنتاج مسرحي غني، إذ سبقتها أعمال مثل “القيصر الأصفر ومسرحيات أخرى شرقية”
(1989)، وتلتها أعمال مثل “بشر الحافي يخرج من الجحيم”. وحظي مكاوي بجوائز تقديرية، منها جائزة الدولة التشجيعية في الأدب عام
1976، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2003.
ثانياً: بنية المسرحية وتقنياتها المسرحية
- الشكل والهيكل
تتكون المسرحية من عشر لوحات درامية، وهو اختيار دالّ يحيل إلى طبيعة العمل البصرية والتشكيلية، حيث تُقدَّم المشاهد كلوحات متتالية،
لكل منها استقلالها النسبي ووحدةُها الموضوعية، مع ترابطها في سردية كلية.
العناوين التي اختارها مكاوي للوحات تكشف عن مسار البطل: - بدء الكلام
- وحش البرية مع كاهنة الحب
- السفر إلى أرض الأحياء
- مصرع خمبابا في الغابة والجبل الأخضر
- لعنة عشتار على أوروك وقتل الثور
- الحمَّى تحرق إنكيدو ودخان الأحلام
- جلجاميش والرجل العقرب، وحوار مع سيدوري…
- لقاء مع أوتنابشتم وأخبار الطوفان وعودة جلجاميش بالنبتة
- ضياع النبتة والعودة إلى أوروك
- مسك الختام
- تقنية المسرح الملحمي
يُعد مكاوي من المنظرين للمسرح الملحمي في الثقافة العربية، وقد وظف في مسرحيته تقنياته الأساسية:
الراوي: شخصية محورية تقف خارج الأحداث، تعلق عليها وتقاطع مسارها، وتقدم المعلومات التاريخية والأثرية عن الملحمة.
يقول الراوي في مستهل العمل: “هي أقدم ملحمة في التاريخ، جرت أساطيرها وحكاياتها على ألسنة الناس منذ الألف الرابعة قبل
الميلاد”.
جوقة الشيوخ: تمثل صوت المجتمع والضمير الجمعي، وتقوم بدور نقدي مستمر، وتُحاكم البطل وتُحاكم نفسها معه. فهي ليست
جوقة تقليدية تكتفي بالتعليق، بل فاعلة درامياً تتدخل في مجرى الأحداث.
التقاطع الزمني: تتداخل الأزمنة في المسرحية؛ زمن الملحمة الأسطوري، وزمن شيوخ أوروك الذي يمثل “اللازمن” أو الزمن
الأسطوري، وزمن الراوي المعاصر الذي يطرح أسئلته من منظور اليوم.
التغريب (Verfremdungseffekt): يُبقي مكاوي المتلقي في حالة وعي دائمة بأنه يشاهد عملاً مسرحياً، لا أن ينغمس في
الوهم المسرحي. فالمسرح يبقى مسرحاً، والحلم يبقى حلماً، والنهاية مفتوحة على أكثر من احتمال. - توظيف الفضاء المسرحي
تتوزع الأحداث على مستويات متعددة:
المستوى الخلفي: أسوار أوروك وأطلالها
المستوى الأعلى: منصة الراوي، وظهور الشخصيات الأسطورية (شمخات، إنكيدو، عشتار)
المستوى الأدنى: مسرح الأحداث الرئيسية
أقصى اليسار: كومة بشرية ينبعث منها نواح، تمثل شبح جلجاميش البائس
هذا التوزيع المكاني يُنتج بُعداً تشكيلياً، إذ تتحول الخشبة إلى فضاء تأملي تتقاطع فيه الأصوات والأزمنة.
- الإيقاع والتواتر الصوتي
توظف المسرحية دقات الطبل كعنصر إيقاعي يتكرر مع ظهور جلجاميش، ويرتبط باسمه وصيحات الجمهور: “جلجاميش… جلجاميش…
جلجاميش”. هذا الاستخدام يحيل إلى الطابع الشعائري والملحمي، ويذكّر بالطقوس القديمة التي كانت تصاحب تلاوة الملحمة.
ثالثاً: التيارات الفكرية والأبعاد الفلسفية
- الصراع بين الأسطورة والعقل (التنوير)
يمثل جلجاميش في قراءة مكاوي نموذجاً للتنوير المبكر، كما يشير المؤلف في مقدمته:
“في تقديري أن جلجاميش كان أسبق إلى التنوير أو الاستنارة من أوديسيوس بألف وخمسمائة عام على الأقل. كانت مغامراته تحديًا مستمرًا
للأساطير المسؤولة إلى حد كبير عن تألُّهه وجبروته واستعباده لشعبه ولهاثه المضني وراء حلم الخلود المستحيل”.
لكن التنوير هنا ليس خطياً، بل جدلياً؛ فالبطل يخرج من الأسطورة ليعود إليها، ويبحث عن الخلود العقلي بعد أن فاته الخلود الجسدي. هذه
الجدلية تُذكّر بنقد ماكس هوركهيمر وتيودور أدورنو للتنوير في كتابهما “جدل التنوير”، حيث يريان أن التنوير يتداخل مع الأسطورة التي
كان ينتزع نفسه منها. - الوجودية والموت
يمثل موت إنكيدو الحدث المحوري الذي يُحدث التحول الجذري في شخصية جلجاميش. فقبل الموت، كان جلجاميش ملكاً مستبداً يبحث عن
المجد الشخصي؛ وبعده، يصبح إنساناً يخشى الموت ويسأل عن معناه:
“آه! داهمني الخوف من الموت. ها أنا ذا أرسع كي ألقى جدي، أوتنابشتم الخالد”.
هذا السؤال الوجودي عن الموت والحياة والخلود يمثل جوهر المأساة الإنسانية، كما يرى الفيلسوفان الوجوديان، حيث يواجه الإنسان حتمية
الموت ويتساءل عن معنى وجوده في زمن محدود. - فلسفة اللحظة (الأبيقورية الجديدة)
تُمثل شخصية سيدوري، ساقية الحانة على شاطئ بحر الموت، رؤية فلسفية مضادة لسعي جلجاميش. تقول له:
“امتلأ بطنك، متع نفسك ليل نهار، واجعل أيام حياتك أعياد البهجة، وارقص والعب يا جلجاميش ما شئت… ذلك هو حظ البشر وقسمتهم ما
عاش الناس وما عشت”.
هذه الرؤية أبيقورية في جوهرها، تدعو إلى اغتنام لحظة العيش بدلاً من السعي وراء خلود مستحيل. لكن جلجاميش يرفضها، لأنه لا يبحث
عن حياة عابرة، بل عن حياة أبدية.
- الأبدية المملة (نقد الخلود)
يُقدِّم مكاوي صورة ساخرة للخلود من خلال شخصية أوتنابشتم، البطل الخالد الذي يعيش في جزيرة ديلمون. فبدلاً من أن يكون الخلود
نعيماً، يبدو في المسرحية مملاً وقاتلاً، كما تقول زوجته: “حياة بال موت وألم وظلام، بال حياة وفرح ونور”.
هذا النقد للخلود يُعيد طرح السؤال: هل الخلود نعمة أم نقمة؟ ويُذكّر بأسطورة “السُّن” في الفلسفة اليونانية، حيث الخلود دون شباب أبدي هو
عذاب. - الأنانية الفردية مقابل العمل الجماعي
يمثل النزاع بين جلجاميش والشعب (عبر جوقة الشيوخ) صراعاً أخلاقياً بين الفردية الأنانية والعمل الجماعي. فجلجاميش يسعى إلى خلود
اسمه الشخصي، بينما يذكّره الشيوخ بأن الخلود الحقيقي هو ما يصنعه الإنسان مع شعبه:
“ليتك يا جلجاميش تقهر قهرك أنت! ليتك تستيقظ وتُطارد شبح الوهم!… ليتك تبحث في قلب الشعب عن السر، وتلمس دفء الدم”.
هذا الطرح يتجاوز الإطار الأسطوري ليصبح نقداً للاستبداد السياسي في كل العصور، حيث يضع الحاكم مصلحته الشخصية فوق مصلحة
الشعب.
رابعاً: الانعكاس التاريخي
- أوروك نموذجاً للمدينة المستبدة
تمثل أوروك في المسرحية أكثر من مجرد مدينة سومرية قديمة؛ إنها نموذج للمدينة المستبدة في كل زمان. فجلجاميش
يمارس السُّخرة على شعبه، ويستبيح حرماتهم، ولا يترك عذراء لأهلها:
“لا يترك العذراء لحبيبها، ولا الابنة لأبيها المحارب، ولا الزوجة لزوجها”.
هذا الوصف يحيل إلى أنماط الاستبداد التي عرفتها المنطقة العربية عبر التاريخ، من الحكم الفردي إلى القمع السياسي. - الشعب والتاريخ المنسي
يلفت مكاوي الانتباه إلى فجوة بين الملحمة والتاريخ؛ فالملحمة تخلّد اسم البطل وتنسى الشعب. تقول جوقة الشيوخ:
“نحن الشعب، ولم تذكرنا الملحمة بكلمة، ولهذا جئنا نُخبركم ونُذكّركم؛ لنُعيد قراءتها معكم ونُطالع فيها الدرس الخالد والحكمة”.
هذه إعادة كتابة للتاريخ من أسفل، حيث يُعطى للشعب صوتٌ في المحاكمة التي كانت الملحمة قد حرمته منها. - خراب أوروك: الاستبداد يؤدي إلى السقوط
تُقدّم المسرحية نهاية مأساوية لأوروك في إحدى قراءاتها؛ فبينما يغيب جلجاميش في رحلته للبحث عن الخلود، تنقض مدينة كيش على
أوروك وتُخرّبها:
“السور تهدم، والمعبد والبرج تحطم، والمرج هشيم ورماد، والساحة والملعب مأتم”.
هذه الصورة تحمل دلالة تاريخية؛ فكل مدينة يُهملها حاكمها وتُستنزف طاقاتها، تصبح فريسة للأعداء. وهو درس تاريخي يتكرر في
حضارات كثيرة.
خامساً: دراسة الشخصيات المسرحية
- جلجاميش: البطل المستبد المتطهر
يمثل جلجاميش الشخصية المحورية التي تخضع للتحول الأعمق في المسرحية. يمر بمراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: ملك مستبد، ثلثاه إله، يمارس القهر والاستبداد، يبحث عن المجد الشخصي.
المرحلة الثانية: بعد موت إنكيدو، يتحول إلى إنسان خائف من الموت، يبحث عن الخلود، يهيم في البرية متألماً.
المرحلة الثالثة: بعد ضياع النبتة، يصل إلى قناعة بأن الخلود الحقيقي هو العمل والبناء الحضاري، فيقرر مشاركة شعبه في بناء
أوروك.
هذا المسار يحاكي النموذج الأرسطي للمأساة؛ فالبطل يمر من السعادة إلى الشقاء، ثم يصل إلى نوع من التطهر (catharsis) عبر
المعاناة. - إنكيدو: وحش البرية الذي صار إنساناً
يمثل إنكيدو الآخر، النقيض الذي يكمّل جلجاميش. خلقه الآلهة ليكون نداً للبطل المستبد، لكن تحوله إلى إنسان عبر الحب يجعله أقرب إلى
الإنسانية من جلجاميش نفسه.
صوته في المسرحية صوت الحكمة والنصح؛ يحذّر جلجاميش من مغامراته، ويذكّره بواجبه تجاه شعبه:
“لا تنسَ أوروك! لا تنسَ الشعب البائس في أوروك!”
موته هو الحدث المأساوي الذي يُحدث التحول في جلجاميش؛ فموت الصديق يكشف له هشاشة الحياة وحتمية الموت.
- شمخات: كاهنة الحب المحطمة
تُعد شمخات أكثر الشخصيات مأساوية في المسرحية. فهي التي حوّلت إنكيدو من وحش إلى إنسان، لكنها تفقده بعد أن أحبته. بكاؤها على
قبره يحمل أبعاداً تراجيدية:
“انظر يا جلجاميش، في هذا الركن ترى قبره. أحضر كل صباح كي أضع عليه زهرة. أسكب من بحر الحزن عليه قطرة”.
علاقتها بأورشنابي في نهاية المسرحية تمنحها بارقة أمل، وكأن الحب وحده القادر على مواجهة الموت والخراب. - سيدوري: الحكمة الأبيقورية
تُمثل سيدوري الصوت الفلسفي المضاد لسعي جلجاميش. حكمتها تدعو إلى عيش اللحظة واغتنام متع الحياة، بدلاً من السعي وراء خلود
وهمي.
لكنها ليست شخصية سطحية؛ فهي تعرف ألم الفراق وتعاني من الوحدة، كما يظهر من حوارها مع أورشنابي. - أوتنابشتم: الخالد الممل
يُمثل أوتنابشتم نقيض حلم الخلود؛ فهو خالد لكن حياته خالية من المعنى، جثة ممددة على ظهرها، صوته كصفير الريح بين أعواد القصب.
تقول زوجته: “أبدية بال حياة”.
هذه الصورة تهدم الأسطورة وتكشف أن الخلود دون حياة وعمل وعلاقات إنسانية ليس سوى موت أبدي. - جوقة الشيوخ: صوت الضمير الجمعي
تمثل جوقة الشيوخ الضمير الجمعي للمجتمع. هي التي تذكّر جلجاميش بواجباته، وتُحاكمه، وتُحاكم نفسها معه. صوتها هو صوت
التاريخ الذي يكتبه المغلوبون، وليس المنتصرون فقط.
سادساً: البعد التاريخي العميق
- الملحمة بين التاريخ والأسطورة
يُقدّم مكاوي في مقدمته رؤية تاريخية عميقة لملحمة جلجاميش، مستعرضاً:
أصولها السومرية وقصصها الخمس
تطورها في العصر البابلي القديم
نسختها الآشورية في مكتبة آشور بانيبال
قصص الطوفان وتأثيرها في التراث التوراتي
هذه المقدمة تُشبه دراسة أكاديمية، لكنها ضرورية لفهم كيف تعامل مكاوي مع المادة الأسطورية؛ فهو لم يكتفِ بالنقل، بل أعاد
صياغتها برؤية نقدية معاصرة.
- جلجاميش كنموذج للحاكم المستبد
يُقدّم مكاوي جلجاميش كـ نموذج أولي للحاكم المستبد في الثقافة الشرقية. ويشير في مقدمته إلى أن شخصية جلجاميش تُمثل “النموذج
الأصيل أو الأولي للشخصية الشرقية المستبدة في بعدها الأسطوري والتاريخي، ومدى ما بقي منها من رواسب فاعلة في وعينا ولاوعينا
الحاضر”.
هذه الرؤية تتجاوز التحليل الأدبي إلى التحليل النفسي والاجتماعي، حيث يرى في أسطورة جلجاميش انعكاساً لأنماط القهر التي ما زالت
فاعلة في الوعي العربي المعاصر. - صراع الأضداد في الحضارة الرافدينية
يُبرز مكاوي الصراع بين قيم متضادة في الحضارة الرافدينية:
بين الفردية والجماعية
بين الاستبداد والعدل
بين الأسطورة والعقل
بين الخلود الفردي والعمل الجماعي
هذا الصراع ليس تاريخياً فحسب، بل معاصراً، إذ يُعيد إنتاج نفسه في كل عصر. - الطوفان: نهاية العالم وبدايته
يمثل مشهد الطوفان في المسرحية نقطة تحول في تاريخ البشرية؛ فهو النهاية التي تؤدي إلى بداية جديدة. حوار الآلهة حول الطوفان
يُظهر صراعاً أخلاقياً بين العدل المطلق والرحمة:
“من يرتكب الإثم فحمله جريرة إثمه. من يخطئ دعه يكفر عن خطئه. لكن لا تشتد عليه لئلا يهلك”.
هذا الحوار يحمل أبعاداً لاهوتية تتقاطع مع الأسئلة الدينية عن العدل الإلهي والرحمة.
سابعاً: النهايات الممكنة وتعدد التأويل
يمنح مكاوي مسرحيته نهايتين محتملتين، مما يُضفي عليها بعداً تأويلياً مفتوحاً:
النهاية الأولى: العودة إلى الخراب
يعود جلجاميش إلى أوروك فيجدها خراباً، وقد انقضت عليها كيش. يبكي وييأس، ويتساءل عن جدوى رحلته. هذه النهاية تؤكد عبثية السعي
الفردي وتُظهر أن غياب الحاكم عن شعبه يؤدي إلى الدمار.
النهاية الثانية: التطهر والعمل الجماعي
يعود جلجاميش وقد تطهر من غروره واستبداده، ويضع يده في يد شعبه لبناء أوروك من جديد. هذه النهاية تُقدّم أملاً في إمكانية تغيير
الحاكم وتخلصه من أنانيته.
يقول جلجاميش في هذه النهاية:
“الآن عرفت. وتطهر مني العقل مع القلب. يا شعب أوروك الطيب، هيًا نبتدئ السير على هذا الدرب. اللحظة تهتف والأرض تنادي. فُجيب
الحاكم والشعب!”
هذا التحول يحمل رسالة سياسية؛ فالحاكم يمكن أن يتغير، والاستبداد ليس قدراً محتوماً.
ثامناً: النقد والتقييم
- نقاط القوة
العمق الفلسفي: تُعد المسرحية واحدة من أعمق الأعمال المسرحية العربية في معالجتها للأسئلة الوجودية.
البنية المسرحية المبتكرة: توظيف تقنيات المسرح الملحمي بشكل مبدع.
الصوت الجمعي: إعطاء الشعب صوتاً في محاكمة البطل.
الثراء التاريخي: المقدمة العلمية التي تضع العمل في سياقه الحضاري.
تعدد التأويل: النهايات المفتوحة تسمح بتأويلات متعددة. - نقاط الضعف المحتملة
الطول والإسهاب: المقدمة الطويلة قد تُثقل على القارئ غير المتخصص.
التعقيد: تداخل الأزمنة والمستويات قد يُربك بعض المتلقين.
الطابع التعليمي: كثرة التعليقات والتنظير قد تُقلل من الحيوية الدرامية في بعض المواضع. - مكانة العمل
تُعد “هو الذي طغى” رائدة في نوعها؛ فهي أول عمل مسرحي عربي طويل يستلهم ملحمة جلجاميش برؤية نقدية معاصرة. وقد لاقت
اهتماماً في الأوساط الأكاديمية والثقافية، كما حظيت بدراسات نقدية تناولت بنيتها وأبعادها الفلسفية.
خاتمة
مسرحية “هو الذي طغى” لعبد الغفار مكاوي ليست مجرد إعادة سرد لملحمة جلجاميش، بل هي مشروع ثقافي متكامل يجمع بين:
البحث التاريخي والأثري
التحليل الفلسفي والوجودي
النقد السياسي والاجتماعي
الابتكار المسرحي والتجريب الفني
من خلال محاكمة البطل، يُجري مكاوي محاكمة للاستبداد في كل عصوره، ويدعو إلى مراجعة نقدية للتراث وللعلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحاً: هل يتطهر الحكام من استبدادهم؟ أم أن التاريخ يعيد نفسه، وتظل أوروك مدينة يطغى عليها حكامها
وتنهبها أعداؤها؟ الجواب، كما تركه مكاوي مفتوحاً، هو رهن باختيارنا نحن، شعباً وحكاماً.
المراجع
- مكاوي، عبد الغفار. هو الذي طغى: محاكمة جلجاميش في عشر لوحات درامية. مؤسسة هنداوي، 2020.
- الجزيرة نت. “عبد الغفار مكاوي.. أستاذ الفلسفة الذي عاش في اللغة مثل أستاذه هايدجر”. 2019.
- ويكيبيديا. “عبد الغفار مكاوي”.
- Goodreads. “محاكمة جلجاميش – في عشر لوحات درامية”.
- Noor-book. “The Trial of Gilgamesh in Ten Dramatic Panels”.
- رصيف22. “قراءة في اللوحة الأولى من مسرحية هو الذي طغى”. 2023.



إرسال التعليق