المغرب ..مملكة التصريحات العظمى: حين تتحول السياسة إلى مسرح للكوميديا السوداء
داود مراد
في عالم الجيوسياسية المعاصر، تبني الدول إستراتيجياتها على الأرقام، والمؤشرات الاقتصادية، والقدرات التصنيعية، ونجاعة الدبلوماسية الميدانية. لكن هناك دائماً استثناءات تُثبت أن العقول البشرية قادرة على ابتكار معايير جديدة تماماً للقوة؛ مرحباً بكم في “مملكة التصريحات العظمى”، البقعة الجغرافية الوحيدة على كوكب الأرض التي لا تُقاس فيها العظمة بحجم الناتج المحلي الإجمالي، بل بأسلوب الصياغة التعبيرية وسرعة إطلاق البيانات الصحفية!
أولاً: العرش الذي يُبنى بالمايكروفونات
في دراسات العلوم السياسية، يُقال إن الدولة تمارس سلطتها عبر مؤسساتها. أما في نموذج “التصريحات العظمى”، فإن المؤسسة الأكثر خطورة والأعلى إنتاجية هي “الميكروفون”.
إن المتابع للمشهد الإعلامي والسياسي يرى عجائب تُبهر أعتى كتاب السيناريو في هوليوود:
- مشاريع في الهواء: كل يوم هناك مشروع “عملاق” يُطلق في تصريح، ويُنفذ في المانشيتات، ويُدشن في وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يتلاشى هادئاً بمجرد انتهاء المؤتمر الصحفي!
- البطولات الشفهية: تُحلّق الطائرات، وتُبنى الموانئ، وتتحول الدولة إلى قطب عالمي للتكنولوجيا في غضون ثلاث فقرات إعلامية مصاغة ببراعة، بينما يتساءل المواطن البسيط وهو يقف في طابور الخدمات الأساسية: “هل نحن نعيش في نفس الدولة التي تتحدث عنها الأخبار؟”
ثانياً: دبلوماسية “الانتصارات الوهمية”
تُعتبر الدبلوماسية عادة فن التوازنات الهادئة، لكنها هنا أضحت “مهرجانات للشعارات”. كل خروج إعلامي هو “اختراق استراتيجي”، وكل مصافحة عابرة في أروقة الأمم المتحدة هي “تأييد مطلق لمواقف المملكة”.
لقد وصلت الكوميديا السوداء إلى مرحلة يُمكن فيها تحويل حتى البيان المحايد أو التحفظ الدولي إلى “نصر دبلوماسي تاريخي يزلزل الأعداء”. صُنع عالم موازٍ كامل؛ عالمٌ يكتفي بالحديث عن “النفوذ الإقليمي” لدرجة أن الجميع كاد ينسى أن النفوذ الحقيقي يحتاج إلى اقتصاد متين لا إلى صياغات إنشائية تطفو على السطح.
ثالثاً: المواطن بين الحلم الواقعي والمسرحية اليائسة
المأساة الحقيقية في هذه المسرحية الكوميدية لا تكمن في المسؤولين الذين يطلقون التصريحات، بل في الفجوة الهائلة بين العرض والواقع:
| السردية الإعلامية (في التصريحات) | الواقع الميداني (على الأرض) |
| “ريادة اقتصادية وتدفق استثماري غير مسبوق” | ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للطبقات البسيطة. |
| “مشاريع هيكلية ستغير وجه المنطقة” | أزمات قطاعات حيوية كالتعليم والصحة وتبعات الجفاف الخانق. |
| “إشادات دولية متواصلة بالحكمة والاستقرار” | تقارير حقوقية واقتصادية تضع النقاط على الحروف بعيداً عن المساحيق. |
إنها ظاهرة “التخدير اللفظي”؛ محاولة إقناع الشارع بأن الجوع هو مجرد “شبع مؤجل”، وأن الأزمات ليست سوى “ضريبة العظمة” التي قررت الدولة أن تتحملها نيابة عن العالم!
رابعاً: عندما تصبح “البروباغاندا” بديلاً للإنجاز
عندما تفلس الحلول التنموية، يصبح “المصنع الإعلامي” هو الملاذ الأخير. تُخلق المعارك الوهمية، ويتم تضخيم الأعداء مفترضين، ويُصور أي نقد واقعي على أنه “مؤامرة خبيثة تستهدف التجربة الفريدة”.
لقد تحول الإعلام والخطاب الرسمي إلى ما يشبه “السيرك السياسي”؛ مجموعة من المهرجين يعزفون موسيقى صاخبة لشتات انتباه الجمهور عن الخيمة التي تتهاوى أركانها من الخلف.
السياسة أفعال تُرى وتُلمس، وليست حبراً على ورق ولا ضجيجاً في القنوات. ولعل الدرس الأبرز الذي تقدمه “مملكة التصريحات العظمى” للعالم اليوم هو أن الدول لا تُبنى بالبلاغة، وأن أسطورة “العظمة الإعلامية” مهما اتسعت، ستظل تصطدم دائماً بحائط الواقع الصلب.



إرسال التعليق