السلطة.. أو كيف تكون “شريراً محترماً” وتختار ألا تفعل!

هناء حلمي

يا هلا بكم في حصة الفلسفة الشعبية، حيث نأخذ الحكم المأثورة ونعصرها جيداً حتى تخرج لنا نقطة زيت ساخنة ومفيدة. اليوم سنقف طويلاً عند تلك المقولة الشهيرة التي يتبادلها الفلاسفة والمفكرون وعتاة الدراما العربية وهم يرتدون النظارات السوداء: “القدرة على إلحاق الأذى بالآخرين، والامتناع عن ذلك، هي جوهر الأخلاق الحقيقية”.

يا سلام! جملة فخمة، أليس كذلك؟ تليق جداً بأن تُكتب بماء الذهب على جدران الصالونات أو تُوضع في “برواز” أنيق فوق مكتب مدير يهددك بالرفد كل صباح وهو يبتسم.

لكن دعونا نترجم هذه الحكمة بلغة “أهل الأرض” و”عيال الديرة”، وبعيداً عن الفذلكة الفلسفية المعقدة. ماذا تعني هذه العبارة بالضبط؟

تعني بكل بساطة يا سادة أن الأخلاق لا تقاس بأولئك المساكين الذين لا يملكون من الحيلة شيئاً؛ فالشخص الذي يمشي بجانب الجدار، ولا يهش النملة، ولا يملك من السلاح سوى دعوة أم حنون، لا يُعد بالضرورة “قديساً متورداً في التقوى”. لماذا؟ لأنه ببساطة لو أراد أن يؤذيك، فلن يجد سوى أن يرميك بقطعة لبان مستعملة، أو يغضب منك فيقاطع “جروب الواتساب” الخاص بالعائلة! هذا ليس إنساناً مترفعاً عن الأذى، هذا إنسان “مفلس لوجستياً”.

الأخلاق الحقيقية، يا سادة، تبدأ تماماً من حيث تنتهي “أنيابك”.

تخيل معي أنك تمتلك الزر النووي، أو على الأقل تملك “السكرتير” الذي يملك دفتر أسرار الشركة، أو تملك القدرة الخارقة على تدمير نفسية أحدهم بجملة واحدة جارحة ومدروسة بعناية فائقة لأنك تعرف أين تؤلمه تماماً (تذكروا مقالنا عن خريطة الأرواح!). في تلك اللحظة بالذات، وأنت تقف على حافة الهاوية، وتستطيع أن تدفع أحدهم بـ “تكة زر” أو بكلمة خبيثة في توقيت قاتل.. ثم تقرر أن تكتفي بشرب كوب شاي بالنعناع وتتنهد قائلاً: “يالله، خليه يولي، ما تستاهلش أوسخ إيدي عشانه”.. هنا، وهنا فقط، تبدأ الأخلاق الحقيقية!

يعني باختصار: الأخلاق هي “قوة معطلة عن عمد”. هي أن يكون معك مسدس، وتعرف كيف تصوب، وتعرف أنك ستصيب الهدف في مقتل، ثم تضع المسدس في درج المكتب وتقرر أن تكتفي بمسامحته، ليس حباً فيه بالطبع، بل لأنك “شبعان” وعقلك أكبر من أن تنزل إلى مستنقع التفاهة.

لذا، في المرة القادمة التي يتبسم في وجهك شخص ضعيف الحيلة ويقول لك: “أنا طيب جداً ولم أؤذِ أحداً طوال حياتي”، انظر إليه بعين الشفقة وقل له: “يا عيني.. أنت لم تؤذِ أحداً لأنك لم تجد فرصة أصلاً، ولو سنحت لك الفرصة لفتحت ‘فرانشايز’ كامل للأذى!”.

أما الأقوياء فعلاً، من يملكون أوراق الضغط، واللسان السليط، والقدرة على الهدم.. ثم يختارون السلام والترفع.. فهؤلاء هم من تنحني لهم القبعات احتراماً، أو على الأقل.. نبتعد عن طريقهم ونحن نبتسم باحتراس شديد!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك