تراجع مكانة إسرائيل في أوروبا
تراجع مكانة إسرائيل في أوروبا
نهاد أبو غوش
صدر تحذيرات كثيرة عن سفراء إسرائيليين في أوروبا حاليين وسابقين، من اتساع الرفض الأوروبي للسياسات الإسرائيلية والذي يترجم إلى مواقف سياسية وتجارية مناوئة لإسرائيل، بل إلى حملات ضد الإسرائيليين أنفسهم، بما يشمل النشاطات الرياضية والثقافية والفنية والتجارية، وحتى مواقف عدائية تجاه الزوار والسياح الإسرائيليين الذين باتوا مرذولين ويتعرضون للتوبيخ أينما ذهبوا: في المطاعم والفنادق ووسائل النقل. وما زالت الدوائر الأمنية الإسرائيلية تحذر الإسرائيليين من كشف هويتهم أو التحدث باللغة العبرية، أو إظهار رموز دينية، وتجنب السفر لدول بعينها تعد شديدة الخطر على الإسرائيليين. علينا أن نأخذ هذه التصريحات كصرخات تحذير أكثر من كونها تشخيصا لواقع جديد أو لتغيرات انقلابية، هذه الصرخة يطلقها كثير من السياسيين والمسؤولين الإسرائيليين بأشكال شتى، نظرا لتراجع مكانة إسرائيل وصورتها بسبب سياساتها الوحشية وارتكابها جرائم حرب، وانتهاكاتها الفظيعة في غزة كما في الضفة، فضلا عن وجود حكومة يمين فاشية لا يتردد رموزها ووزراؤها عن الدعوة لارتكاب جرائم تطهير عرقي ويتفاخرون بسياسات التمييز العنصري. لذلك هذه التطورات مهمة وهي تعكس تنامي الوعي الأوروبي الذي لم تعد تنطلي عليه الرواية والأكاذيب لإسرائيلية التي تصور الإسرائيليين واليهود كضحية. ولكن علينا أن نكون حذرين : هذا الوعي موجود في الشارع والحراكات الجماهيرية ولدى المجتمع المدني الأوروبي أكثر مما ينعكس في السياسات الرسمية للدول الأوروبية.
جميعنا يذكر أن معظم البرلمانات الأوروبية في مطلع الألفية، اعترفت بشكل رمزي بالدولة الفلسطينية لكن الحكومات لم تفعل ذلك. أن التظاهرات التي عمت العواصم والمدن الأوروبية بدأت منذ الأسابيع الأولى لهذه الحرب ولم تتوقف، ولكنها لم تنعكس بشكل سريع وتلقائي على مواقف الحكومات نظرا للانقسامات والتباينات الواسعة في اوروبا تجاه القضية الفلسطينية، وكذلك بسبب شبكة المصالح الواسعة التي تربط أوروبا ودولها بإسرائيل. بل أن بعض الدول وخاصة ألمانيا تقمع التحركات المؤيدة للفلسطينيين بشدة وتجرّمها، وتتبع سياسات منافقة وكاذبة: تتحدث عن ضرورة إنصاف الفلسطينيين وحمايتهم ولكنها تواصل تزويد آلة الحرب الإسرائيلية بأحدث الأسلحة والتقنيات واللوازم، كما تتطوع دائما لتوفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لحكومة التطرف الإسرائيلية، ورلا تضيع أي فرصة لتوثيق العلاقات معها.
أوروبا قارة صغيرة حجما ولكنها مهمة في تأثيرها السياسي والثقافي، وهي مهد الحركة الصهيونية ودولها الاستعمارية الرئيسية هي التي زرعت إسرائيل في وطننا، وفيها تنوع هائل حيث يضم مجلس أوروبا 47 دولة، والاتحاد الأوروبي 27 دولة، هناك خلافات واسعة علنية في أوروبا بين دول تقود اتجاها متصاعدا للاعتراف بالحقوق الفلسطينية وإدانة إسرائيل ومحاسبتها، وأبرز هذه الدول هي اسبانيا وايرلندا والنرويج وسلوفينيا وارمينيا. وهناك دول بدأت، وأهمها فرنسا، مواقفها تتغير نتيجة ضغط الشارع والخشية الكبيرة من تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة التي قد تتسبب بموجات جديدة من التطرف والعنف والهجرة، وإحلال شريعة الغاب محل القانون الدولي، وقد توّج ذلك باعترافات متتالية لفرنسا وبريطانيا وبلغاريا والبرتغال ولوكسمبرغ بالإضافة لكندا واستراليا بالدولة الفلسطينية، لكن هذه الاعترافات ظلت مشروطة فضلا عن كونها لم تتحدث عن حدود هذه الدولة ونوع سيادتها، وفي الغالب هذه الدولة تشرط اعترافها بالدولة الفلسطينية بجملة إصلاحات فلسطينية ومراعاة مصالح إسرائيل الأمنية ونزع سلاح الفلسطينيين، وغالبا تسلم هذه الدول بصعوبة التراجع عن التعيرات التي خصلت على الأرض أي أنها تسلم ببقاء المستوطنات الإسرائيلية .
إلى ذلك هناك دول يحكمها اليمين المتطرف الأقرب للفاشية، وخاصة هنغاريا (المجر) والتشيك وايطاليا، وهذه الدول تؤيد اسرائيل وتدافع عتها في كل المحافل، وهذا اليمين هو صورة مماثلة لليمين الفاشي الإسرائيلي بل تلعب دولتان هما التشيك والمجر دورا خبيثا في تعطيل قرارات الاتحاد الأوروبي (التي يجب أن تؤخذ بالإجماع) تجاه القضية الفلسطينية، ومن المؤسف أن اليمين يحكم الآن دولا كانت تاريخيا مؤيدة لفلسطيني مثل قبرص واليونان فباتت لأسباب اقتصادية وسياسية من اشد أنصار إسرائيل وداعميها، إذن يمكن القول أن الخريطة السياسية الأوروبية تتغير باستمرار نظرا لعاملين هما التحولات الجارية في كل بلد، والسياسات والممارسات الإسرائيلية الإجرامية التي تتجاوز كل الحدود، فلو أضفنا لذلك ما ينبغي أن تكون عليه أدوار الدبلوماسية الفلسطينية والجاليات الفلسطينية والعربية، يمكن لذلك أن يحدث تحولا نوعيا في اتجاه الإقرار بحقوقنا.
أتوقع إجراءات عملية في اتجاهين أولا تنامي دور الدول المؤيدة لفلسطين بقيادة اسبانيا، وبالتالي يتعزز الحراك الأوروبي القائم على مبادرات لا يمكن تعطيلها من خلال نظام عمل الاتحاد الأوروبي، وهذه الدول يمكن أن تتذ مواقف فردية دون انتظار قرارات الاتحاد الأوروبي، ثانيا المواقف الشعبية ومواقف الهيئات والمؤسسات والشركات بما يشمل النقابات والجامعات واتحادات الشباب والمرأة والمجتمع المدني كلها يمكن أن تلعب أدورا مهمة في سياسات مقاطعة إسرائيل والدعوة لمعاقبتها وسحب الاستثمارات منها فضلا عن فعاليات التضامن مع الشعب الفلسطيني، في نهاية المطاف هذه الحراكات ستؤثر على مواقف الحكومات التي ستضطر لأخذ حراكات شعوبها بعين الاعتبار. ولكن علينا الحذر دائما فهذه الاتجاهات ليست ثابتة وهي يمكن أن تنقلب مع كل تغيير يحصل في أوروبا ولذلك من المهم العمل على مأسسة حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني والعمل على نسج علاقات وثيقة معها من أجل استدامتها



إرسال التعليق