مذكرات ضابط شرطة في الريف .. الحلقة الاخيرة

جميل مرتضى

بعد انتهاء تحقيقات ملابسات شحنة الشاطئ وتسليم المهربين إلى النيابة العسكرية في طرابلس، حانت لحظة الوداع الحقيقية. أُصلح الطريق الساحلي، وجاءت الحافلة العسكرية الخاصة لنقلي أخيراً إلى العاصمة بيروت.

في ساحة “عين التوت”، لم يكن الوداع هذه المرة كسابقه؛ إذ أصرّ أهالي القرية جميعاً على مرافقتي حتى محطة قطار “المنية” الساحلية. سار الجمع في موكبٍ مهيب تقدمه المختار “أبو أسعد” وشيوخ الضيعة وشبابها.

عند رصيف المحطة، كان صفير القطار الحديدي يختلط بصوت أمواج البحر. وقفتُ ببزتي العسكرية الأنيقة، أراجع بصرس خاطف كل محطة قضيتها في هذه الناحية: جريمة الشيخ عبد القادر، مغارة الأسلحة، أعدال الطحين الملغومة بالسموم، والوثائق السرية التي هزت كراسي النافذين.

تقدم المختار أبا أسعد، ومسك يدي بكليتا يديه وقال بنبرة دافئة: — “يا توفيق يا بني.. عندما أتيت إلينا أول مرة، ظننتك مجرد موظف يُنفذ أوامر بيروت. واليوم ترحل منا وأنت أخٌ وأبنٌ لهذه الجبال. اعلم أن اسمك سيُحكى في مجالس المضافة كما تُحكى قصص فرسان الزمان.”

أما “خليل”، فتقدم وهو يرتدي بزة الدرك الرسمية بنظافة وفخر، وقدم لي التحية العسكرية ثم قال: — “أعدك يا حضرة الضابط أن أكون الحارس الأمين لكل ما علمتني إياه.. لن يدخل الظلم هذه القرى ما دمنا نتنفس.”

احتضنتُ الجميع، والدموع تتراكم في عيون الرجال الصلاب الذين لا تبكيهم خطوب الزمان.

صعدتُ درج القطار المتجه جنوباً نحو بيروت. جلستُ بجانب النافذة، وضعتُ حقيبتي الجلدية على ركبتي، وأخرجتُ منها الدفتر الأخير. فتحت الصفحة الأخيرة، ومع دوران عجلة القطار على السكة الحديدية، كتبتُ بختام الحبر:

“أتركُ الريف اليوم، والقطار يطوي بنا المسافات نحو عاصمةٍ تستعد لرفع علم استقلالها الأول. أخرجُ مرفوع الرأس، لا لأنني حللتُ الجرائم وكشفتُ المهربين فحسب، بل لأنني تركتُ خلفي قريةً آمنت بأن القانون ليس سيفاً مسلطاً على الفقراء، بل هو الدرع الذي يحميهم. وإذا كانت سني المئة القادمة ستبني هذا الوطن، فإن حجر زاويته سينغرس حتماً في ضمير رجل الشرطة الذي لا يُباع ولا يُشترى.”

أغلقتُ الدفتر، ووضعتُ القلم في جيب بزتي، ونظرتُ عبر زجاج النافذة إلى جبال الضنية وهي تتوارى رويداً رويداً خلف الضباب… بانتظار الفجر الجديد.

(تمت السلسلة بنجاح)

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك