ماهي علاقة الكسوف بحدوث زلازل كبيرة في العالم
عيد تسعديت
الكسوف والزلازل الكبيرة: بين الفرضيات العلمية للجاذبية والواقع الجيولوجي للأرض
تعد العلاقة بين الكسوف الشمسي وحدوث الزلازل الكبيرة من المواضيع المثيرة للجدل والمستمرة في جذب الاهتمام الشعبي والعلمي على حد سواء. فكلما شهد العالم كسوفاً كلياً بارزاً وتزامن معه زلزال في منطقة ما، تعود إلى الواجهة التساؤلات حول مدى تأثير محاذاة الأجرام السماوية على القشرة الأرضية. فهل يملك الكسوف القدرة الفيزيائية على تحفيز الهزات الأرضية المدمرة، أم أن الأمر لا يتعدى كونه مصادفات زمنية؟
الأساس العلمي للفرضية: قوى المد والجزر الأرضية
تنطلق الفرضية التي تربط الكسوف بالزلازل من مبدأ فيزيائي حقيقي وهو جاذبية الأجرام السماوية. أثناء ظاهرة الكسوف (أو الخسوف)، تصطف الأجرام الثلاثة (الشمس، القمر، والأرض) على خط مستقيم واحد تقريباً. هذا الاصطفاف يؤدي إلى ظاهرة فلكية وفيزيائية معروفة:
- تضاعف قوى الجاذبية: عندما يجتمع القمر والشمس في نفس الاتجاه بالنسبة للأرض، تندمج قوى جاذبيتهما لتشكل قوة سحب قصوى على كوكبنا.
- المد العالي جداً (Spring Tides): يظهر هذا التأثير بوضوح في المحيطات والبحار، حيث ترتفع مناسيب المياه بشكل ملحوظ مقارنة بالأيام العادية.
- المد الأرضي (Earth Tides): لا تؤثر هذه الجاذبية على المياه فقط، بل تسحب أيضاً القشرة الأرضية الصلبة وترفعها بمقدار سنتيمترات قليلة جداً بشكل غير محسوس للبشر.
من هنا، يفترض بعض الباحثين أن هذا الإجهاد الإضافي والضغط الناتج عن السحب المغناطيسي والجاذبي المشترك يمكن أن يكون بمثابة “القشة التي تقصم ظهر البعير” بالنسبة للصفائح التكتونية المخزنة للطاقة.
ماذ يقول علم الجيولوجيا والزلازل الحديث؟
رغم منطقية الفرضية من الناحية الفيزيائية النظرية، إلا أن الدراسات الجيولوجية الموسعة ومراكز رصد الزلازل العالمية (مثل هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS) تضع هذه العلاقة في حجمها الطبيعي والدقيق بناءً على البيانات الإحصائية:
- تأثير تحفيزي ضئيل جداً: تشير الدراسات إلى أن قوى المد والجزر الناتجة عن اصطفاف الشمس والقمر قد تساهم بنسبة ضئيلة جداً (تكاد لا تذكر) في تحفيز الزلازل الضحلة والصغيرة جداً في المناطق المؤهلة جيولوجياً للانفجار أصلاً، لكنها لا تملك القدرة على “إنشاء” زلزال كبير من العدم.
- الطاقة الداخلية هي المحرك الأساسي: الزلازل الكبيرة (التي تفوق قوتها 7 درجات على مقياس ريختر) تحدث نتيجة حركة الصفائح التكتونية وتراكم الضغوط الهائلة داخل صدوع الأرض على مدى عقود وقرون. الطاقة المطلوبة لتحريك هذه الصفائح هائلة وضخمة جداً، ومصدرها باطن الأرض الحراري، وليس قوى الجاذبية الخارجية.
- غياب النمط الإحصائي الثابت: عند دراسة تاريخ الزلازل الكبرى عبر القرون، وجد العلماء أن معظم الزلازل المدمرة حدثت في أيام عادية جداً لا يوجد فيها كسوف أو خسوف. وفي المقابل، تمر مئات الكسوفات الشمسية سنوياً وعبر العقود دون أن يرافقها أي نشاط زلزالي غير طبيعي.
مغالطة التزامن والتهويل الإعلامي
تنتشر الشائعات حول علاقة الكسوف بالزلازل بسبب ما يُعرف في علم النفس بـ التحيز التأكيدي. فعند حدوث كسوف كلي يتابعه ملايين البشر، وتصادف وقوع زلزال في نفس الأسبوع في أي بقعة من الأرض، يربط العقل البشري بين الحدثين الاستثنائيين فوراً. ويتناسى الناس أن الأرض تشهد كوكباً آلاف الهزات الأرضية يومياً بشكل طبيعي نتيجة ديناميكية الكوكب المستمرة.
إن الكسوف الشمسي يظل ظاهرة بصرية وفلكية مبهرة تحدث في الغلاف الجوي والفضاء الخارجي، ورغم أنه يمثل ذروة قوى الجاذبية المشتركة بين الشمس والقمر، إلا أن قشرة الأرض المحمية بصفائحها الضخمة لا تتأثر بهذا الحدث بشكل يؤدي إلى كوارث زلزلية كبرى. المحرك الحقيقي للزلازل يقبع تحت أقدامنا في أعماق باطن الأرض، وليس فوق رؤوسنا في السماء.



إرسال التعليق