مسجد مداوروش: بين قدسية الشعيرة وقدسية الحجر.
رشيد مصباح (فوزي)
*
عاد الجدل من جديد في مدينة مداوروش حول المسجد العتيق المعروف باسم ”مسجد الإمام علي بن أبي طالب“ رضي الله عنه، بعد أن تقرر هدمه وإعادة بنائه، إثر التقارير الفنية التي أكدت أنه أصبح يشكل خطرا على سلامة المصلين، فضلا عن ضيق مساحته وعدم قدرته على استيعاب الأعداد المتزايدة من رواده.
ومع أن القرار يدخل، من الناحية القانونية والإدارية، ضمن صلاحيات الجهات المختصة التابعة لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، فقد أثيرت حوله حملة اعتراض واسعة، قادتها نخبة معروفة من أبناء المدينة، رأت أن المبنى القديم ينبغي أن يبقى باعتباره معلما تاريخيا وثقافيا، مرّ به عدد من أعلام الحركة الإصلاحية، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الحميد ابن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، رحمهما الله.
ولا يمكن فصل هذا الموقف عن الخلفية الفكرية لبعض رموزه، ممن تشكّلت رؤيتهم في المدرسة الفرنكوفونية، وتأثّروا بالمقاربة الغربية التي تنظر إلى دور العبادة بوصفها جزءا من التراث الثقافي والعمراني. ومن ثمّ، أصبح الاهتمام موجّها إلى المحافظة على المبنى أكثر من المحافظة على الوظيفة التي شُيّد من أجلها. بينما ينظر الفقه الإسلامي إلى المسجد باعتباره مؤسسة للعبادة، تتقدّم فيها وظيفة الشعيرة على بقاء البناء ذاته؛ فالمسجد في الإسلام لا يكتسب قداسته من أحجاره، وإنما من رسالته، ومن كونه مكانا يُعبد الله فيه.
وهنا يكمن جوهر الخلاف. فالإسلام لا يقدّس الحجارة، وإنما يكرّم الإنسان، ويجعل حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة. فإذا أصبح البناء يهدّد حياة المصلين، أو لم يعد يستجيب لحاجاتهم، فإن إعادة بنائه أو توسيعه ليست اعتداء على قدسيته، بل حفاظا على المقصد الذي بُني من أجله.
ولعل من المفارقات أن أكثر الأصوات دفاعا عن المبنى القديم لا تصدر عن المصلّين الذين يرتادون المسجد يوميا ويعرفون حاجاته، وإنما عن أشخاص ينظرون إليه من زاوية تاريخية أو ثقافية. ولذلك انصبّ اهتمامهم على المحافظة على الجدران، بينما ينظر المصلّون إلى المسجد باعتباره بيتا لإقامة الصلاة قبل أن يكون أثرا معماريا.
ومن الناحية الشرعية، لم يعرف تاريخ المسلمين تقديس الأبنية، وإلّـا لما شهد المسجد الحرام والمسجد النبوي، وهما أعظم مسجدين في الإسلام، عمليات توسعة وإعادة بناء متكرّرة عبر القرون. فلم يكن الحفاظ على البناء هو الغاية، وإنما الحفاظ على أداء العبادة في أفضل الظروف.
أما من الناحية القانونية، فإن المساجد في الجزائر مرافق عمومية تابعة للدولة، تشرف عليها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف. ولا يملك الإمام، ولا اللجنة الدينية، صلاحية اتخاذ قرار بهدم مسجد أو إعادة بنائه أو توسيعه، لأن هذه الصلاحيات تدخل ضمن اختصاص السلطات العمومية، وفق القوانين والتنظيمات المعمول بها. ولذلك فإن تحميل ما يسمّيهم البعض بـ”الأصوليين“ مسؤولية هدم المسجد ليس سوى ادّعاء يفتقر إلى أيّ أساس قانوني أو واقعي.
ثم إن موقع المسجد في قلب مدينة مداوروش، عند ملتقى الطرق المؤدية إلى سوق أهراس وتبسة وسدراته، جعله في قلب الحركة العمرانية للمدينة. وقد أصبحت توسعته ضرورة فرضها الواقع، ولم تعد مجرد خيار هندسي، حتى يؤدي رسالته في استقبال المصلين في ظروف تليق ببيت من بيوت الله.
إن الحفاظ على الذاكرة التاريخية أمر محمود، لكن حفظها لا يكون بالضرورة بالإبقاء على كل بناء قديم مهما كانت حالته، وإنما يكون بالتوثيق، والصور، واللوحات التعريفية، والكتابة التاريخية، وكل الوسائل التي تحفظ الذاكرة دون أن تعرّض حياة الناس للخطر.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بصراع بين الدِّين والثقافة، ولا بين التراث والتحديث، وإنما باختلاف في المرجعية التي يُنظر من خلالها إلى المسجد. فهناك من يراه أثرا معماريا، وهناك من يراه بيتا من بيوت الله، شُيّد لإقامة الصلاة وخدمة الإنسان. والإسلام، منذ بداياته، قدّم الإنسان على الحجر، والمقصد على الوسيلة.
ولهذا، فإن الدّفاع عن إعادة بناء المسجد لم يكن يوما دفاعا عن هدم التراث، بل دفاعا عن روح المسجد ووظيفته. فالمساجد لا تُبنى لتكون متاحف، وإنما لتظل عامرة بذكر الله، آمنة بالمصلين، تؤدّي رسالتها جيلـًا بعد جيل.



إرسال التعليق