حين يحكم الحمقى.. كيف ساهمت رعونة “المستعصم” في انتصار التتار؟

سليم قواس

تشير الروايات التاريخية إلى أن الخليفة العباسي الأخير، المستعصم بالله، كان كريمًا حليمًا، سليم الباطن، حسن الديانة، قال الشيخ قطب الدين:
كان متدينًا متمسكًا بالسنة كأبيه وجده، ولكنه لم يكن مثلهما في التيقظ والحزم وعلو الهمة.
غير أنه لم يكن مؤهّلًا للخلافة، إذ يُقال إن ثمة أيادي خفية أبعدت الأمير الخفاجي ـــ المستحق الحقيقي لمنصب الخلافة، فقد كان للمستنصر ولدان: المستعصم والخفاجي. وكان الأكبر بينهما الخفاجي، رجلًا ذكيًا، قويًا، شديد الرأي، شجاعًا صعب المراس. وكان يقول:
إن ملكني الله الأمر لأعبرنَّ بالجيوش نهر جيحون وأنتزع البلاد من التتار وأستأصلهم .
أما المستعصم فكان على خلاف ذلك؛ هينًا لينًا، ضعيف الرأي، ولذلك كان الخليفة المستنصر يميل إلى ابنه الخفاجي، ويرجّح المؤرخ المقريزي أن المستنصر مات مسمومًا، ما يعني أن الوفاة أو القتل كان مفاجئًا، ولا يُستبعد ضلوع بعض كبار رجال الدولة في هذه الجريمة، مثل ابن العلقمي، الممسك بقصر الخلافة، والأمير إقبال الشرابي أحد كبار قادة الجيش العباسي.
فاختار الشرابي وابن العلقمي، ومعهم قادة الجيش، المستعصم على أخيه الخفاجي ليستبدوا هم بالأمر؛ إذ لم يكونوا يخشونه كما كانوا يخشون أخاه، فلما توفي المستنصر أخفوا موته نحو عشرين يومًا، حتى دبّروا ولاية المستعصم، وبويع له بالخلافة، أما أخوه الخفاجي فقد فرّ إلى البادية العراقية وتلاشى أمره.
وقد أُجبرت الأسرة العباسية وأقارب المستعصم ـــ وعلى رأسهم أعمامه ـــ على مبايعته تحت ضغط العسكر، بل وُضعوا في الإقامة الجبرية، ومُنع عنهم الطعام والشراب حتى استسلموا في نهاية المطاف، وهكذا، لم يكن المستعصم مرغوبًا فيه حتى من الأسرة العباسية ذاتها لوهنه وضعفه، في حين أن أخاه الأكبر الخفاجي كان أحق بالخلافة منه.
امتازت شخصية المستعصم بأمرين غريبين للغاية: الأول ثقافته واطلاعه وحبه للقراءة، مع الدعة والرفاهية وحب المال، والثاني بُخله الشديد في تطوير مؤسسات الدولة ومرافقها، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي كانت تواجه أخطر تحدٍّ وجودي تمثل في اجتياح المغول للقارة الآسيوية، وكان لابن العلقمي الدور الأخطر في صرف الخليفة عن تقوية الجيش.
فقد رأى المستعصم، بمشورة وزيره ابن العلقمي، أن الحل الأسهل هو عقد اتفاق مع التتار، يقضي بتخفيض عدد الجيش العباسي من مائة ألف مقاتل في سائر أراضي الدولة إلى أقل من عشرين ألفًا، مقابل دفع جزية سنوية للتتار . وبذلك ـــ كما توهّم ـــ لن يقع الصدام العسكري بين الطرفين.
وفي تلك الفترة، كان صراع مراكز القوى في الدولة العباسية على أشدّه، وكان أبرز رجالاتها ثلاثة:
مؤيد الدين العلقمي الوزير الشيعي ورئيس ديوان الخلافة، وإقبال الشرابي قائد الجيش، ومجاهد الدين الدويدار، الرجل الثاني في قيادة الجيش، وكان رأي مجاهد الدين أيبك أن يبادر العباسيون بمواجهة التتار، وقد حفظ لنا التاريخ مقولته الشهيرة:
لو مكنني أمير المؤمنين المستعصم، لقهرت التتار، ولشغلت هولاكو بنفسه، غير أن المستعصم أعرض عن نصائح قادته، ولم يكن يقتنع إلا برأي ابن العلقمي.
وقد أهلك ابن العلقمي البلاد والعباد، وتلاعب بالخليفة كيف شاء، فبطن مع التتار وناصحهم وأطمعهم في المجيء إلى العراق، وأخذ بغداد، وقطع شأفة الدولة العباسية ليقيم خليفة من آل علي، فصار إذا جاء خبر عن التتار كتمه عن الخليفة، بينما كان يُطلع التتار على أسرار الخلافة حتى وقع الكارثي.
ويصف المؤرخون مأساة الجيش العباسي العظيم الذي انتهى أمر جنوده وقادته إلى التسول في الأسواق بعد أن أهملهم الخليفة وأوقف رواتبهم، ورغم اجتياح التتار #للعراق، لم يحرّك المستعصم ساكنًا، ولم تستفزه همّة، بل ظل يتمنى علاقات طيبة مع المغول، حتى نُقل عنه قوله:
لا خوف من المستقبل؛ لأن بيني وبين هولاكو خان وأخيه منكو قاآن روابط ودية ومحبة صميمية، لا عداوة ولا نفرة، وحيث أني أحبهم فلا شك أنهم يحبونني ويميلون إليّ، وأحسب أن الرسل قد بلّغوني عنهم كذبًا. وإذا ظهر خلاف فلا خشية منه؛ لأن كل #الملوك والسلاطين على وجه الأرض بمنزلة جنود لنا.
وبحلول يوم 4 المحرم سنة 656هـ، وصل هولاكو قائد المغول إلى أسوار بغداد الشرقية. وأمام هجماته الشرسة انهارت الدفاعات العباسية. ومع نهاية محرم وبداية صفر من العام نفسه، استولى المغول على بغداد، فعاثوا فيها فسادًا، ودمّروا حاضرتها الثقافية، وقتلوا ما لا يقل عن مليون بغدادي. وفي 2 صفر قُتل #الخليفة المستعصم وأولاده وعائلته وكبار قادته في معسكر الجيش المغولي، وسقطت الخلافة العباسية رسميًا بعد حكم استمر خمسة قرون.
ويذكر ابن الفوطي (وهو شاهد عيان، وكان أسيرًا عند المغول) أن الكرخ الحي الشيعي الشهير كان الوحيد الذي نجا نسبيًا بحماية من الوزير ابن العلقمي، بينما دمّرت سائر أحياء السنّة، غير أن فرحة الشيعة بإقامة دولتهم لم تدم طويلًا؛ فالمغول لم يكن يعنيهم تشيع ولا تسنن، وإنما السيطرة.

إرسال التعليق