كيف يظهر الطاغية و كيف يخضع البشر للسيطرة

لبيد

إن دراسة تحول الشخصية بعد تولي مناصب السلطة والنفوذ هي واحدة من أكثر المواضيع ثراءً في مجالات علم النفس، علم الاجتماع، والعلوم السياسية. وتُجمع هذه العلوم على أن السلطة ليست مجرد أداة إدارية، بل هي عامل “مُغيّر بيولوجي ونفسي” يؤثر عميقاً في سلوك الإنسان، وهو ما يُعرف في الأدبيات السياسية والنفسية بـ “سيكولوجية السلطة”.


1. المنظور النفسي: متلازمة الغطرسة وتغير الدماغ

من الناحية النفسية، يمر صاحب المنصب بتغيرات معرفية وسلوكية حادة تُفسرها نظريات شهيرة:

  • متلازمة الغطرسة (Hubris Syndrome): صاغ هذا المصطلح الطبيب والسياسي البريطاني “ديفيد أوين”. وهي اضطراب نفسي مكتسب يصيب الأشخاص الذين يمارسون السلطة لفترة طويلة دون قيود. من أعراضها: الثقة المفرطة بالنفس، احتقار آراء الآخرين، فقدان الرابط بالواقع، والاعتقاد بأنهم غير محاسبين أمام البشر بل أمام “التاريخ أو القوة الإلهية”.
  • العمى التعاطفي (Empathy Blindness): تظهر الأبحاث النفسية (مثل تجارب عالم النفس دافيد كيتنر) أن السلطة تقلل من قدرة الشخص على التعاطف. عندما يصعد الفرد في الهرم الوظيفي، يقل نشاط “الخلايا العصبية المرآتية” في دماغه، وهي الخلايا المسؤولة عن فهم مشاعر الآخرين. يرى المسؤول مرؤوسيه كـ “أدوات” أو أرقام لتحقيق الأهداف، وليس كبشر بمشاعر واحتياجات.
  • تأثير الجاذبية المعرفية (Cognitive Dissonance): يميل صاحب المنصب إلى إحاطة نفسه بـ “المصفقين” (Yes-men). وبمرور الوقت، يتوقف عن استقبال أي نقد، ويعتبر أي رأي مخالف مؤامرة شخصية أو جهلاً، مما يخلق لديه وهماً بالكمال المطلق.

2. المنظور الاجتماعي: العزلة الطبقية وهيبة الكرسي

يدرس علم الاجتماع كيف تعيد البيئة المحيطة بصاحب المنصب تشكيل هويته وعلاقته بالمجتمع:

  • العزلة الاجتماعية: بمجرد تولى المنصب، يتغير المحيط الاجتماعي للفرد. يبتعد عن أصدقائه القدامى وعن طبقات الشعب البسيطة، ويعيش في “فقاعة عاجية” تتكون من النخب والمصالح المتبادلة. هذه العزلة تجعله يجهل الواقع الحقيقي للمجتمع ويقيس الأمور بناءً على محيطه الجديد.
  • نظرية الدور الاجتماعي: يفرض “الكرسي” أو “المنصب” طقوساً معينة (بروتوكولات، حراسة، تبجيل، ألقاب). بمرور الوقت، يندمج الفرد تماماً في “الدور” المكتوب له، ويشعر أن هذه الامتيازات هي حق طبيعي لشخصيته الفذة وليست مجرد ميزات مؤقتة مرتبطة بالوظيفة.
  • تأثير تجربة سجن ستانفورد (تأثير لوسيفر): أثبتت هذه التجربة الاجتماعية الشهيرة لعالم النفس فيليب زيمباردو أن وضع أشخاص أسوياء في مراكز سلطة مطلقة (دور حراس السجن) يخرج أسوأ ما في الطبيعة البشرية، حيث يتحولون تلقائياً إلى ساديين ومستبدين لمجرد أن النظام يمنحهم القوة والتحكم في الآخرين.

3. المنظور السياسي: غياب المحاسبة وحتمية البقاء

في العلوم السياسية، يُنظر إلى الاستبداد كـ “سلوك عقلاني” لحماية المكاسب والمحافظة على البقاء السياسي:

  • قانون روبرت ميشيلز الحديدي للأوليغارشية: يرى هذا القانون أن أي منظمة أو دولة (حتى لو كانت ديمقراطية في البداية) ستتحول حتماً إلى حكم الأقلية (الأوليغارشية). القادة في الأعلى يطورون مصالح خاصة ببقائهم في السلطة تختلف تماماً عن مصالح القواعد التي انتخبتهم، ويصبح همهم الأول هو تخليد أنفسهم في المنصب.
  • غياب المؤسساتية والرقابة: المستبد لا يولد مستبداً، بل يصنعه “الفراغ الرقابي”. عندما يكتشف صاحب المنصب أن القوانين مطاطة، وأن آليات المحاسبة غائبة، وأن البرلمان أو الهيئات الرقابية ضعيفة، يتوسع نفوذه بشكل طبيعي ليملأ هذا الفراغ حتى يصل إلى الديكتاتورية.
  • إستراتيجية الخوف والمؤامرة: للحفاظ على منصبه، يبدأ السياسي في تبني سردية “المهدي المنتظر” أو “المنقذ الوحيد”. يقنع نفسه والمحيطين به بأن رحيله يعني الفوضى أو انهيار المؤسسة/الدولة، وبالتالي يصبح قمع المعارضين في نظره “واجباً وطنياً ومقدساً” لحماية الكيان العام.

إن السلطة مادة شديدة السمية للنفس البشرية؛ فهي تغير كيمياء الدماغ، وتعمي البصيرة الاجتماعية، وتغري السياسي بالخلود. لذلك، لم تنجح المجتمعات الإنسانية في كبح جماح هذا التحول إلا من خلال صياغة دستور وقوانين صارمة تُقدس “التداول السلمي على السلطة” و**”الفصل بين السلطات”** و**”تحديد المدد الزمنية للمناصب”**، فكما قال الفيلسوف الإنجليزي لورد أكتون: “السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة”.

إرسال التعليق