موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا

حيدر حسين سويري
يقضي الإنسانُ لياليًّ وأياماً، ساهراً مكباً، يخططُ القيام بعمل ما، أو الإقدام على الدخول في مشروعٍ مُعيَّن،
تتزاحم الأفكار حتى يفقد الوعي، ويقع تحت سطوة الإعياء، فتتناثر الخطط وكأن شيئاً لم يكن، حينها وفي
فجوةٍ من فجوات زمن اللا تفكير، تلعب الأقدار لعبتها معه.
على حين غُرةً، تجري الرياح بما تشتهي السُفن، دون تخطيط الربان، ويحدثُ ما ليس بالحسبان، فيصل
الإنسان إلى برٍ لم يكن خطط الرسو فيه، فبالرغم من كونه فكر ودبر، وصبر وسهر، للوصل إلى غاية ما، إلا
أنها جائته تمشي على إستحياء وهو واقفٌ يترقب.
فلا يُدرى حينها، أكان التخطيط والسهر مجرد تدريب على الصبر، أم أنَّ الأقدار شاءت أن تمنحهُ ما هو
خيرٌ مما تمنى؟ هكذا نحن في هذا الوطن المتخم بالجراح؛ نخطط، ونحلم، ونبني أوهاماً من الأمنيات، لكن
العراق يبقى هو السَفينة، ونحن في ركابها نحاور الأقدار وننتظر المرفأ.
إنَّ وحدة الهدف ليست مجرد شعار يتردد على الألسن في المحافل، ولا هي عبارة تُزيّن بها المقالات
والخطابات، بل هي البوصلة الوحيدة التي تستطيع توجيه شراع هذا الوطن إلى العافية. لقد أرهقتنا الفرقة،
وتنازعتنا الأهواء، واستهلكت طاقاتنا التفاصيل الصغيرة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ونسينا أن الحلم
الأكبر— العراق بكل أطيافه وتاريخه— يحتاج منا شجاعة الرؤية ووحدة الموقف.
حين ندرك أنَّ “العراق هَمُّنا” الأكبر والوحيد، تتضاءل أمامنا كل الاختلافات الفرعية، وتتلاشى الصغائر.
يصبح النجاح الفردي ناقصاً إن لم يصب في مصلحة الجميع، وتصبح الأحلام الشخصية ضيقة إن لم تتسع
لربوع بغداد، والفيحاء، والرافدين، والشمال الأشم.
إن الأقدار وإن فاجأت بمساراتها، فإنها لا تخذل أمّة أجمعت على حب أرضها. واليوم، ونحن نقف في هذه
اللحظة الفارقة من التاريخ، لم يعد أمامنا خيار سوى أن نلتقي عند “وحدة الهدف”؛ أن نعمل معاً، نزرع
الأمل، ونشيد المستقبل، ليكون العراق دائماً فوق كل اعتبار، والغاية التي لأجلها تهون وتصغر كل المصاعب.
فالعراق لم يكن يوماً مجرد جغرافيا نعيش عليها، بل هو الهوية التي نلوذ بها، والهمّ المشترك الذي يحمل
كل مواطن في صدره وجعه وأمله. إن هذا الوطن الذي عبر العصور محمولاً على أكتاف أبنائه، لا يمكن أن
ينكسر أمام التحديات ما دامت الإرادة حية، وما دام الوعي بضرورة التكاتف هو المحرك للجميع.
ومن هنا، فإن البداية الحقيقية لكل إصلاح وترميم في جسد الوطن تبدأ من الإيمان الشديد بأن المصير
واحد. فلا مكان للتردد، ولا وقت لتبديد الجهود في معارك جانبية؛ فالهدف الأسمى يتطلب منا عملًا دؤوباً،
وصدقاً في التوجه، وإيثاراً للمصلحة العامة على كل ما سواها من مكاسب زائلة.
بقي شيء…
إننا حين نضع “العراق هَمُّنا” نصب أعيننا، نفتح الباب لغدٍ أفضل؛ غدٍ يستعيد فيه الوطن عافيته وارادته
التاريخية، وتستقر فيه السفينة على بر الأمان والاستقرار. وليست هذه أمنية مستحيلة، بل هي واقع ننسجه
اليوم بأيدينا، متسلحين بالإرادة الصلبة والأمل الذي لا يخبو.

إرسال التعليق