الحرب بالطريقة الايرانية.. قواعد الاشتباك

إيران تبتكر قواعد اشتباك لا يفهمها جنرالات البنتاغون
لماذا عجزت “قوات دلتا” عن تكرار سيناريو فنزويلا في الخليج

عدنان الروسان

بينما يحبسُ العالَمُ أنفاسَهُ ترقباً لساعةِ الصفر، يكتشفُ دونالد ترامب متأخراً أن قنبلةَ طهران الحقيقية ليست نووية، بل هي (برميل النفط) الذي انفجرَ في وجهِ البيت الأبيض. في مارس 2026، لم تَعُد قواعِدُ الاشتباكِ تُكتبُ في البنتاغون، بل في ردهاتِ الأسواقِ التي تترنحُ تحت وطأةِ 119 دولاراً للبرميل. فهل سقطَ (الرجل القوي) في فخِّ العولمةِ المعكوسة، حيثُ يصبحُ تدميرُ الخصمِ انتحاراً اقتصادياً إليكم كواليس المأزقِ السريالي الذي وضعَ الهيبةَ الأمريكيةَ على مقصلةِ مضيقِ هرمز ، حسب ما أره

اليومَ، ورغم الهدوء النسبي في الميدان، فإن الأمور تنزلق إلى حافَة الهاوية.
فمن جهة، يلوّح “ترامب” بالكثير من التهديدات، تارة يريد أن يضرب مَضيق هُرمز ويفتحه بالقوة، وتارة ثانية يقول إنه سيدمر كل محطات الطاقة ومنشآتها، وأحياناً يلوّح بالتهديد النووي ضد حقل “بارس” الجنوبي، شريان الحياة للغاز الإيراني، متوعداً بتدميره بالكامل. غير أنه ما يلبث أن يتراجع عن تصريحاته خلال ساعات قليلة؛ فقد أعطى إيران مهلة محددة وإنذاراً قوياً لمدة 48 ساعة، وحبس العالمُ أنفاسَه وعاشت المنطقة على صفيح ساخن، ليتراجع بعد أقل من 24 ساعة ويمدد مهلة الإنذار لخمسة أيام.

من جهة أخرى، يرى “ترامب” أن الأسواق العالمية قد تصل إلى حافَة الانهيار (الذهب والدولار والنفط والغاز)؛ وبالطبع فإن العالم أجمع يحمّل “ترامب” مسؤولية ما يحدث؛ لأنه يخوض حرباً غير قانونية ولا يمكن تصنيفها بأنها “حرب شرعية”. وهكذا، بدأ وزير خزانته يتحدث عن تخفيف العقوبات في مجال التزود بالطاقة لتهدئة الأسواق.

إن هذه هي “حرب ترامب” في إيران؛ صراعٌ متناقض يُخاض على جبهتين متعارضتين لا يمكن التوفيق بينهما، حيث أصبح “العدو المراد هزيمته” (إيران) و”سعر الوقود المراد تنظيمه” متغيراً واحداً لا متغيرين منفصلين.

ما نراه في كل زوايا المشهد الماثل أمامنا ليس مجرد مفارقات لوجستية تحدث بالصدفة أو بالتخطيط المسبق، بل هي صورة غريبة وغير مفهومة لمأزق جيوسياسي شديد التعقيد وجد الرئيس “ترامب” نفسه فيه، ويكاد يكون من المستحيل الخروج منه سالماً دون أضرار. وهو يعاني معاناة كبيرة ويحاول ألّا يُظهر حالة الضعف التي يعيشها؛ فمن جهة، هناك الوعد الذي قطعه للناخبين —العهد الذي شكّل أساس رئاسته الثانية— حيث وعدهم بأن أمريكا لن تدخل في صراعات جديدة، ووعدهم بوقود رخيص، وفك الارتباط عن مستنقعات الشرق الأوسط ووقف الحروب. ومن جهة أخرى، قام بشن حرب دون أي أسباب موجبة، ولم يكن يتوقع الردود الإيرانية. هناك واقع الرد الإيراني الذي لم يستهدف قواعد عسكرية فحسب، بل استهدف الجهاز العصبي للاقتصاد العالمي: البنية التحتية للطاقة في الخليج. وفي خضم هذا الخلل، تعثّر المنطق الاقتصادي للعالم الغربي.

كان خطأ إدارة “ترامب” الجوهري فكرياً قبل أن يكون استراتيجياً، حتى إن الكثيرين باتوا يعتقدون أن “ترامب” يتصرف وفق أهواء الدائرة الضيقة جداً التي تحيط به (وزير الدفاع، ووزير الخارجية، وكوشنر، وويتيكوف) ومَن يرضى عنهم الرئيس، دون الأخذ بعين الاعتبار نصائح وكالة الاستخبارات المركزية وجنرالات الحرب في “البنتاغون”.

لقد تصورت الإدارة الأمريكية الحرب بمفاهيم القرن العشرين، كمواجهة بين قوى نارية، وهذا ما كرَّرَه “ترامب” عشرات المرات: “نحن نملك أكبر جيش في العالم، لا يستطيع أحد مواجهتنا، أنا أستطيع سحق إيران”. وقد زاد من غروره نجاح قوات “دلتا” الأمريكية في اقتحام قصر الرئيس الفنزويلي واختطافه ونقله إلى السجن في الولايات المتحدة. لقد نسي “ترامب” أو تناسى أن القرن الحادي والعشرين قد أعاد صياغة قواعد الاشتباك. أدركت إيران تماماً أن ضعفها العسكري يتناسب تناسبا عكسياً مع ضعف الغرب الاقتصادي؛ وأنه لضرب واشنطن في مقتل، لا حاجة لإغراق حاملة طائرات في الخليج، بل كل ما يلزم هو إحداث خلل في تدفقات الطاقة العالمية.
و هذا ما حصل..

فقد أوصلت إيران “ترامب” والعالم كله إلى المفارقة الكلاسيكية للحرب؛ فلا تكمن قوة طهران في صواريخها فقط، بل في الموقع الجغرافي لـ مضيق هُرمز ونهم الصين والهند للطاقة، حيث يمر عبر هذا المضيق 20% من نفط العالم وربع غازه الطبيعي المسال. إن عرقلة هذا التدفق، ولو جزئياً، تعني زرع “فيروس” في قلب النظام الرأسمالي، وهذا الفيروس هو التضخم.

والنتيجة واضحة للعيان؛ فقد ارتفع سعر النفط الخام إلى 119 دولاراً للبرميل، وألحقت أسعار البنزين الأمريكية ضرراً بالأجور مع زيادة قدرها دولار واحد للغالون في غضون أسابيع قليلة، وقام الاحتياطي الفيدرالي بتجميد تخفيضات أسعار الفائدة التي كان ترامب يأمل أن تُنعش سوق الإسكان قبل الانتخابات. إن انتقام طهران يؤثر بشكل مباشر على “جيوب” ناخبي ترامب؛ إنها “عولمة معكوسة” تمكنت إيران من ابتداعها.

لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ إذ تكشف إدارة الأزمة عن انقسام عميق داخل المؤسسة الأمريكية نفسها. فمن جهة، نجد المتشددين الذين يرون في احتلال “جزيرة خارك” الحل الأمثل. ومن جهة أخرى، يدرك الواقعيون في وزارتي الخزانة والطاقة تماماً أن الاستيلاء على “خارك” سيؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل: سيدمر الإيرانيون بنيتهم التحتية قبل استسلامهم، وسترتفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، مع عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي.

في غضون ذلك، يراقب المجتمع الدولي الوضع بمزيج من عدم التصديق والانتهازية. ويعرب الحلفاء الأوروبيون عن إحباطهم من عجز “ترامب” عن وضع استراتيجية خروج. وتزداد مناقشاتهم مع طهران توتراً؛ لأن لا أحد قادر على التخطيط لما بعد الأربع والعشرين ساعة القادمة. وتتعرض اليابان للإهانة بسبب إشارة غير لائقة إلى “بيرل هاربر”. أما الصين، فهي تراقب المشهد السريالي لـ تحطم الهيبة الأمريكية على سواحل مضيق هُرمز.

إرسال التعليق