عرش الزجاج ومفارقات التنمية …سياسات القصر في إدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب
داود مراد
في الوقت الذي تتباهى فيه التقارير الرسمية وخطب القصر الملكي بالمغرب بإنجازات كبرى تلامس حدود الحداثة الاستعراضية، من قطارات فائقة السرعة وملاعب عالمية إلى أقطاب صناعية في السيارات والطاقة النظيفة، يكشف الواقع المعيشي الميداني عن صورة مغايرة تماماً. إنها مفارقة صارخة بين “مغرب الواجهات البراقة” الذي يُصممه المهندسون والمستشارون في ردهات القصر، و”مغرب القاع والهشاشة” الذي يرزح تحت وطأة الجفاف، الغلاء، واتساع رقعة الفقر.
وحين تُطرح أسئلة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة في المغرب، يصبح لزاماً توجيه بوصلة النقد مباشرة نحو جوهر السلطة الفعلية وصانع القرار الأول: السياسات الملكية التي تحتكر توجيه الاقتصاد وتسيير مفاصل الدولة الاستراتيجية. فإلى أي مدى تعكس هذه السياسات قصوراً بنيوياً في إدارة الثروة وتوزيعها؟
1. اقتصاد الواجهات الملكية: مشاريع عملاقة لشعب يئن تحت خط الفقر
تعتمد العقيدة الاقتصادية للمؤسسة الملكية في المغرب على استراتيجية “التلميع البصري” من خلال التركيز المفرط على المشاريع الكبرى الواجهة؛ كالموانئ الضخمة، والقطار السريع (البراق)، ومشاريع الطاقات المتجددة الهائلة.
لكن النقد الأساسي الموجه لهذه السياسات يكمن في غياب الأثر التنموي المباشر على المواطن البسيط. فبينما تُضخ مليارات الدولارات في بنى تحتية تستهدف استقطاب رأس المال الأجنبي وتلميع صورة النظام في المحافل الدولية، تفتقر أبسط القرى والمدن الهامشية إلى شبكات الماء الصالح للشرب، والمستشفيات المؤهلة، ومدارس تقي الأطفال برد الشتاء ووهج الصيف. إنها سياسة تنموية “من القمة إلى القاعدة” تفصل تماماً بين اقتصاد القصور واقتصاد البطون الخاوية.
2. احتكار الثروة وتداخل السلطة بالمال
لا يمكن الحديث عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في المغرب بمعزل عن الهيمنة المطلقة للمؤسسة الملكية على الحقل الاقتصادي عبر هولدينغات كبرى (مثل مجموعة المدى وغيرها)، والتي تسيطر على قطاعات حيوية حساسة: كالمال والأبناك، التأمين، التوزيع، الطاقات، والاتصالات.
هذا التداخل المُميت بين السلطة السياسية المطلقة والنفوذ الاقتصادي الجبار ينتج عنه بيئة طاردة للمنافسة الحرة، حيث يُقصى رأس المال الوطني المستقل، وتُخنق المبادرة الفردية للمقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشكل عصب الاقتصاد الحقيقي. وبدلاً من أن تُوظف الدولة إمكانياتها لتحقيق عدالة جبائية وتوزيع عادل للثروة، تُكرس السياسات الملكية اقتصاد الريع والامتيازات لفئة ضيقة مقربة من دوائر القرار، بينما يُترك المواطن العادي يواجه مصيره أمام طاحونة الغلاء وتضخم الأسعار.
3. فشل السياسات الفلاحية: استنزاف الثروة المائية لصالح التصدير
يُعد قطاع الفضة المائية والفلاحية في عهد السياسات الملكية المتعاقبة نموذجاً صارخاً لسوء التدبير الاستراتيجي. فعلى مدار عقود، استنزفت “مخططات المغرب الأخضر” وما تبعها من استراتيجيات، الفرشة المائية للبلاد ومواردها النادرة لدعم الزراعات التصديرية الكبرى الموجهة للأسواق الأوروبية (كالطماطم والفواكه الحمراء والبطيخ)، والتي تستهلك كميات خيالية من الماء.
النتيجة اليوم كارثية بكل المقاييس؛ أزمة عطش تضرب مناطق واسعة، تراجع خطير في حقينة السدود، وتدمير ممنهج لصغار الفلاحين الذين وجدوا أنفسهم عاطلين ومُهجرين قسرياً بفعل الجفاف وغياب الدعم الحقيقي، مما غذى موجات النزوح الريفي نحو أحزمة القصدير حول المدن الكبرى، وأفرز “فقراً مدنياً” جديداً يعجز القصر عن إيجاد حلول حقيقية له سوى مسكنات الإحسان والدعم الظرفي المباشر.
4. دموع البرامج الاجتماعية.. ريع الإحسان بدل دولة المؤسسات
أمام تفاقم الاحتقان الاجتماعي واتساع الهوة الطبقية، لجأت المؤسسة الملكية إلى إطلاق ما يُسمى بأوراش الحماية الاجتماعية والدعم المباشر للأسر الهشة. غير أن النظرة النقدية لهذه البرامج تكشف أنها غالباً ما تُوظف كأدوات لـ “إطفاء الحرائق الاجتماعية واحتواء الغضب الشعبي”، لا كإصلاحات هيكلية حقيقية.
فالاستثمار في الإنسان عبر التعليم العمومي الجيد والصحة المجانية تم تهميشه لصالح استراتيجيات تعتمد على الإحسان المؤسساتي والدعم المتقطع. هذا النهج لا ينتج مواطناً كاملاً الحقوق والواجبات، بل يُبقي قطاعات واسعة من الشعب رهينةً لمزاجية المساعدات ومنطق “المنة”، وهو ما يكرس الاستبداد الاقتصادي والسياسي تحت غطاء الرعاية الأبوية للملك.
خلاصة
إن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المغرب اليوم ليست مجرد نتاج لعوامل مناخية خارجية أو أزمات دولية، بل هي أزمة خيارات سياسية واقتصادية مركزية يرسمها القصر ويهيمن عليها. إن استمرار سياسة الواجهات البراقة، واحتكار الثروة، وتهميش العدالة الاجتماعية، يعمق الشقاق بين الدولة والمجتمع. ولن يخرج المغرب من نفق أزماته الهيكلية إلا بتحول ديمقراطي حقيقي يفصل بين السلطة والمال، ويضع الثروة ومقدرات الوطن في خدمَة الشعب لا في خدمة استعراضات العرش.



إرسال التعليق