تشريحُ العقل المغلق: كيف يفكر الأغبياء؟
جميل مرتضى
في رحلتي الطويلة بين وثائق التحقيق، ومتابعة سلوكيات البشر في المحاكم والقرى والمدن، كنتُ أظن في بدايات حياتي أن “الغباء” هو مجرد نقصٍ في الذكاء أو قلةٍ في التحصيل العلمي. غير أن التجارب والتحليل النفسي العميق أثبتت لي العكس تماماً؛ الغباء ليس حالة عقلية مجردة، بل هو طريقة تفكير وبنية نفسية متكاملة، قد تجدها لدى الأمي، كما قد تجدها لدى صاحب أعلى الشهادات الجامعية!
إن فهم “كيف يفكر الغبي” لا يهدف إلى السخرية منه، بل لتوقي الأضرار الفادحة التي يمكن أن يلحقها بالمجتمع والعلاقات والدول. ويمكن تلخيص الملامح النفسية لنمط التفكير هذا في بضع سمات جوهرية:
1. الوثوقية المطلقة وغياب الشك
يعيش العقل الذكي في حالة تجدد مستمر، يُراجع معتقداته ويشك في استنتاجاته بناءً على الأدلة والوقائع. أما العقل الغبي، فيتميز بـ “اليقين القاتل”. إنه لا يشك أبداً في صحة رأيه، ولا يمر بمرحلة التردد الصحّي. بالنسبة له، كل شيء واضح، بسيط، ومحسوم. هذا ما يُعرف في علم النفس بـ “تأثير دانينغ-كروجر” (Dunning-Kruger effect)، حيث يدفع الجهلُ صاحبه إلى الاستعلاء والثقة المفرطة في قدراته.
2. العجز عن استيعاب التعقيد (التفكير الأحادية)
يرى العالم بعينين لا تعترفان بالدرجات الرمادية؛ الأشياء عنده إما أبيض مطلق أو أسود مطلق، إما مع أو ضد، إما خيرٌ كلي أو شرٌّ مطلق. لا يستطيع العقل المغلق فهم “المسارات المركبة” أو المتغيرات المتعددة التي تحكم الحدث الواحد، لذلك يهرب دائماً إلى التفسيرات السطحية العفوية، أو الإيمان المؤامراتي السهل الذي يعفيه من عناء التفكير والتحليل.
3. تقديس “الإنكار” والدفاع عن الأنا
حين يصطدم تفكير الذكي بالواقع المغاير، يُعدّل أفكاره لتناسب الواقع. أما الغبي، فحين يصطدم تفكيره بالواقع، يحاول تعديل الواقع أو إنكاره ليناسب أفكاره! الأنا (Ego) لديه هشّة إلى درجة أنها لا تحتمل الخطأ؛ لذا يتحول أي نقاش فكري معه من محاولة للوصول إلى الحقيقة إلى “معركة بقاء” شخصية، يستبسل فيها بالصراخ أو الشخصنة بدلاً من الحجة والبرهان.
4. الترديد دون معالجة (عقل الصدى)
لا يبتكر العقل الغبي أفكاره، بل يستوردها جاهزة، ثم يعيد إنتاجها بنبرة حادة. إنه يتعامل مع الشعارات والأفكار المتداولة كحقائق مبرمة دون أن تمر على خليه معالجة واحدة في عقله. تجده يحفظ الكليشيهات والعبارات الجاهزة ويرددها في كل مناسبة، لأنها تمنحه شعوراً زائفاً بالمعرفة دون بذل أي جهد ذهني.
5. الانفصال عن العواقب
أهم ما يميز السلوك الذهني للغباء هو العمى عن النتائج البعيدة. الذكاء يُعرّف بمدى قدرة المرء على التنبؤ بالأثر المترتد على الفعل قبل وقوعه. الغبي يفكر تحت تأثير اللحظة الحاضرة والدافع المباشر فقط؛ يقطع الشجرة ليحصل على ثمرة واحدة، دون أن يدرك أنه دمر المصدر المستقبلي للثمار.
إن الكارثة الكبرى في التعامل مع هذا النمط من التفكير لا تكمن في وجوده، بل في قوته التدميرية حين يُمنح سلطة أو مساحة للتأثير. فكما يقول الفيلسوف ديتريش بونهوفر: “الغباء عدوٌّ للخير أكثر خطورة بكثير من الشر؛ فالمرء يمكنه الاحتجاج ضد الشر أو كشفه أو منعه بالقوة، أما ضد الغباء فنحن أعزلون، ولا شيء ينفع معه لا الاحتجاجات ولا القوة.”
الذكاء هو القدرة على التعلّم والتكيف والمراجعة، أما الغباء النفسي فهو قرارٌ غير واعٍ بالإقامة الدائمة في سجن الذات المغلقة!
جميل مرتضى



إرسال التعليق