ساحر كرة القدم الحديثة: لماذا يقف جود بيلينغهام في منطقة لا يجرؤ أحد على دخولها؟
ستيفن باول
منذ أن أوجد اللعبةَ أربابُها الأولى، والتاريخُ الكروي يقتات على المقارنات؛ نكتفي بوضع كل موهبة صاعدة في خانة سلفها، ونختزل الصراعات الفردية في أطر الثنائيات الجاهزة لتغذية النقاشات الشارع. غير أن الحالة الاستثنائية التي فرضها الإنجليزي جود بيلينغهام تتجاوز هذه اللعبة السطحية برمتها. مقارنة بيلينغهام بأي لاعب آخر في عالمنا المعاصر هي مقارنة غير مقبولة تكتيكياً وفنياً؛ فنحن لسنا أمام مجرد لاعب موهوب، بل أمام حزمة إمكانيات جبارة لا مثيل لها في مجرة كرة القدم.
إن محاولة تشريح بيلينغهام تفرض عليك الإقرار بحقيقة ساطعة: الرجل يعيد تعريف مفهوم “اللاعب الشامل” بطريقة جعلت كل أدبيات خط الوسط السابقة تبدو ناقصة.
1. الشمولية العابرة للخطوط: صانعٌ وهداف في جسد عملاق
كيف يمكنك تصنيف لاعب يمتلك رؤية صانع ألعاب من الطراز الرفيع، ويحمل في الوقت ذاته أنياب هداف صريح يتواجد في المكان المناسب داخل منطقة الجزاء ليحسم المباريات المعقدة؟
بيلينغهام ليس مجرد رقم في عملية صناعة اللعب أو بناء الهجمات؛ إنه مهندس الفضاءات. يمتلك حساً كروياً وذكاءً فريداً يجعله يسبق المنافسين بثانية ذهنية كاملة؛ يحمل الكرة تحت أعتى أشكال الضغط، ينطلق بها بمرونة وسرعة خارقتين، ويربط الخطوط الثلاثة بنسيج سلس يستحيل على أعتى المنظومات الدفاعية قراءته أو الحد منه.
2. السحر الممزوج بالافتراس البدني
غالباً ما ارتبط سحر كرة القدم وحلولها العبقرية باللاعبين الأقل احتكاكاً أو الأكثر هروباً من الصراعات البدنية. لكن بيلينغهام هدم هذه القاعدة برمتها؛ فهو يجمع بين رقص المراوغ الساحر وشراسة المحارب في الثنائيات.
هو لا يكتفي بالاستعراض المبتذل؛ بل يقدم تضحيات بدنية مذهلة في كل دقيقة من تسعين دقيقة. يفتن المتابعين بمراوغاته اللطيفة وقدرته على تجاوز الخصوم في المساحات الضيقة، ثم ينقلب فوراً إلى كاسحة في التغطية الدفاعية، افتراس الكرات الثانية، وتغطية المساحات الفارغة بوعي تكتيكي يفوق سنّه بسنوات طويلة.
3. قائد الروح ومحرك المنظومة
السحر عند بيلينغهام لا يكمن فقط في قدميه، بل ينبع من شخصيته والقيادية الفريدة. في أصعب الأوقات وأكثر المباريات تعقيداً، يظهر جود بصفته الصخرة التي تتكئ عليها المنظومة؛ يطلب الكرة، يتحمل مسؤولية الخروج بها، ويمنح الفريق بأسره الشجاعة والثقة للتقدم.
إن قدرته على تقديم العمل الدفاعي المظلم بالتوازي مع تقديم الحلول الهجومية الخارقة تجعل منه منظومة قائمة بذاتها، لاعباً يصعب نسخه، ويستحيل استبداله، ويكاد يكون من الإجحاف وضع اسمه في جملة واحدة مع أي اسم آخر على الساحة الكروية الحالية.
هو لاعب واحد.. ساحر واحد.. ظاهرة تكتيكية وبدنية تُدعى جود بيلينغهام؛ كائنٌ كروي كُتب ليكون بوصلة اللعبة في عقدها الجديد، وشاهداً على أن السحر الحقيقي هو ذاك الذي يمتزج بالقتالية والعرق حتى الرمق الأخير.


إرسال التعليق