اغتيال الخوف

قصة قصيرة:
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن “النهضة” بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً جثوماً على الجدرانِ
الخرسانية الباردة. لم تكن القسوةُ المحيطةُ بالمكان هي مصدر الرعبِ الوحيد لـ “مريم”، بل كان الخوفُ يملأ
أركانَ روحها؛ خوفُ إنسانةٍ رمَت بها الظروفُ القاسيةُ في قاعِ الضعف. كلُّ ما كانت تتطلعُ إليه في تلك البقعةِ
الموحشة، هو نزرٌ يسيرٌ من الرحمة، وشعاعٌ ضئيلٌ من الأمانِ تعبرُ به جسرَ الفزع حتى لا تنكسرَ روحُها
تماماً.
كانت تطوّقُ ركبتيها بيديها الراجفتين، وتسترقُ النظرَ نحو البابِ الحديدي، تترقبُ بوجلٍ خطواتِ
“الحراس”؛ أولئك الذين وُضعوا في هذا المكان لتكونَ وظيفتهم إدارة الأمان وحراسة الحقوق.
وفجأةً، صرّ البابُ الحديديُّ بصوتٍ جاف، ودخل ثلاثةٌ من الحراس. لم تكن في وجوههم أيّ ملامحَ
للإنسانية، بل شواهدُ استقواءٍ مقيت بالظروف والمنصب. ثلاثةُ رجالٍ تتطلعُ أعينُهم الباردةُ إلى ضعفها
الحساس بانتهازيةٍ بائسة، دون أن يرمشَ لأحدهم جفنٌ أو يطرفَ لهم ضمير.
تراجعت مريم إلى الجدار، وابتلعت غصتها وهي ترفعُ يديها الضعيفتين مسترحمة:
— “رجاءً… ارحموا ضعفي، أنا امرأةٌ لا حيلةَ لي هنا ولا قوة…”
تقدم أحدهم بنظرةٍ خاليةٍ من أي حرمة، وقال بصوتٍ جافٍ يتصاعدُ منه الجبروت:
— “الرحمةُ ليست من اختصاصنا هنا.. أنتِ تحت سلطتنا الكاملة.”
لم تكن تلك الفاجعةُ الشنعاءُ التي تناوبَ على ارتكابها أولئك الثلاثة مجردَ اعتداءٍ غاشمٍ على جسدٍ أعزل في
لحظةِ انكسار؛ بل كانت جرفاً تاماً لكلّ ما تبقى في كيانها. لقد تجرؤوا، بكلّ صغارٍ وقسوة، على اغتصابِ
شعورها بالخوف ذاته، تاركين وراءهم أثراً لا يرممُهُ الزمان.
بعد انقضاءِ تلك الليلةِ المظلمة، سكنَ الخوفُ في جوفها كلياً، وغاضت الدموعُ من عينيها، وحلّ الذهولُ
المطبقُ محلّ الفزع.
جلست زميلتها في الحجز تحاولُ مواساتها والهمسَ إليها وهي تمسكُ بيدها الباردة:
— “مريم.. اتكلمي، ابكي، اصرخي.. لا تلتزمي هذا الصمتَ المرعب، الخوفُ يأكلُ قلبكِ!”
نظرت مريمُ إلى الفراغِ بعينينِ مطفأتين، وردت بنبرةٍ جافةٍ خلت من أيِّ نبض:
— “لقد اعتَدوا عليّ، نعم.. لكنهم لم يسلبوني أماني فحسب، بل اغتالوا خوفي أيضاً.. أتعلمين ما معنى أن
يعيشَ الإنسانُ بلا خوف؟ إنه كمن يعيشُ بلا نوم، بلا طعام، بلا حركة، وبلا إحساس.. فماذا يتبقى منه بعد
ذلك؟ ماذا بعد الخوف غير الدمار الشامل والانكسار الذي لا يُرمّم؟”
صمتت الجدرانُ وغرقَ المكانُ في أسىً صامت. كان أشدُّ ما في الحادثةِ إيلاماً وصدمة، أن من ارتكبوا هذه
الجريمةَ بحقِّ امرأةٍ في أوجِ ضعفها، هم ثلاثةُ أفرادٍ وُكِلَت إليهم أمانةُ الحمايةِ ورعايةِ العدالة، لتنقلبَ الفطرةُ
والمهمة: كيف يُرتجى الأمانُ إذا كان الحراسُ هم الجناة؟
وظلَّ سؤالُ روحها المنكسرةِ يترددُ في أروقةِ الصمت: أين الحرمة؟ وأين الرحمة؟ لماذا يستصعبُ البعضُ أن
يرحموا الإنسانَ في ظروفه القاهرة، بينما يسهلُ عليهم رجمُهُ بالأذى والشقاء مدى الحياة؟
……………………………………………………………………………..
حيدر حسين سويري
كاتب وأديب وإعلامي

إرسال التعليق