اخر الاخبار

دَعني أُصلح لك ما أفسدته في نفسِك.. دَعني أُحب أكثر الأماكن فيك خرابًا

في زحام هذا العالم، غالباً ما نبحث عن أشخاص يشاركوننا تمامنا، يصفّقون لنجاحاتنا، ويقفون على ضفاف أرواحنا المزهرة وحدها. نخشى العتمة التي فينا، ونخفي الندوب خلف أثواب زاهية، ظنّاً منا أن أحدًا لا يمكنه أن يتقبل قاع بئرنا المظلم. لكن، بين الحين والآخر، يظهر شخصٌ استثنائي يمتلك شجاعة مختلفة؛ شخصٌ لا يهرب من الخراب، بل يمدّ يديه إليه قائلاً بيقينٍ دافئ: “دَعني أُصلح لك ما أفسدته أنت في نفسِك، دَعني أُحب أكثر الأماكن فيك خرابًا”.

أولاً: أين تبدأ معركة الإصلاح الذاتي؟

الإنسان بطبيعته أقسى قاضٍ على نفسه. نحن نجلد ذواتنا على تعثرات الماضي، ونحاسب أنفسنا على خيبات لم تكن بإرادتنا، فنترك أعماقنا ساحة حربٍ طاحنة بين ما نملكه من هشاشة، وما تفرضه الحياة من قسوة. وحين نتولى بأنفسنا مهمة هدم ما تبقى منا، نظن أننا نؤدب أرواحنا، بينما نحن في الحقيقة نزيد الطين بلّة.

لذلك، فإن أعظم هدايا الوجود لا تأتي على شكل كلمات مواساة عابرة، بل على شكل يدٍ حانية تتطوع لمشاركتك حمل ثقلٍ أهلكك. حين يأتي من يرفض أن يحاسبك على أخطائك القديمة، ويقرر بحبٍ جارف أن يرمم معك ما شروخات الأيام، فإنك تشعر لأول مرة أنك لست وحدك في مواجهة عواصفك الداخلية.

ثانياً: جمال الخراب.. حين يُحب المحب الندوب لا الوجه وحده

العالم بأسره يحب الوجوه المضيئة والقلوب الخالية من الشوائب؛ لكن الحب الحقيقي، ذاك النقي الصادق، له مقياس آخر مختلف تماماً. إنه لا ينجذب فقط نحو الجانب المشرق منك، بل يلتفت كلياً نحو الزوايا التي غادرها النور.

  • القبلة على الندوب: المحب الحقيقي لا يخاف من مخاوفك، ولا يشمئز من أخطائك، بل يرى في ندوبك القديمة خريطة لمعاركك التي خضتها ببطولة صامتة.
  • الترميم بالدفء: الأماكن الخراب في النفس ليست بحاجة إلى أحكامٍ قاسية، بل بحاجة إلى من يجلس معك في عتمتها دون أن يطالبك بإشعال الأنوار فوراً.

حين يقول لك أحدهم: “أنا أُحب أكثر الأماكن فيك خرابًا”، فكأنه يخبرك أن هواجسك، وتناقضاتك، وهلعك الداخلي، وحتى تلك الأجزاء التي تظنها قبيحة ولا تستحق الحب.. كلها بالنسبة له موطنٌ مألوف ومحبب.

ثالثاً: الشجاعة في الاستسلام للترميم

أصعب ما في الأمر، ليس وجود من يريد إصلاحك، بل قدرتك أنت على السماح له بذلك. فمن اعتاد حراسة خرابه طويلاً، قد يخشى النور إذا تسلل فجأة. يساورنا الشك دائماً: “كيف يمكن لأحد أن يحب ما لا أطيقه في نفسي؟”

غير أن الاستسلام لهذه العاطفة النبيلة ليس ضعفاً، بل هو طريق الشفاء. أن تترك يدك المرتجفة في يدٍ أخرى تؤمن بك، أن تتوقف عن الاعتذار عن هشاشتك، وأن تسمح للحب أن يعيد ترتيب الفوضى التي صنعها الزمن داخل صدرك.

في النهاية، نحن جميعاً مجموعة من الشظايا والمحاولات المتعثرة للنجاة. الحياة لا تتركنا سالمين، لكنها تعوضنا حين تقذف في طريقنا بقلوبٍ تعرف كيف تطبب الجراح بصمت.

فلتكن هذه الكلمات نافذة أملٍ لكل من ظن أن خرابه أبدي: سيأتي اليوم الذي يجرؤ فيه أحدهل على حبك كما أنت، بعتمتك وندوبك، ليقول لك بصدق العارفين: “لا تحزن من هدم ما بناه الآخرون فيك، دَعني أُصلح لك ما أفسدته أنت في نفسك.. دَعني أُحب أكثر الأماكن فيك خرابًا، فهناك بالتحديد تبدأ قصتنا الحقيقية”.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك