كوردستان أولًا، نحو ميثاق وطني فوق حزبي
د. محمود عباس
بعد كل ما سبق من تحليل للصراع، وموجات الكراهية، والتوازن السلبي، والتدخلات الخارجية، تبقى الحقيقة الأبسط هي الأكثر إلحاحًا، لا يمكن لأي مشروع كوردي في غربي كوردستان أن يستمر إذا ظل أسير التنافس الحزبي الضيق. فالأحزاب أدوات، أما كوردستان فهي الإطار الجامع. وحين تنقلب المعادلة في الوعي العام، وتصبح الأحزاب معيارًا أعلى من القضية، يتحول المشروع الوطني إلى ساحة تصفية حسابات لا إلى فضاء بناء.
المرحلة الراهنة لا تحتاج إلى انتصار طرف على آخر، بل إلى إعادة تعريف البوصلة. لا بوصفها تسوية ظرفية، بل باعتبارها ميثاقًا وطنيًا فوق حزبي، يضع حدودًا للصراع ويمنع انزلاقه إلى مستوى يهدد الكل.
الميثاق المطلوب ليس برنامجًا سياسيًا تفصيليًا، ولا صيغة إدارية محددة، بل مجموعة مبادئ حاكمة. أولها الاعتراف المتبادل بين القوى الكوردستانية بأن كل طرف يمثل شريحة حقيقية من المجتمع، وأن الإلغاء المتبادل لم يعد خيارًا واقعيًا. ثانيها وقف لغة التخوين بوصفها أداة ضبط داخلي، لأن التخوين لا يحمي المشروع، بل يأكل شرعيته. ثالثها تحييد المثقفين والفاعلين المستقلين عن الاستقطاب الحزبي، فالمجال الوطني لا يستقيم إذا تحولت كل قراءة نقدية إلى اصطفاف. ورابعها اعتبار أي اقتتال داخلي، سياسيًا كان أو أمنيًا أو إعلاميًا، خسارة استراتيجية مباشرة تخدم الفاعل الخارجي قبل أن تخدم أي طرف داخلي.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى مخرجات مؤتمر قامشلو في نيسان الماضي بوصفها أرضية يمكن إعادة تفعيلها لا باعتبارها منتهية الصلاحية. فالهيئة المنبثقة عنه، رغم ما اعتراها من إهمال أو تعطيل، تمثل محاولة لتشكيل إطار تمثيلي أوسع من الحسابات الحزبية الضيقة. إعادة إحياء هذه المخرجات، وتوسيعها، وتشكيل لجان متخصصة تمثل الشعب الكوردي في الحوارات الداخلية والإقليمية والدولية، يمكن أن يعيد ترتيب المشهد على قاعدة جماعية لا فئوية، خصوصًا إذا ضمت هذه اللجان شخصيات ذات حضور دولي وخبرة سياسية تراكمت خلال السنوات الماضية. فالتجربة لا يجوز أن تُهدر، كما لا يجوز أن تُحتكر.
القضية اليوم ليست فيمن يمتلك الشرعية الكاملة، بل في كيفية منع تآكل الشرعية الجماعية. كل طرف، مهما بلغت قوته، يبقى جزءًا من مشهد أوسع لا يمكن إدارته بمنطق الغلبة. وإذا كان الخارج يستثمر الانقسام، فإن المسؤولية الأولى تبقى داخلية، في القدرة على ضبط الخلاف، وتحييده عن التحول إلى صراع وجودي.
كوردستان أولًا ليست شعارًا عاطفيًا، بل ترتيبًا للأولويات. أن يكون الوطن مرجعية أعلى من الحزب، وأن يكون المشروع الوطني أوسع من أي أيديولوجيا، وأن تُدار الخلافات ضمن سقف يحمي الكل من السقوط المتبادل.
لأن القضية التي لا تتسع لأبنائها، لن تتسع لها الجغرافيا.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق