قرن من دورات الصراع… والبحث عن محطة التبريد

بشار مرشد

حين يمتد بصر المؤرخ في مسار القضية الفلسطينية والمنطقة منذ ما يقارب قرناً من الزمن، وتحديداً منذ ثورة البراق عام 1929، يلحظ نمطاً متكرراً في مسار الصراعات الكبرى، انفجار واسع، يليه استنزاف طويل، ثم محطة تهدئة أو تسوية مؤقتة تعيد ترتيب المشهد الإقليمي والدولي، قبل أن تتراكم أسباب الانفجار من جديد.

ليس المقصود هنا الحديث عن دورة زمنية ميكانيكية يمكن التنبؤ بمواعيدها بدقة، وإنما عن إيقاع تاريخي متكرر تحكمه طبيعة الصراع واختلال موازين القوى وعجز التسويات الجزئية عن معالجة جذوره، فمنذ ثورة البراق، مروراً بالنكبة والنكسة والانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، وصولاً إلى صراعات القرن الحادي والعشرين، ظل الشرق الأوسط ينتقل من انفجار إلى استنزاف، ومن استنزاف إلى ترتيبات مؤقتة، دون أن يصل إلى تسوية نهائية تنهي أسباب الصراع.

ومن هنا، فإن الأزمات الكبرى التي تعصف بالشرق الأوسط اليوم لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذه السيرورة التاريخية، ولا عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، فالعالم يعيش مرحلة انتقالية تشبه، في بعض جوانبها، المراحل التي أعقبت الحروب الكبرى أو نهاية الحرب الباردة ، مرحلة تتراجع فيها قدرة نظام دولي أحادي على فرض قواعده منفرداً، بينما تتقدم مراكز قوة متعددة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا والصين، لإعادة تعريف قواعد النفوذ والأمن والاقتصاد.

وفي مثل هذه المراحل الانتقالية، تصبح الحروب الطويلة أكثر كلفة على الجميع، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية والعسكرية، وإنما بسبب انعكاساتها على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد والأمن الإقليمي، ومع تراكم الاستنزاف، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته الإنهاك المتبادل أي اللحظة التي يدرك فيها المتصارعون، ومعهم القوى الدولية الراعية والمؤثرة، أن استمرار الحرب أصبح أقل جدوى من الانتقال إلى ترتيبات مؤقتة تضبط الصراع وتحمي المصالح الأساسية.
وهنا تظهر أهمية مفهوم (محطة التبريد). فالتبريد لا يعني انتهاء الصراع، وإنما خفض مستوى حرارته بما يكفي لمنع الانفجار الشامل، وفتح المجال أمام إعادة توزيع الأدوار والنفوذ، وقد تكون هذه المحطة هدنة، أو اتفاقاً أمنياً، أو إعادة انتشار، أو ترتيبات إقليمية أوسع، لكنها تظل، في جوهرها، إدارة للصراع أكثر من كونها حلاً نهائياً له.

وفي خضم هذا المخاض الدولي، تبرز أدوار إقليمية جديدة تسعى إلى توسيع هامش المناورة بين مراكز القوة الكبرى. و على ما يبدو بدأ يبرز الدور التركي في هذا السياق بوصفه نموذجاً لقوة إقليمية تحاول الحفاظ على قنوات مفتوحة مع الأطراف المتنافسة، والاستفادة من موقعها الجغرافي والسياسي للعب دور الوسيط أو المهدئ المقبول. وليس المقصود أن تركيا تعيد إنتاج تجربة عدم الانحياز التاريخية بحذافيرها، وإنما أنها تسعى إلى بناء تموضع مرن يسمح لها بالحركة بين القوى الدولية والإقليمية، بما يخدم مصالحها ويمنحها وزناً أكبر في هندسة الترتيبات المقبلة.

أما على الصعيد الإسرائيلي، فمن الصعب افتراض أن أي تهدئة كبرى ستكون، في جوهرها، نتاج رغبة ذاتية في إنهاء الصراع. فالضغوط الدولية، وخصوصاً الأميركية، ومصالح القوى الكبرى في منع توسع الحرب، قد تدفع نحو ترتيبات تخفف مستوى المواجهة عندما تصبح كلفة استمرارها أكبر من قدرتها على الاحتمال.
ومن هنا يمكن تصور ملامح لنظام إقليمي جديد يقوم، ليس على تسوية شاملة، وإنما على نوع من الوصاية المقيمة، أي ترتيبات دولية وإقليمية مستمرة لا تهدف بالضرورة إلى حل جميع أزمات المنطقة، بل إلى منع انهيارها الكامل، وضبط خطوط التماس، وإدارة ملفات الأمن والطاقة والممرات التجارية وإعادة الإعمار، مع إبقاء قدر من النفوذ الخارجي المباشر في تحديد سقوف الحركة السياسية والعسكرية للأطراف، وبهذا المعنى، قد لا تكون المنطقة مقبلة على نهاية الصراع بقدر ما هي مقبلة على إعادة هندسة شروطه.

خاتمة:
وفي قلب هذه المعادلة، يمكن قراءة ما يجري في غزة والضفة الغربية من جرائم وتغول وتهويد واستيطان وتدمير بوصفه جزءاً من مكاسب لاي عملية تفاوضية وسياسية أكبر قد تتحول، في مرحلة لاحقة، إلى ورقة مساومة إقليمية ودولية. وأي سيناريو يتحدث عن انسحاب أو إعادة تموضع أو العودة إلى ترتيبات شبيهة بما كان قائماً قبل، قد يُقدَّم سياسياً وإعلامياً باعتباره تنازلاً إسرائيلياً كبيراً أو إنجازاً دبلوماسياً تاريخياً.

لكن السؤال الحقيقي سيكون: هل نحن أمام حل للصراع، أم أمام إعادة إنتاج لنقطة الصفر؟
فإذا انتهت الحرب إلى إعادة ترتيب المواقع دون معالجة مسائل الاحتلال والسيادة والحقوق الوطنية الفلسطينية، فإن ما سيحدث لن يكون سوى إغلاق مؤقت لملف ساخن، لا تسوية لجذوره. وقد تجد إسرائيل في ذلك مخرجاً يحول دون خسائر وجودية، فيما تستطيع القوى الدولية تقديم الترتيب باعتباره نجاحاً دبلوماسياً، بينما تبقى الأسباب البنيوية للصراع كامنة تحت سطح الهدوء.
وهنا تكمن خطورة «محطة التبريد»: أنها قد تمنح الأطراف والقوى الكبرى شعوراً بالنجاح، لأنها أوقفت الحرب، بينما لم تفعل شيئاً كافياً لمنع الحرب المقبلة.
فالتاريخ الفلسطيني والإقليمي لا يقول إن الحروب تتكرر بالصور نفسها، بل يقول شيئاً أكثر قسوة: إن كل دورة جديدة تبدأ غالباً من فوق أنقاض الدورة السابقة، وبكلفة بشرية وسياسية أعمق.
من ثورة البراق عام 1929، مروراً بالنكبة والنكسة والانتفاضات المتعاقبة، وصولاً إلى مخاضات القرن الحادي والعشرين، ظل الصراع ينتقل بين الانفجار والتهدئة وإعادة الترتيب. وما لم تلامس التسويات القادمة جذور الظلم والاحتلال وغياب الحقوق المشروعة، فإن محطات الهدوء لن تكون سوى استراحات مؤقتة في صراع مؤجل.
قد تنجح القوى الكبرى في تبريد المنطقة، وقد تنجح في إعادة توزيع الأدوار والنفوذ، وقد تتمكن من إنتاج اتفاقات توقف الحرب.
لكن التحدي الحقيقي ليس في إيقاف الجولة الحالية.
التحدي هو منع الجولة التالية.
وهذا لن يتحقق بمحطة تبريد جديدة، وإنما بتسوية تعالج جذور الصراع قبل أن تبدأ الدورة القادمة من جديد.

إرسال التعليق