شيء من ذاكرة وفانتازيا الفلافل والقلاقل !

أحمد الحاج مكتبجي

كان يحث الخطى قدما في طريقه الى المطعم التركي وسط ساحة التحرير حيث حشود المتظاهرين السلميين المطالبين بحقوقهم السليبة طيلة 16 عاما حين ألحت عليه فكرة إلقاء خطبة عصماء بجموع المعتصمين في الطابق الثامن من هذا المطعم المؤلف من 14 طابقا والمطل على جسر الجمهورية الذي شهد مقتل وإصابة العشرات من المتظاهرين المصممين على عبور الجسر تجاه المنطقة الخضراء المحصنة آنذاك يوم أن اطلقوا على أنفسهم وعلى حراكهم اسم ” ثورة تشرين”فيما أطلق خصومهم على حراكهم اسم”انتفاضة أبناء القنصليات والسفارات،وأحفاد الرفاق والرفيقات،وحراك اليساريين المحليين المرتبطين برجال اليسار العالمي وبالنسويات الدوليات واليساريات”.

تسلق الشيف عادل الكرخي – السكلة الحديدية – الجانبية ولم يكن مقتنعا وقتئذ بتوصيف كلا الطرفين لنفسه أو لخصمه،ولا بطريقة التماهي أو التعاطف مع حراك – أناركي- بلا رأس معلوم بغياب أي رابط ثقافي وفكري ومجتمعي متجانس بين حشوده وعناصره وجموعه ،وبالأخص أنه كان يطالب تارة بتوفير الخدمات وفرص العمل وتحسين المعيشة وخفض رواتب ومخصصات المسؤولين والخبز والحرية والعدالة الاجتماعية ،وأخرى بإسقاط النظام ،أو إزاحته ولكن عن طريق إجراء انتخابات برلمانية مبكرة،وتغيير أعضاء المفوضية العليا للانتخابات، وتغيير قانونها الانتخابي ،وبما أشعر الكرخي بأن وراء الأكمة ما وراءها ، وأن هناك بين حشود المتظاهرين وصفوف المعتصمين من يحاول ركوب موجتها،وامتطاء صهوتها ،والامساك بخطامها، وادارة زمامها وعيناه متوجهة صوب كرسي الحكم وسدة السلطة فحسب،وليس على مطالب الجماهير،ولا على حقوق الشعب البتة،إذ ما فائدة أن تستبدل زيدا بعبيد ، أو العكس ، وبذات الآليات والطرق والوسائل الخاطئة التي أكل عليها الدهر وشرب ،وما بني على خطأ فهو خطأ ولا ريب ، فهل سيكون زيدا أو عبيدا، أفضل من صنوه في إدارة شؤون البلاد والعباد، وكلهم قد تم تجربته واختباره مليا من قبل ففشل فشلا ذريعا وعلى الصعد كافة ؟! والمجرب الفاشل قطعا ولزاما بأن لا يجرب ثانية وإلا فالنتيجة واحدة خلاصتها ما قاله أجدادنا في أمثالهم :” نفس الطاس،ونفس الحمام “.

لم يكن الشيف وفي ذات الوقت مؤيدا ولا مقتنعا بأسلوب الحط من قدر الحراك ومحاولة تشويه شخوصه ومطالبه وأهدافه وشعاراته فكريا وسياسيا وإعلاميا،ولا بآليات التعامل معه بقسوة مفرطة بزعم الحد من تداعياته وذلك عبر التحرك العاجل وبمختلف الاتجاهات بالضد منه قبل أن تتوسع دائرته ويتضخم شأنه ويصعب مكافحته !!

كل الذي كان يهمه ساعتها هو أن يسكب ما احتبس بين مآقيه من عبرات، وأن ينفث ما بداخله من زفرات، وأن يبث ما بصدره من حسرات ليدلي بدلوه وبصوت مسموع للمرة الأولى في حياته كلها ، وربما للمرة الأخيرة بين عشرات المواطنين المتجمهرين داخل المطعم تحيط بهم خارجه حشود بشرية بعضها بالآلاف وأخرى بالمئات وسط تداخل مربك للهتافات المتقاطعة،والشعارات المتنافرة،والرايات المتداخلة حيث هتاف”باسم الدين باكونا الحرامية”يصدح هاهنا على بعد 10أمتار من صور لرموز دينية مرفوعة وسط الجموع في ذات التظاهرة، حتى أنك لم تعد تعلم يقينا ،أهي تظاهرات يقودها ويتزعمها التيوقراطيون والراديكاليون،أم أنها حشود يقودها المدنيون والعلمانيون واليساريون !

صعد الكرخي برشاقة الرجل العنكبوت غير آبه بكل هذا التنافر والتضاد الأيديولوجي من حوله لتحقيق أمنيته الوحيدة وكلما أحس بالتعب تذكر مطعمه الصغير الذي أقامه على عجالة فوق أحد الأرصفة المليئة ببسطات الكادحين لإعداد وجبات الفطور الصباحية الشعبية المحببة الى قلوبهم ” وفي صدارتها وعلى رأس قائمتها الفلافل ” قبل أن تقطع عليه مصدر رزقه الوحيد وتهدمه مفارز البلدية وتقلب عاليه سافله بذريعة تشويه منظر العاصمة وكانت يوم هدم مطعمه تتصدر وللعام العاشر على التوالي قائمة واحصاءات المدن الأسوأ عيشا والأقل أمنا بفعل فساد الفاسدين وخروقات المفسدين فيها مع سبق الإصرار والترصد !

اعتلى الشيف عادل أحد البراميل المقلوبة رأسا على عقب والتي كان فنانو الجرافيتي قد خصصوها لرسم لوحات معبرة ومناهضة لسياسات التجويع المبرمج على الجدران الداخلية للمطعم المهمل الذي سبق أن تعرض لضربتين جويتين أمريكيتين باليورانيوم المنضب عامي 1991/ 2003، تنحنح الكرخي قليلا استعدادا لخطبته في الجموع الحاشدة وذلك بعد عطستين متتاليتين و- طووووط – طويلة بمنديل ورقي مستورد زادت من حماسته في ذات الوقت الذي نجحت فيه بلفت انتباه المحتشدين مستلهما خطبته من وحي المطبخ الشعبي الذي يجيد فنونه مرغما بعد فشله بالحصول على وظيفة حكومية أعقبت تخرجه من معهد التكنولوجيا جنوبي العاصمة،أو على راتب للرعاية الاجتماعية يعينه على شظف العيش ، أو على راتب للمعين المتفرغ لمساعدة شقيقه الكفيف ووالده المشلول ، وبدأ يخطب وكأنه “شيشرون “الروماني أحد أشهر الخطباء في التأريخ ((ستون عاما وأنتم تأكلون الفلافل رغما عن أنوفكم في العهدين الملكي والجمهوري،قبل الاحتلال الأمريكي البغيض وبعده ،ولكن ما بعثره الفرقاء السياسيون، بالإمكان لم شمله بالفلافل والصمون،وما شتته وبعثرته اللعبة الجيو – سياسية – بمقدورنا تلافي تبعاته إذا ما توحدنا يجمعنا طبق الفول والطعمية واللقمة الهنية وعلى قول الأمثال الشعبية تكفي 100!!)).

تصفيق حاد..صفير ..أعقبه هتاف بصوت واحد كثر ترديده في ذلك الوقت :”شلع ،قلع،كلهم حرامية!”.

واصل الشيف خطبته بحماسة أكبر ساعدت على إلهامها هتافات الجماهير” إن الثابت الوحيد في متغيرات المعادلة -الفلافلية- المستمرة بين شد وجذب هو المواطن العراقي المغلوب على أمره،فيا عشاق الفلافل ومدمنيها كونوا على قلب رجل واحد ولا تفرق شملكم مخططاتهم القمئة ، ومؤامراتهم الدنيئة ، ولا تبعاتها أو ذيولها أو هوامشها أو أذرعها أو مراميها !!” .

تصفيق تلاه هتاف لطالما تردد صداه في الأفاق آنذاك : ” الفاسد بره بره ..بغداد تبقى حرة !!”

تابع عادل خطبته وهو يتصبب عرقا وقد جف حلقه فيما كان يحاول نش وهش الذبابة بذاكرتها الضعيفة وقد ألحت بالطيران من حول رأسه المزدحم بالأفكار و المثقل بالهموم قبل هبوطها المتكرر والمزعج على فمه وخده كطائرة “أفرو 504 “الإنجليزية ذات الجناحين المزدوجين : ((أيتها الجموع الكادحة ، وأيتها الجماهير الجائعة ، إياكم والأفكار التغريبية المستوردة المائعة،وحذار من أجندات الدول الكبرى والصغرى ومعظمها في خيراتكم وثرواتكم الهائلة طامحة وطامعة)) .

تصفيق وصفير وهتاف لطالما تناقلته وسائل الإعلام في حينه :”يا وثيقة شرف هذي وياعهد…الشعب كله تعب وما رايدكم بعد !!”.

تابع الكرخي وقد تكاثرت أسراب الذباب من حوله هذه المرة يساعد على كثرتها كمية النفايات والقمامة ونشادر المتظاهرين القريبة من موقع الخطبة العصماء : (( وفي الختام لن أقول لكم يا عمال الشرق الأوسط اتحدوا ،لأنه خطاب محدود ومحدد بشريحة بعينها وقد أضاعها وابتلعها وأقصاها المستورد – الستوك – الأجنبي ،ولاسيما وأن مصانعنا الوطنية وبفعل فاعل دولي وإقليمي متوقفة أو محوسمة أو معطلة أو مشلولة،وكل الأصوات الشريفة التي طالبت مرارا بإعادة تشغيلها لاستيعاب جموع العاطلين،مع دعم القطاع المختلط ، وتشجيع الاستثمارات الخارجية لها بضوابط وشروط مع توفير أجواء آمنة له ، لأن رأس المال جبان ولن يأتي مطلقا الى بلد لا يضمن فيه سلامة موظفيه ولا ديمومة عمله ، وللحفاظ على العملة الصعبة ، ولتحريك السوق المحلية،ومجابهة الركود والانكماش والتضخم ،وبغية تنويع مصادر الدخل بدلا من الاعتماد على القروض الربوية الدولية والمحلية ، الخارجية منها والداخلية ، وتقييدنا بالاقتصاد الريعي القائم على النفط والنفط فقط لا غير،برغم تضخم الموازنات التشغيلية على حساب الموازنات الاستثمارية سنويا ،حتى صارت أمثال تلكم الدعوات المخلصة ، والنصائح والمقترحات الصادقة ، منبوذة ومخذولة ، لأن مقترحات مشاريع ومطالب شريفة كتلك تعني إفلاس الفاسدين وتلاشي الصفقات المليارية الجانبية،وتعني الحرمان شبه التام من طوفان الرشاوى، وتوقف العقود الفاسدة وبما تدره من أرباح خيالية وأرقام فلكية وسيولة، وتعني انسداد قنوات المناقصات والمزايدات المشبوهة بما تكتنفه من واردات مليارية وتريلوينية وعمولة، لأن هكذا سرقات ومن وجهة نظرهم تعد إحدى علامات الشجاعة والرجولة،وواحدة من سمات الفروسية والفتونة والبطولة،والأدهى هو أن المال العام برغم جسامته وحصانته وعظيم حرمته بنظر بعضهم يعد مالا مجهول المالك لا ولي له ولا سلطان عليه يجوز لمن يقدر عليه – خمطه – شريطة تخميسه لتزكيته وتطهيره ،في زمن الكبلتوقراطية والديستوبيا القاتمة !

كما أنني لن أقول لكم “يا فلاحي الدول النائمة توحدوا” ،لأنه نداء يكرس التمايز ويشطر ثورات التغيير والإصلاح المجتمعي ويقسمها ويحط من قيمتها طبقيا،ولأن مزارعكم وبساتينكم وحقولكم في عصر الجفاف والتصحر والاحتباس الحراري والتغير المناخي، وتحويل جنس الأرض من زراعي إلى سكني ،وتحويل مجاري الأنهار لتصب في أرض المنبع مجددا بدلا من أرض المصب ، وبما ينذر بحروب مياه قادمة وقاتمة ،ولأن أفواه الفلاحين مكممة ،ولأن أيادي المزارعين مغلولة،ولأن برامج ووعود الإصلاح الزراعي والمائي والبيئي هلامية وضبابية وفضائية معسولة .

وإنما أقول – يا أكلي الفلافل اتحدوا– فهي العبارة الأجلى والأنسب التي تستغرق الكل وتستوعب الجميع بلا استثناء من عمال وكسبة وفلاحين وطلبة وكادحين وعاطلين وموظفي عقود ودرجات دنيا وخريجين ومتقاعدين ونازحين ومهجرين ومشردين ومهمشين وذوي دخول متوسطة ومحدودة ، زيادة على الفقراء والأيتام والأرامل والمساكين وهم الغالبية العظمى في أرجاء المعمورة .

واعلموا بأن في اتحادكم ووحدتكم ورص صفوفكم عزة ومنعة وكرامة ورفعة وقوة ،بخلاف تفرقكم وتشرذمكم واختلاف قلوبكم المذموم ، ففيه وهن وهزال ونكوص وضعف وتراجع وهوة ، فلا يضحكوا على ذقونكم مجددا بـ فرق تسد ، ليمارسوا بحقكم ما خبروه من ألاعيب التقية السياسية ليخرجوا عليكم بوجهين مختلفين وبلسانين متباينين عادة ما ينادى في صباحاتها بأحدهما ليخطب ويحاضر ويدلي بتصريحات صحفية حول أهمية النزاهة والشفافية وضرورة مكافحة الفساد والحد من الظلم والاستبداد والمرض والأمية 100% ،قبل أن–يكيت – بوجهه ولسانه الثاني – الشدات–تلو الأخرى في مساءاتها على موائد القمار وداخل كازينوهات الروليت ، أو يفرقها مخمورا في الملاهي والمراقص والحانات فوق رؤوس الفاشينيستات،أو يلقي بها تحت أقدام الراقصات،وفاتهم أن “مال اللبن للبن،ومال المي للمي” و” أن ما يأكله العنز يطلعه الدباغ ” و” اللي يبوكه الحرامي، يأخذه فتاح الفال”، فهذا هو مرادهم ، وذاك هو ديدنهم ليسهل عليهم خداعكم وتضليلكم وتطويعكم وقيادكم ،وما ضاع حق وراءه مطالب ، ومن أمن العقاب أساء الأدب..والله غالب )) .

تصفيق وهتاف موحد وبصوت عال يصم الآذان : “أخوان سنة وشيعة ،وهذا الوطن ما نبيعه” ، حاملين الشيف عادل على الأكتاف نزولا الى ساحة التحرير المجاورة ، قبل أن يلتقط الشباب عشرات السيلفيات معه تمهيدا لنشرها على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي،وبعد أن ودعوا الشيف عادل بالقبلات والأحضان والكل يتحرق شوقا لخطبة – مطبخية – جديدة على غرار سابقتها مساء اليوم التالي وسط الساحة بدلا من المطعم لإلهاب حماس الجماهير ثانية وإذا بالشيف عادل لم يصل الى بيته المستأجر الأيل للسقوط عند أطراف العاصمة بأزقتها وحاراتها وأفرعها المكتظة المظلمة في تلكم الليلة المتشحة بالسواد ،كما أنه لم يرجع الى الساحة ثانية ولم يره أحد منذ ذلك الحين بعد تعرضه للاختطاف على يد مجهولين يصولون ويجولون من دون أن يجرؤ أحد حتى على تسميتهم تماما كما هو ديدن العراقيين مع مرض السرطان الفتاك والذي إذا ما أتى أحدهم على ذكره فإنه يستخدم العبارة المتعارف عليها محليا متحاشيا تسميته خوفا منه قائلا ” ذاك المرض !!” ،وعلى نحو مشابه كان الشيف عادل يطلق على تلكم المجاميع المجهولة – المعلومة ،عبارة”الما أدري ايشيات،والما أدري إيشيين”،وهكذا تلاشى الشيف واختفى من الوجود كما تلاشى مئات الناشطين والمسعفين والكتاب والإعلاميين والمحامين من قبل ومن بعد ليدون الحادث وكما جرت عليه العادة ضد مجهول يحلو لبعضهم تسميته بـ “الطرف الثالث”ولبعضهم الآخر بـ “المندس” مع فتح ملف – ترقيع – للحادث والذي ومن غير المستبعد أن يتهم الشيف شخصيا بإنهاء حياته انتحارا لأنه شخص مصاب -على حد وصف الترقيع- باضطرابات عصابية وذهانية وبعقد نفسية وبهلاوس سمع بصرية وبثنائية قطبية وبفصام وانفصام لم تنفع معها العقاقير ولا المهدئات ولا جلسات العلاج الفرويدية واليونغية والبافلوفية ، ولا الصعق بالصدمات الكهربائية،هنا طار المندس والطرف الثالث فرحا بهذه النتيجة المرضية لجميع الأطراف والتي أخرجت الفريقين سالمين غانمين كما في كل مرة كإخراج الشعرة من العجين !

شيعت الجماهير جثمان –الشيف – بعد أيام من العثور على جثته طافية في نهر دجلة،فيما انشغل النشطاء ومواقع التواصل ومعظمها غثاء ورياء وخبط عشواء موتور ، وبدلا من البحث في مصيرهم وبمستقبل بلادهم المعتم الكالح على المديين البعيد والمنظور، وصار الكل يتحدث عن مصير الشيف المعذور، أالى الجنة هو ذاهب لأنه مظلوم مغدور، أم الى النار مساق لأنه منتحر بكامل قواه العقلية وبإرادته الحرة وبكل عنجهية وغطرسة وغرور!!وذلك بحضور كل الاطراف بما فيهم أبناء السفارات والقنصليات وأحفاد الرفيقات بمعية الطرف الثالث والمندس وعناصر التفاوض والتفاهم والارتباط بين النقيضين من خلف الكواليس ليتبادلوا سوية ذرف دموع التماسيح ، وتقديم التعازي أمام العدسات بهذا الحادث الأليم والمصاب الجلل، وبما لخص للجميع أس البلاء،ومكامن الزلل،ومواطن الخلل .

ومعلوم بداهة بأن النقيضين والضدين والعدوين اللدودين لا يتصافحان ولا يتعانقان ولا يعذر أحدهما الآخر ليجتمعا سوية متناسين خلافاتهما برهة وعلى صعيد واحد، إلا إذا كانت هناك لعبة وشرك ومصيدة جديدة للشعوب والأوطان معدة احتياطيا بإحكام تحسبا لقابل الأيام والأزمان- وبتالي الليل تسمع حس العياط – لترى ألسنة النيران،وأعمدة الدخان، ليساق التبرير المسلفن عبر طبالي ووعاظ وأبواق الجانبين وخلاصته “لا صداقات ولا عداوات في فن السياسة دائمة،وإنما مصالح مستدامة تعضدها ميكافيلية وبراغماتية وديماغوجية هائمة!!” بوجود خلل بنيوي في الوعي الجمعي،واعوجاج صارخ ببيضة القبان،وميل خطير وغامض وغير مستساغ بالمرة في كفتي العدالة الاجتماعية والميزان،ووجود شرخ كبير جدا بين نظريات وفرضيات الأبراج التكييفية العاجية، وبين التطبيق على أرض الواقع في خيام النزوح وقوارب اللجوء وكامبات المهاجر والعشوائيات وفوق الأرصفة المغبرة وقد صارت مأوى ومصدر رزق للإنسان والحيوان ، حيث بون شاسع جدا بين الواقع والطموح ،وحيث وديان سحيقة وسهول بين المأمول والمعمول ، وحيث صحارى مقفرة ساشعة بين الفانتازي والطوباوي واليوتوبي والحالم من الحلول ، وبين الواقعي والعملي والمقبول و المعقول ، وبما لا تردمه النوايا الحسنة، ولا الأمنيات الحالمة المجهضة لتقيم على حافته وبالقرب من هاويته كما في كل مرة صرحا مشيدا ولكن على جرف هار يهدد بابتلاع العامر الهش مع أول عاصفة أو هزة ارتدادية بما فيه من أثاث ومتاع وبنيان، وعلى الشعوب أن تعي ذلك جيدا قبل فوات الآوان،ولتضع نصب أعينها أبيات الشاعر معروف الرصافي،وفي الحسبان :

لا يخدعنك هتاف القوم بالوطن …فالقوم في السر غير القوم في العلن

فإن تهادن قوم فانتظر شغباً …. إذ ليس هدنتهم إلا على دخن

نقلا عن كتابي : يا آكلي الفلافل اتحدوا

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك