هل نحن سلطة ومعارضة أم حركة تحرر لم تكتمل بعد؟

هل نحن سلطة ومعارضة أم حركة تحرر لم تكتمل بعد؟

في غربي كوردستان، نتصرف أحيانًا وكأن الدولة قد وُلدت، وكأن السيادة قد استقرت، وكأن الصراع بيننا هو صراع برامج داخل نظامٍ مكتمل. أنصار الإدارة الذاتية يتحدثون بلغة السلطة، وأنصار المجلس الوطني يتحدثون بلغة المعارضة، وكأننا داخل دولة مستقرة لا تهددها الجغرافيا ولا تحاصرها الحسابات الإقليمية. غير أن هذا التصوير المريح يخفي مفارقة خطيرة: نحن نستعير منطق الدولة قبل أن تتوافر شروطها، وندير خلافاتنا بعقلية كيانٍ لم يُحسم بعد وجوده السياسي.

والمفارقة الأعمق أن هذا السجال يجري في لحظة تراجع حقيقية. ففي الشهور الأخيرة تحديدًا، خسر الطرفان جزءًا مهمًا من مكتسباتهما السياسية، سواء بفعل إعادة تموضع الحكومة السورية الانتقالية، أو نتيجة تبدّل الأولويات الإقليمية، أو في ظل انكفاء الدعم الأمريكي عن قوات سوريا الديمقراطية. لا الإدارة الذاتية بقيت سلطة مكتملة، ولا المجلس الوطني أصبح معارضة قادرة على فرض معادلة جديدة. ومع ذلك، يُدار الخلاف بينهما بلغة سلطة ومعارضة مستقرتين، بينما الواقع يشير إلى هشاشة مشتركة وتراجع متزامن.

فهل نحن فعلًا سلطة ومعارضة داخل دولة مستقلة، أم قوى متعددة داخل مشروع تحرري لم يكتمل بعد؟

منذ تصاعد الخلاف بين قوى الإدارة الذاتية وأحزاب المجلس الوطني الكوردي في غربي كوردستان، يتكرّر توصيف المشهد بلغة تبدو مألوفة في الدول المستقرة، سلطة في مقابل معارضة، حكومة في مقابل خصوم سياسيين، برنامج في مقابل برنامج. غير أن هذا التوصيف، على بساطته الظاهرية، يخفي خللًا مفاهيميًا عميقًا، هل نحن فعلًا في حالة دولة مكتملة السيادة حتى نستعير منطقها السياسي؟

الدولة المستقرة تُدار بمنطق تداول السلطة، وتوازن المؤسسات، ووجود سيادة معترف بها وحدود مصونة. أما غربي كوردستان، فالمجال فيها لا يزال مجالًا تحرريًا هشًا، يتشكّل تحت ضغط إقليمي ودولي، ويعيش في ظل تهديدات أمنية دائمة، ويعتمد في بقائه على توازنات دقيقة. في مثل هذا السياق، يصبح استيراد نموذج “السلطة والمعارضة” بصيغته الصفرية مخاطرة سياسية لا مجرد اختلاف في المصطلحات.

وهذا لا يعني أن الإدارة الذاتية معصومة من الخطأ، ولا أن المجلس الوطني بلا مسؤولية في تعميق الهوة. كلا الطرفين ارتكب أخطاء سياسية وإدارية وتقديرية ساهمت في توسيع مساحة الشك المتبادل. غير أن معالجة هذه الأخطاء بمنطق كسر العظم لا تؤدي إلى إصلاحها، بل إلى مضاعفتها.

ليس المقصود هنا الدعوة إلى إلغاء التعدد أو تعليق النقد، فحركات التحرر التي ألغت التعدد تحولت سريعًا إلى أنظمة مغلقة. لكن المقصود هو التمييز بين التعدد المنضبط داخل مشروع تحرري جامع، وبين الصراع الصفري الذي يفترض أن أحد الأطراف يجب أن يُقصى كي يستقر المجال. في المراحل التأسيسية، الإقصاء لا ينتج استقرارًا؛ بل يفتح الباب لتصدع أعمق.

التاريخ الحديث لحركات التحرر يوضح هذه المعادلة بجلاء، حين تُقدَّم المنافسة الحزبية على وحدة المجال التحرري، يتقدم الخصم الخارجي بخطوات أسرع مما يتقدم أي طرف داخلي. فالانقسام في مرحلة التحرر لا يُقرأ خارجيًا بوصفه ديمقراطية ناشئة، بل يُقرأ بوصفه هشاشة قابلة للاستثمار.

في غربي كوردستان، توازن القوى بين الأطراف ليس تفصيلًا ثانويًا؛ إنه معطى بنيوي. لا أحد قادر على إلغاء الآخر دون كلفة وجودية. وحين يكون الحسم مستحيلًا، يتحول التصعيد إلى استنزاف. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح، من يستفيد من استنزاف متبادل في مرحلة لم تكتمل شروطها السياسية بعد؟

حين يتعامل كل طرف مع ذاته بوصفه “الممثل الأجدر”، ويتعامل مع الآخر بوصفه عبئًا على المشروع، فإننا ننتقل من تنافس سياسي إلى صراع هوية. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل الخلاف أكثر خطورة من كونه مجرد اختلاف برامج.

إن الخلط بين “الدولة” و” المجال التحرري” يقود إلى سوء تقدير خطير. فالدولة يمكن أن تحتمل معارضة قوية لأنها محمية ببنيتها المؤسسية. أما المجال التحرري غير المكتمل، فكل شرخ داخلي فيه ينعكس مباشرة على قدرته الدفاعية والسياسية. هنا يصبح الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي شرطًا للبقاء، لا مجرد خيار أخلاقي.

لا يعني ذلك تجميد الخلافات أو تذويب الفوارق بين مشروع الإدارة الذاتية ورؤية المجلس الوطني الكوردي. بل يعني إعادة ترتيب الأولويات، هل الهدف هو إثبات تفوق طرف على آخر؟ أم حماية المجال الكوردستاني في غربيه من التآكل قبل أن يستكمل شروط تحوله إلى كيان سياسي معترف به؟

إذا اعتبرنا أنفسنا في طور حركة تحرر وطني، فإن المعيار الأعلى لا يكون من يملك الشرعية التمثيلية الأكبر، بل من يحافظ على المجال المشترك من الانهيار. أما إذا افترضنا أننا دولة مكتملة، فإن منطق الغلبة الحزبية سيستمر في إنتاج استقطابٍ يتجاوز السياسة إلى المجتمع ذاته.

إن تحويل الخلاف بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني إلى معركة إثبات شرعية نهائية يضع الشارع الكوردي أمام خيارين خاطئين: إما الاصطفاف الكامل، أو التخوين الكامل. وبين الاصطفاف والتخوين تضيع المساحة الوطنية المشتركة التي بدونها لا تقوم حركة تحرر أصلًا.

المرحلة تفرض تعريفًا دقيقًا للذات، هل نحن سلطة ومعارضة داخل دولة مستقرة؟ أم قوى متعددة داخل مشروع تحرري لم يُحسم بعد؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد شكل الخطاب فحسب، بل تحدد طبيعة الصراع ذاته.

وفي بيئة لم تُحسم فيها السيادة ولم يكتمل فيها الاعتراف، فإن أخطر ما يمكن فعله ليس الاختلاف، بل إدارة اختلافاتنا بعقلية دولة لم تولد بعد، فنحوّل خلافًا قابلًا للاحتواء إلى استنزاف قد يُفقدنا ما تبقى من المجال الذي نحاول حمايته.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق