أخطر ضابط مخابرات في التاريخ
أخطر ضابط مخابرات في التاريخ
سيد سمير
لم تكن المخابرات الغربية تعرف اسمه أو شكله؛ فقط كانوا يشعرون بأثره ويلتقطون اسماً يتكرر في الظلام.. فيكتور، فقط فيكتور.
في عالم الظلال، هناك من ينفذ الأوامر في الميدان، وهناك من يحرك أحجار الشطرنج من خلف الستار.
لكن التاريخ لم يشهد مهندساً لحروب الظلال مثل هذا الرجل..
في الثلاثينيات من عمره، استلم جهازاً متهالكاً ومذعوراً ومقسماً، وخلال سنوات قليلة استطاع أن يلملم شمله وينشئ شبكات جاسوسية في جميع أنحاء العالم، ويسرق أعتى سرّ عسكري في القرن العشرين، ليغير بعقله وجه العالم للأبد!
«بافيل فيتين»..
أو كما كان يُعرف للأمريكيين باسم: “العقيد فيكتور”.
في عام 1937، كان الاتحاد السوفيتي يمر بـ “التطهير الكبير”؛ موجة جنونية من الإعدامات طالت قادة الجيش والمخابرات بأمر من ستالين شخصياً.
كان جهاز المخابرات شبه فارغ، والخوف يقطع أنفاس الجميع.
وفي وسط هذه الفوضى، تم استدعاء شاب ثلاثيني خريج أكاديمية تيميريازيف الزراعية، يعمل كمحرر في دار نشر ومستشار صحفي للأدب الزراعي، يُدعى بافيل فيتين.
أُدخل في دورات استخباراتية مكثفة، وفي عام 1939، ولشدة ذكائه وهدوئه الخرافي، صدر قرارٌ أذهل الجميع حينها داخل جهاز المخابرات: تم تعيين “فيتين” نائباً ثم رئيساً للاستخبارات الخارجية السوفيتية وهو في الـ 31 من عمره فقط!
كان الجهاز يُعاد ترميمه بوتيرة سريعة جداً، وكانت المهمة شبه مستحيلة على الجميع تقريباً: أن تقوم بإعادة بناء جهاز مفكك من الصفر، في وقت كانت فيه أوروبا كلها تسير فوق صفيح ساخن، والأنظمة اليمينية الفاشية بدأت تلعب دوراً محورياً في الساحة، ونيران الحرب العالمية الثانية على الأبواب.
كانت شبكات الجواسيس السوفيت التي يشرف عليها فيتين في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، ترسل إليه يومياً تقارير عن أحداث الحرب قبل وقوعها.
ومع بداية عام 1941، بدأت التقارير الواردة من شبكة الجواسيس التي بناها في ألمانيا – والمعروفة بـ «الأوركسترا الحمراء» – تصل تباعاً وبدقة مقلقة وصادمة حقاً:
“الألمان يجهزون لغزو الاتحاد السوفيتي.. الهجوم سيكون في يونيو!”
دخل فيتين مسرعاً بنفسه على ستالين، ووضع أمامه التقارير التي حددت موعد الغزو باليوم والساعة.
لكن ستالين وكعادته، وبسبب غروره وعناده، صرخ في وجهه واعتبر التقارير “تضليلاً بريطانياً لدفع موسكو للحرب”.
وعلى الرغم من أن صحفي طوكيو (ريتشارد زورغه) أكد التقارير نفسها، إلا أن ستالين كان يأمن جانب هتلر، ويقول: “هذا خداعٌ من الغرب حتى ندخل معهم هذه الحرب”.
وعندما فجر النازيون الحدود في 22 يونيو 1941 تماماً كما قال فيتين، أدرك الكرملين حينها أن هذا الشاب البالغ من العمر 33 عاماً يمتلك أعينًا ترى في أعتى ظلمات العواصم الأوروبية!
بحلول عام 1942، وردت لـ “فيكتور” معلومات سرية للغاية: الولايات المتحدة وبريطانيا تدشنان مشروعاً مطلق السرية يُدعى «مشروع مانهاتن» لصناعة سلاح مدمر قادر على مسح مدن كاملة (القنبلة الذرية).
هنا، أطلق فيتين أجرأ وأعقد عملية تجسس علمي في التاريخ، أطلق عليها رمزياً: «إينورموز» (الضخمة).
ونجح فيتين في اختراق معاقل البحث الأمريكي في “لوس ألاموس” عبر تجنيد علماء فيزياء نادرة (أبرزهم كلاوس فوكس).
كانت المخططات والمعادلات الفيزيائية تُسرق من مختبرات واشنطن السرية وتطير مباشرة ليتلقاها مكتب “فيكتور” في موسكو قبل أن تكتمل طباعتها!
بفضل هذه التسريبات، اختصر السوفيت سنوات من البحث والمليارات من الدولارات، وفجروا قنبلتهم الذرية الأولى عام 1949، لتسقط أحلام أمريكا في الاحتكار النووي، وتولد رسمياً حالة “الردع المتبادل” التي شكلت عالمنا اليوم!
ولكن!!
وكما نعلم دائماً في عالم الظلال.. كل طائر يرتفع سريعاً يجب أن يقع!
فعلى الرغم من كل هذه الإنجازات التي حمت الاتحاد السوفيتي من الفناء، إلا أن عالم الجاسوسية السوفيتي لا يعرف الوفاء.
بعد وفاة ستالين عام 1953، اندلع صراع دامي على السلطة داخل الكرملين.
وبدلاً من تكريم “فيكتور” كبطل قومي، خشي القادة الجدد من نفوذه ومعرفته بأسرار الجميع، وشهدت المخابرات تغييراً قاسياً للحرس القديم.
تم تجريده فجأة من رتبته العسكرية وإقالته من الجهاز بطريقة مشينة، وتَم إخفاء اسمه تماماً من سجلات النصر الاستخباراتي!
وعاش صانع أسطورة الـ KGB ومجددها ومستجلب الغطاء النووي لبلاده باقي حياته، يعمل مديراً لمخبز ومطبخ بسيط في موسكو، حتى توفي عام 1971 دون أن يعلم الناس من يكون هذا العجوز المتقاعد!
لم تُكشف أسرار وإنجازات “العقيد فيكتور” للعلن إلا بعد عقود طويلة، وبعد وفاته بفترة طويلة وُضع له تمثالٌ تكريمي أمام مقر الاستخبارات الروسية، كـ “العقل الأول” الذي حفر اسم موسكو في التاريخ التجسسي.
صنع “فيكتور” إمبراطورية الظلال السوفياتي، وسرق القنبلة بشبكاته التي أنشأها بالعبقرية والدهاء.. لكن، ماذا لو تحول التجسس من سرقة معادلات العلم، إلى لعبة دم وشجاعة في ساحات المعارك المفتوحة؟
القصة القادمة ستأخذنا إلى وجهةٍ مختلفة تماماً.. إلى رجل لم يجلس خلف مكتب في موسكو، بل كان مجرماً ولص خزائن بريطاني، أُسقط بالمظلة للقيام بعمليات تخريبية لصالح النازيين.. قبل أن يتخذ قراراً بقلب اللعبة برمتها!
كيف خدع هتلر وجعله يمنحه أعلى وسام عسكري ألماني «الصليب الحديدي»، بينما كان يرسل إحداثيات القصف إلى لندن؟



إرسال التعليق