أسرار كتاب “شمس المعارف الكبرى”: بين الحقيقة الصوفية وأسطورة السحر المحرم
كريمة حسناوي
مقدمة: العتبة المخيفة لعالم الغموض
عندما يُذكر اسم العالم الجزائري أبي العباس أحمد بن علي البوني (المتوفى عام 622 هـ)، يتبادر إلى الذهن مباشرةً كتابه الأشهر والأكثر إثارة للجدل في التراث العربي الإسلامي: “شمس المعارف الكبرى، ولطائف العوارف”. هذا الكتاب لم يكن مجرد مؤلف عادي، بل تحول عبر القرون إلى أسطورة حقيقية حيرت العقول، وأثارت الخوف والفضول في آن واحد. فبين من يعتبره كنزاً من كنوز العرفان والفلسفة الباطنية، ومن يراه باباً موصداً نحو السحر والشعوذة، تظل أسرار هذا الكتاب معلقة بين الحقيقة والتحريف.
1. محتوى الكتاب: ما الذي يخفيه “شمس المعارف” حقاً؟
ينقسم الكتاب في أصله إلى أجزاء وفصول تبدو للوهلة الأولى مزيجاً شديد التعقيد من العلوم المختلفة:
- علم الحرف والرمز: يعتمد الكتاب بشكل أساسي على ما يُعرف بـ “علم الحرف” (أو الجفر)، حيث ينظر البوني إلى الحروف العربية وكأنها كائنات حيّة أو ترددات كونية تحمل أسرار الخلق الإلهي وأسماء الله الحسنى.
- الأوفاق والجداول الرياضية: يزخر الكتاب بالعديد من المربعات والدوائر الهندسية المملوءة بالأرقام والحروف المتقطعة، والتي تُعرف بـ “الأوفاق”. وهي في جوهرها مصفوفات رياضية معقدة تعتمد على الحساب وقواعد التناظر العددي.
- الأذكار والرياضيات الروحية: يتضمن الكتاب أوردة وأدعية وآيات قرآنية مشفوعة بتوجيهات حول كيفية رياضات النفس والصيام والخللوة للوصول إلى الصفاء الروحي، بحسب المنظور الصوفي المتقدم.
2. السر الأكبر: التحريف التاريخي وتشويه النص الأصلي
تؤكد الدراسات الأكاديمية والتحقيقية الحديثة للمخطوطات أن النسخ المتداولة اليوم من “شمس المعارف الكبرى” في الأسواق أو عبر الإنترنت لا تعكس بالضرورة الفكر الحقيقي النقي لأحمد البوني:
- الإضافات والدسائس: على مدى قرون طويلة، قام بعض النساخ والدجالين والمهتمين بالغيبيات بإضافة طلاسم مجهولة، ووصفات سحرية محرمة، ونصوص غريبة إلى المتن الأصلي للكتاب ونسبوها تعسفاً للبوني لاستغلال شهرته.
- من العرفان إلى السحر: بينما كان البوني ينظر إلى هذه العلوم من زاوية “الفلسفة الإشراقية” والرياضيات الروحية البحتة، تم تحويل الكتاب في الوعي الشعبي إلى دليل لتعلم السحر واستحضار الجن والشياطين، مما أدى إلى تحذير علماء الشريعة الشديد من تداوله.
3. لماذا أثار الكتاب كل هذا الرعب والحيرة؟
- الغموض اللغوي والرمزي: استخدم البوني رموزاً وشفرات رياضية ولغوية لا يفهمها القارئ العادي، مما خلق هالة من الخوف والرهبة لدى العامة الذين ربطوا كل ما هو مجهول بالسحر الأسود.
- الوقوف على خط الفاصل: يقف الكتاب على حافة دقيقة جداً تفصل بين “التأمل الرمزي في كلام الله” (وهو مباح ومحمود في التصوف) وبين “الدعاء لغير الله أو استخدام الطلاسم المبهمة” (وهو محرم شرعاً)، وهذا التداخل هو ما أوقع الكثيرين في الحيرة والجدل.
خاتمة
يظل كتاب “شمس المعارف الكبرى” ظاهرة فريدة في تاريخ الفكر البشري؛ عملاً فكرياً غامضاً انطلق من عقل عالم عبقري من مدينة عنابة الجزائرية، ليتلاعب به الزمن وتتحول صفحاته إلى ساحة صراع كبرى بين الحكمة الصوفية النورانية، وأساطير السحر والشعوذة المظلمة.


إرسال التعليق