الجزائر الحدث

متاعب مهنة التعليم

‏اللامرئي في مهنة التعليم: التعب الإدراكي لدى المدرس

محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث


‏يُعدّ التعب الإدراكي (Cognitive Fatigue) من الظواهر الخفية أو “اللامرئية” التي ترافق الممارسات التعليمية اليومية، إذ يعيشها المعلم في صمت دون أن تُقاس بسهولة أو تُدرَك بالعين المجردة. يتناول هذا المقال مفهوم التعب الإدراكي في مهنة التعليم، أسبابه العصبية والنفسية، وآثاره على الأداء التربوي والعلاقات الصفّية، إضافة إلى استراتيجيات التخفيف منه. كما يحاول تسليط الضوء على الجانب اللامرئي في العمل التربوي بوصفه مجالاً يتجاوز الجهد البدني نحو الجهد الذهني والعاطفي المعقّد.


‏—

‏المقدّمة

‏في خضمّ التركيز على المناهج وطرائق التدريس والتقويم، غالبًا ما يُغفل الجانب اللامرئي في مهنة التعليم، أي ذلك الجهد الإدراكي والعاطفي المستمر الذي يبذله المدرس أثناء التفاعل مع الطلبة. فالمعلم ليس مجرد ناقل معرفة، بل عقل يعمل تحت ضغط إدراكي دائم: الانتباه، التنظيم، اتخاذ القرار، معالجة الانفعالات، والاستجابة للمثيرات الصفية المتغيرة. ومع مرور الوقت، يتولد ما يُعرف بـ التعب الإدراكي، وهو حالة من الإرهاق الذهني تؤثر على جودة الأداء التربوي حتى دون مؤشرات ظاهرة.


‏—

‏أولًا: مفهوم التعب الإدراكي

‏يُعرَّف التعب الإدراكي بأنه انخفاض في كفاءة الأداء العقلي نتيجة الاستعمال المفرط للموارد المعرفية مثل الانتباه والذاكرة العاملة واتخاذ القرار (Boksem & Tops, 2008).
‏في السياق التعليمي، يظهر هذا التعب لدى المدرس في شكل:

‏ضعف في التركيز والانتباه إلى تفاصيل الدرس؛

‏بطء في معالجة استجابات الطلبة؛

‏تراجع القدرة على ضبط الصفّ؛

‏خمول عاطفي أو “احتراق صامت”؛

‏ميل إلى القرارات السريعة أو الانفعالية في المواقف الصفية.



‏—

‏ثانيًا: جذور الظاهرة العصبية والنفسية

‏تُظهر دراسات التصوير العصبي أن التعب الإدراكي يرتبط بانخفاض نشاط القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التحكم التنفيذي واتخاذ القرار (Lim et al., 2010).
‏أما نفسيًا، فيرتبط بعوامل متعددة مثل:

‏الضغط الزمني وكثافة الأنشطة الصفية؛

‏غياب الدعم المؤسسي والاعتراف بجهود المعلم؛

‏تكرار العمل الروتيني دون تجديد معرفي؛

‏الحمل العاطفي الناتج عن التعامل مع طلبة ذوي حاجات مختلفة.


‏بذلك يصبح التعليم مهنة “عالية الانفعال” (High-Emotional Labor Profession)، حيث يستنزف الدماغ جهده ليس فقط في التفكير بل في ضبط الانفعالات المستمر (Brotheridge & Grandey, 2002).


‏—

‏ثالثًا: التعب الإدراكي كجانب “لامرئي”

‏يوصف التعب الإدراكي بأنه “لامرئي” لأن مظاهره لا تُقاس بسهولة في بيئة المدرسة، ولا تُدرج ضمن مؤشرات الأداء. فالمعلم قد يبدو حاضرًا جسديًا لكنه غائب إدراكيًا.
‏تشير دراسات حديثة (Martínez-Monteagudo et al., 2019) إلى أن نسبة كبيرة من المدرسين يعانون من “إجهاد إدراكي مزمن” دون تشخيص، مما يؤدي إلى أخطاء تعليمية غير مقصودة، وضعف في التفاعل مع الطلبة الموهوبين أو ذوي الصعوبات.


‏—

‏رابعًا: الآثار التربوية

‏ينعكس التعب الإدراكي سلبًا على:

‏1. جودة التخطيط والتقويم؛ إذ تتراجع الدقة في تصميم الأنشطة وتقييمها.


‏2. التفاعل الصفي؛ حيث يقل التعاطف ويزداد التوتر.


‏3. الإبداع التربوي؛ فالإرهاق الإدراكي يحدّ من التفكير الابتكاري ويزيد الميل للحلول النمطية.


‏4. الصحة النفسية؛ إذ يُعدّ التعب الإدراكي أحد المقدمات الأساسية للاحتراق المهني (Maslach & Leiter, 2016).




‏—

‏خامسًا: استراتيجيات التخفيف من التعب الإدراكي

‏تنظيم أوقات العمل والراحة الذهنية بين الحصص.

‏المرونة التنظيمية في توزيع الجهد بين التدريس والإدارة.

‏تدريب المعلمين على مهارات الانتباه الواعي (Mindfulness) لخفض الحمل المعرفي.

‏استخدام التكنولوجيا التعليمية الذكية لتخفيف الضغط الإدراكي الروتيني.

‏إعادة الاعتبار للجانب الإنساني في التعليم من خلال دعم نفسي وتربوي مستمر.



‏—

‏سادسًا: نحو “علم الرفاه الإدراكي للمعلم”

‏بدأت الدراسات الحديثة تدعو إلى تأسيس ما يُعرف بـ علم الرفاه الإدراكي للمعلم (Teacher Cognitive Well-being Science)، وهو حقل يدمج بين علم الأعصاب التربوي، وعلم النفس الإيجابي، وإدارة الضغوط المهنية، بهدف بناء نماذج عمل مستدامة تحافظ على كفاءة الدماغ التعليمي دون استنزاف.


‏—

‏الخاتمة

‏إن التعب الإدراكي هو “اللامرئي” الأكثر تأثيرًا في جودة التعليم المعاصر. فحين يُنهك عقل المعلم، تُنهك المدرسة كلها.
‏الاعتراف بهذا الجانب الخفي خطوة أساسية نحو إصلاح تربوي يوازن بين الأداء والكفاءة الذهنية، وبين المعلومة والإنسان.
‏إن مستقبل التعليم الجيد يمرّ عبر “عقل معلّم مرتاح”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى