السلام الحقيقي يبدأ عندما تتوقف عن حمل ما لم يعد لك
السلام الحقيقي يبدأ عندما تتوقف عن حمل ما لم يعد لك
اسيا ايت عامر
نصل في مرحلة ما من الحياة إلى نقطة أفق غائمة؛ حيث يثقل كاهلنا بعبء لا نعرف مصدره بدقة. نجرّ أقدامنا ونحن نبتسم للعابرين، ونؤدي واجبتنا اليومية بأناقة كاملة، لكننا نسير بظهر منحني وروحي مجهدة. وحين نجلس مع أنفسنا في خلوة صادقة لنفتش في أغوار هذا الإنهاك الخفي، نكتشف حقيقة مدهشة وموجعة في آنٍ واحد: نحن لا نتعب بسبب ما نحمله اليوم، بل بسبب ما نرفض إفلاته من الأمس.
إن القوة في مفهومها الشائع غالباً ما تُختزل في القدرة على الصمود، والتحمل، وإبقاء القبضة مشدودة على الأشياء حتى النهاية. يُعلمنا العالم أن التخلي ضعف، وأن كف اليد عن المطاردة هزيمة. فنقضي سنوات من عمرنا ونحن نحمل ذكرياتٍ انتهت صلاحيتها، وعلاقاتٍ أصبحت أطلالاً، وأحلاماً قديمة لم تعد تشبهنا، وأدواراً جرحتنا حتى استنزفت آخر قطرة من بهجتنا.
غير أن الحقيقة الأكثر عمقاً تقول: إن السلام الحقيقي يبدأ عندما تتوقف عن حمل ما لم يعد لك.
إن امتلاك الشجاعة لإفلات القبضة ليس استسلاماً، بل هو أعلى درجات الوعي والنضج. أن تنظر إلى الأشياء التي استهلكت روحك وتقول لها بلطف: “شكراً لما علمتموني إياه، ولكن مساحتكم في صدري قد انتهت”. أن تستوعب أن بعض الحكايات كُتبت لتكون فصولاً عابرة لا كتاباً كاملاً، وأن بعض الأشخاص كانوا محطات لنفهم ذواتنا، لا رفقاء درب إلى الأبد.
الخوف من الفراغ هو ما يجعلنا نتشبث بقسوة بما يؤذينا؛ نخشى أن نُسقط الأثقال القاسية فلا نجد ما نملأ به أيدينا. لكننا ننسى أن اليد الممتلئة بالماضي لا يمكنها أبداً أن تتلقى هدايا الحاضر، وأن الروح الخانقة بركام ما مضى لا تترك منافذ جديدة للنور كي يتسلل إليها.
السلام ليس حالة نصل إليها بالسيطرة على العالم من حولنا، بل هو ذلك التحرر الداخلي الخفيف الذي يحدث حين نلقي بأحمال الآخرين، وتوقعاتهم، وعثرات الماضي التي لم تعد تعنينا.
حين تقرر أخيراً ألا تكون سلة مهملات لخيبات قديمة، وألا تحمل ذنوباً لم ترتكبها، وألا تطارد مكاناً لم يعد يتسع لك.. حينها فقط، ستتنفس بعمق للمرة الأولى منذ زمن طويل، وتدرك أن حريتك الحقيقية لم تكن أبداً في الانتصار، بل كانت دائماً في القدرة على التخلي.



إرسال التعليق