كيف بدأ البرنامج الصاروخي الأمريكي . بداية صناعة الصواريخ في الولايات المتحدة

كشف بدأ البرنامج الصاروخي الأمريكي . بداية صناعة الصواريخ في الولايات المتحدة

هاري كريس

بمناسبة أن الصواريخ هي “حديث الساعة” كتب د.رامي ملك #للأذكياء_فقط :
ـــــــــــــــــ
ضابط أمريكي شاب، يدعى روبرت ستيڤر (R. B. Staver)، كان أبرز أعضاء الفريق الذي أوفدته الولايات المتحدة إلى ألمانيا، لجلب الصواريخ البالستية V-2، ووثائقها.
تدرب ستيڤر أولا في بريطانيا، حيث درس الصور الجوية لمدينة نوردهاوزن، التي ذكرنا في بوست سابق أنها كانت معقلا لصناعة الصواريخ تحت الأرض.
بينما كان ستيڤر يعمل بصحبة زميل داخل مبنى عسكري في لندن، دوّى انفجار هائل، أطاح بهما أرضا. نهض ستيڤر مترنحا، واتجه نحو النافذة، فرأى الدخان وألسنة اللهب، والقطع المعدنية المشتعلة تتساقط من السماء كالجحيم.
كان صاروخا بالستيا، “هدية” من ألمانيا. بعد أيام عاش ستيڤر تجربة مماثلة. كان نائما عندما انتزعه من فراشه انفجار مروع، رفعه إلى أعلى ثم هوى به أرضا. كان صاروخا آخر سقط في مكان قريب، وحصد أرواح العشرات من سكان لندن.
كان الحدثان كفيلين بجعل ستيڤر يلمس بشكل شخصي الخطورة الحقيقية لتلك الصواريخ. لذلك، راح يسابق الزمن حال وصوله مع بقية الفريق إلى نوردهاوزن في مايو 1945. أبلغه قادته أن أمامه أسبوعين فقط لإنجاز المهمة، لأن المدينة تقع في المنطقة المخصصة للسوڤييت، وأن الجيش الأحمر سيصل لتسلم المدينة بعد 18 يوما.
لم تكن عملية مشبك الورق قد بدأت بعد. وكان خبير الصواريخ الألماني فون براون ورفاقه، يتشمسون في معسكر احتجازهم فوق جبال الألب، عند حدود النمسا، مطمئنين إلى أن وثائق الصواريخ لن يصل إليها إنس ولا جان. فبعدما أودع رجال فون براون الوثائق داخل المنجم المهجور في مدينة دورنتن، قاموا بتفجير مدخله بالديناميت، لتتساقط كومة هائلة من الصخور، وتغلق المنجم تماما.
لكن ما لم يكن فون براون يعرفه هو أن أحد رجاله الذين شاركوا في إخفاء الوثائق، عرج على صديق له من سكان نوردهاوزن، يُدعى كارل أوتو فلايشر (K. O. Fleischer)، وأسَرَّ له بمكان الوثائق.
ونظرا لأن فلايشر كان من العاملين في صناعة الصواريخ، فقد وضعته التحريات بسرعة في طريق ستيڤر، ولم يجد الأخير صعوبة في جعل فلايشر يبوح له بموقع الكنز.
تحرك ستيڤر فورا، من نوردهاوزن إلى دورنتن، وبدأ عملية إزالة الأنقاض من مدخل المنجم، وهو يحدق بلهفة لرؤية ما تخفيه مغارة علي بابا الصاروخية في جوفها.
بجانب رتبته العسكرية، كان ستيڤر يحمل شهادة في الهندسة من جامعة ستانفورد. لذلك، ما إن وقعت عيناه على حجم الوثائق، وتصفح بعضها على عجل، حتى أدرك بعقلية المهندس، أن العلماء الذين أنتجوا هذه الوثائق لا يجوز التفريط فيهم بأي حال، ولا بد من نقلهم إلى أمريكا.
لكن بعض القادة الميدانيين رأوا أن فون براون ورفاقه لم يعد لديهم ما يقدمونه بعد العثور على الوثائق، ومن ثم يمكن التخلص منهم بالطريقة التي تمنعهم من أن يصبحوا مصدر تهديد لأمريكا مستقبلا.
لحسم الجدل، توجه ستيڤر إلى مطار عسكري أمريكي، وطلب نقله جوا إلى باريس ليتحدث مباشرة إلى القيادة العليا للجيش الأمريكي. أخبره أحد الطيارين أن الطائرات المتاحة كلها طائرات مقاتلة، ليس فيها سوى مقعد واحد مخصص للطيار. غير أن ستيڤر أقنعه بأنه سيجلس دون حراك في المساحة الضيقة خلف مقعد الطيار.
وبالفعل، حشر ستيڤر جسمه في الحيز الخانق خلف الطيار، وانطلقت الطائرة، محلقة طوال الطريق على ارتفاع منخفض، يكاد يلامس قمم الأشجار، لكي تتجنب التقلبات الجوية التي تحدث عند الارتفاعات الشاهقة.
إذا حاولت العثور على صورة لروبرت ستيڤر في المراجع المتاحة عن الحرب العالمية الثانية، لن تجد. غير أن هذا الجندي المجهول، الذي ترجل من الطائرة في مطار أورلي في باريس، بملابسه المجعدة، وعضلاته المتصلبة، جراء الحشر خلف مقعد الطيار، كان وهو يهرول إلى مقر القيادة الأمريكية، إنما يسرع إلى تشكيل مستقبل التكنولوجيا العسكرية في العالم.


غنيمة القرن


في مقر القيادة الأمريكية في باريس، التقى الرائد ستيڤر بقائد اسمه “جويل هولمز” (J. Holmes). أخبره ستيڤر بالعثور على مخبأ الوثائق، وقدم له تقريرا شفويا حول ما يجري بمنطقة جبال هارتس (Harz) شمالي وسط ألمانيا، حيث تقع مدينتا نوردهاوزن ودورنتن.
لم ينسَ ستيڤر أيضا أن يشيد بجهود زملاء آخرين، أبرزهم كولونيل اسمه هولجر تُوفْتوي (H. N. Toftoy)، القائد العام لمهمة الصواريخ، ورائد يدعى جيمس هاميل (J. P. Hamill) كان مكلفا بجمع ما يمكن جمعه من قطع الصواريخ ومحركاتها.
لكن الرسالة الأهم في ما قاله ستيڤر لهولمز، هي أن أمريكا لن تستطيع الاستفادة المثلى من هذه الصواريخ والوثائق، ما لم تجلب معها الفيزيائيين والمهندسين الذين ابتكروها.
لمس هولمز صدق رؤية ستيڤر، وحماسه، فقال له: اكتب برقية للبنتاجون بكل ما يجول في خاطرك، وسأوقع عليها باسمي وأرسلها فورا.
أمسك ستيڤر ورقة وقلما وكتب: “لدينا حاليا رهن الاحتجاز أكثر من 400 من كبار العلماء الألمان الذين طوروا صواريخ V-2 في بيناموندا… إن تفكير المديرين العلميين لهذه المجموعة يسبق الولايات المتحدة بخمسة وعشرين عاما كاملة.. وربما تكون النسخة التالية من هذا الصاروخ قادرة على الوصول من أوروبا إلى الولايات المتحدة.. لذلك أوصي باتخاذ إجراء فوري لمنع فقدان هؤلاء العلماء، أو بعضهم، لصالح أطراف أخرى.. أرجو الرد في أقرب وقت”.
أرسل هولمز البرقية باسمه، وانطلق ستيڤر عائدا إلى دورنتن. لم تكن عقارب الساعة وحدها التي تتحرك، بل كان الجميع يشعرون أن الأرض نفسها تتحرك تحت أقدامهم. لذلك أنهى ستيڤر بسرعة، تحميل الأربعة عشر طنا من الوثائق على الشاحنات التي انطلقت بها إلى باريس تحت حراسة مشددة. ومن باريس، نُقلت إلى الولايات المتحدة، لتستقر في مركز تقييم الوثائق الأجنبية في أبردين، بولاية ماريلاند.
إذا كان نقل الأوراق سهلا، فإن نقل الحديد والصلب ليس كذلك. استطاع هاميل ببراعة أن يجمع من ورش ميتلڤيرك تحت الأرض، آلاف الأجزاء، والصواريخ غير الكاملة.. كانت القطع تكفي لتجميع مائة صاروخ بالستي كامل، إضافة إلى محركات، وقطع غيار، وأجزاء من منصات الإطلاق.
وفي مشهد خيالي جرى نقل ذلك العتاد المهول بالقطار. تسعة قطارات شحن (بمجموع 341 عربة قطار)، انطلقت واحدا تلو الآخر، من محطة إيرفورت (Erfurt) قرب نوردهاوزن، متجهة إلى أنتويرب (Antwerp) في بلجيكا.
كان يمكن للقطارات أن تتخذ مسارا قصيرا، فتعبر الحدود الألمانية البلجيكية مباشرة، لكنها لم تسلك هذا الطريق، لأنه كان يعني مرور القطارات في المناطق الواقعة تحت النفوذ البريطاني.
لم تشأ أمريكا أن تتقاسم الغنيمة مع حليفتها بريطانيا، فجعلت القطارات تسلك طريقا أطول، داخل المناطق الأمريكية، باتجاه الجنوب الغربي لألمانيا، ومنه تعبر الحدود إلى فرنسا، ثم من فرنسا إلى بلجيكا، بعيدا عن أعين الإنجليز.
في ميناء أنتويرب، شُحِنت الصواريخ على متن ست عشرة سفينة، عبرت المحيط إلى نيو أورليانز، ومن هناك إلى نيو مكسيكو، حيث ميدان وايت ساندز للاختبارات (White Sands Proving Ground).
قبل ثمان وأربعين ساعة فقط من الوقت المتوقع أن تطأ فيه أقدام الجنود السوڤييت أرض نوردهاوزن، وصلت إلى ستيڤر موافقة القيادة على نقل العلماء إلى أمريكا، فجرى التعجيل بعملية مشبك الورق.
نُقِل فون براون ورفاقه، إلى بلدة ڤِتسِنْهاوزن (Witzenhausen)، على بعد 70 كيلومترا من نوردهاوزن، داخل المنطقة الأمريكية. لم يكن فون براون مجرد عالِم. كان الخريطة البشرية التي اعتمد عليها ستيڤر لمعرفة أسماء وعناوين بقية العلماء الذين بنوا الوحش البالستي في بيناموندا وميتليڤيرك.
أمر ستيڤر الجنود الأمريكيين، بأن يجمعوا كل ما يتحرك على عجلات، شاحنات، سيارات، دراجات نارية، وحتى العربات التي تجرها الحمير، ثم ينتشروا في أرجاء جبال هارتس، لجمع العلماء وعائلاتهم. كان العرض الأمريكي للعلماء الألمان بسيطا: “ارحلوا معنا الآن، لتلحقوا بركب المستقبل في أمريكا، أو ابقوا مكانكم، وانتظروا ما سيفعله بكم السوڤييت بعد سويعات”.


الروس قادمون
ــــــــــــ
بلغت عملية تجميع العقول الألمانية ذروتها فوق أرصفة إحدى محطات السكك الحديدية، حيث وقف أكثر من ألف عالم ألماني برفقة عائلاتهم، ينظرون إلى القضبان بعيون يملؤها القلق، منتظرين حشر أنفسهم في قطار سيمضي بهم نحو مجهول لن يضاهي – مهما تكن قسوته – جحيم المعلوم الذي ينتظرهم لو أنهم بقوا في أماكنهم.
حشد لا يقل عن خمسة آلاف نسمة، يضم العلماء وزوجاتهم وأطفالهم.. جمهور غفير يليق باستاد كرة قدم لا برصيف قطار ضيق. ومع تأخر القاطرة التي سيتم وصلها بالقطار، بدأت مشاعر التوتر تتصاعد. وزاد الطين بلة تدفق موجات من السكان المحليين إلى المحطة رغبة في النزوح الجماعي، بعد أن سرت أنباء خطة إجلاء العلماء قبل وصول الجيش الأحمر، سريان النار في الهشيم.
لم يكن هذا الذعر نابعا من فراغ، فأنباء ما فعله الجيش الأحمر في برلين كانت تتوارد مثل كابوس مرعب. قصص مروعة عن جحافل العسكريين السوڤييت، الذين يقتحمون المنازل وهم في حالة سُكْر، وعطش شديد للانتقام من كل ما هو ألماني.
أشارت التقديرات اللاحقة إلى تعرض نحو مائة ألف امرأة وفتاة في برلين وحدها لعمليات اغتصاب وحشية، لدرجة أن أكثر من عشرة آلاف امرأة اخترن أن ينهين حياتهن بالانتحار، للإفلات من العار. هذا فضلا عن آلاف القتلى والمفقودين الذين سقطوا تحت وطأة عمليات السلب والنهب الممنهج.
كاب بديهيا أن يؤدي هذا الرعب إلى تكالب محموم على محطة القطار، مما استدعى تدخل الجنود الأمريكيين، الذين فرضوا طوقا أمنيا صارما، واستخدموا التهديد بالسلاح لمنع أي نازح من الصعود إلى العربات، ما لم يكن دارسا للعلوم أو الهندسة.. لعلها كانت المرة الأولى في التاريخ التي يشعر فيها خريجو العلوم بأنهم مرغوبون من أحد على ظهر الكوكب!
وبينما كان القطار يتأهب للتحرك بحمولته البشرية الثمينة، وصلت معلومة استخباراتية بالغة الخطورة إلى الميجور ستيڤر، وزميل له في نفس الفريق، اسمه “ريتشارد بورتر” (R. Porter). ففي اللحظات الأخيرة قبل الصعود، اعترف جنرال ألماني اسمه “ڤالتر دورنبيرجر” (W. R. Dornberger) بسر خطير. كان دورنبيرجر يفوق فون براون من حيث الرتبة في سلاح الصواريخ.
أبلغ الرجل ستيڤر وبورتر بأنه أخفى وثائق سرية أخرى. خمسة صناديق خشبية مبطنة بالمعدن، مليئة بالأوراق الحساسة، دفنها بنفسه في حقل على أطراف بلدة تسمى “باد ساكسا” (Bad Sachsa).
ورغم أن صناديق دورنبيرجر لم تكن تقارَن بأطنان الوثائق التي أخفاها فون براون في منجم دورنتن، إلا أن العبرة لم تكن بالكم وحده. فقد كانت تلك الأوراق تمثل حزمة من الأسرار الفنية الدقيقة، التي أكد دورنبيرجر أنها لو وقعت في قبضة السوڤييت لربما رجحت كفتهم على كفة الأمريكيين. وقد ادخرها الجنرال كورقة ضغط أخيرة يساوم بها على مستقبله، تحسبا لأي محاولة لتهميشه أو استبعاده من الصفقة الأمريكية.
لم يضيع ستيڤر وبورتر ثانية واحدة. انطلقا بالسيارة لمسافة تقارب المائة كيلومتر حتى يصلا إلى مقر وحدة هندسية أمريكية. وهناك استعارا مجارف ومعاول، وفريقا من الرجال، وجهازا لكشف الألغام، ومن هناك إلى الحقل المترامي الأطراف في باد ساكسا. جرى تمشيط الأرض شِبْرا شِبرا، حتى عُثر على الصناديق، وتم شحنها فورا إلى أقرب منشأة عسكرية أمريكية.
في طريق عودتهما، مرَّ ستيڤر وبورتر بمدينة نوردهاوزن، فألقيا عليها نظرة وداع مشحونة باختلاط المشاعر. أحس بورتر ساعتها برغبة جارفة في تدمير كل خطوط إنتاج الصواريخ قبل الانسحاب من المدينة، التي تقع ضمن المنطقة المخصصة للسوڤييت طبقا لقرار التقسيم، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، خشية خرق مرسوم اللجنة الاستشارية الأوروبية الذي وقعه الجنرال أيزنهاور مع الحلفاء، والذي كان يحظر تدمير المنشآت الواقعة ضمن مناطق نفوذ القوى الأخرى.
غادر قطار العلماء محطته، وبقيت منشأة ميتيلڤيرك صامدة بانتظار محتليها الجدد. يستعيد بورتر ذكريات هذه اللحظات في وقت لاحق، فيقول أنه ما زال نادما على التزامه بالقانون في تلك اللحظة الفارقة.. فعندما رفض تفجير المصنع احتراما للمراسيم، إنما كان يسلم، بمنتهى السذاجة، مفاتيح صناعة الصواريخ إلى الروس، أعداء الغد في الحرب الباردة.
في الصورة: الصور للصواريخ في مراحل انتاجها إنتهاء بإيصالها الى وجهاتها بالاضافة الى بطاقة بريدية أصدرتها الجمعية الألمانية للصواريخ، وعليها صورة دورنبيرجر.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك