الأمراض الخفية التي تسكن بيننا

رشيد مصباح (فوزي)

*

نحن نتعامل مع أفراد المجتمع على أساس أنهم أصحّاء عقليًا ونفسيًا وروحيًا، لكننا لم نفكّر يومًا في أن بعضنا، وربما كثيرًا منا، يعاني أمراضًا خفية، نفسية كانت أم عضوية، لها تأثير عميق في الوعي الباطني وفي طريقة التفكير والسلوك. ويمكن ملاحظة ذلك خصوصًا عندما نصطدم ببعض ردود الأفعال التي تبدو لنا أحيانًا غير مفهومة أو مبالغًا فيها.

المشكلة أننا، كشعوب تنتمي إلى ما يسمى بالعالم الثالث، وتحت وطأة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نعيشها، لا نلتفت كثيرًا إلى هذه الأمور رغم أهميتها وخطورتها على حياتنا وعلاقاتنا. فكثير من المشاكل التي تنشأ بيننا قد يكون سببها الحقيقي أننا لا نحاول فهم الطرف الآخر، ولا نتساءل عمّا يمكن أن يكون وراء سلوكه.

لقد فرض علينا العصر نمط حياة ماديًا سريعًا، يتّسم بالعجلة والانشغال الدائم، حتى أهملنا في المقابل جوانبنا النفسية والروحية. لم يعد لدينا الوقت الكافي كي نتوقّف قليلًا ونلتفت إلى أنفسنا، مع أن أنفسنا، قبل أي شيء آخر، في حاجة إلى هذا الاهتمام. ولا يكاد أحد يكون في منأى عن هذا التماهي مع إيقاع العصر.

هناك أمراض خفية نعاني منها في صمت. كثيرون يحملون عقدًا نفسية لا يستطيعون البوح بها، وبعض الكهول وحتى الشيوخ قد يعيشون ما يشبه مراهقة متأخرة دون أن يدركوا حقيقة ما يحدث لهم. وهناك من يعاني أنواعًا من الرهاب؛ وكم هي كثيرة ومتنوعة، ولعلّ من أخطرها الرهاب الاجتماعي. ومنا من يعاني الكآبة دون أن يعرف أنه يحتاج إلى مساعدة. وقِس على ذلك أشكالًا أخرى كثيرة من الاضطرابات والسلوكيات النفسية التي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تترك أثرًا حقيقيًا في علاقاتنا ومعاملاتنا وقراراتنا.

وكلامي هذا ليس تنظيرًا، وإنما ينطلق من تجربة وملاحظة. وبإمكان أي واحد منا أن يفكّر في الأمر مليًا، ثم ينظر إلى ما يجري حوله في حياته اليومية: في المعاملات، وفي الحوارات والنقاشات، وفي ردود الأفعال، وفي طريقة اتخاذ القرارات.

بل إن بعض هذه السلوكيات يصعب تمييزها لأنها تصبح، مع مرور الوقت، جزءًا من شخصية صاحبها. خذوا مثلًا النرجسية أو التمحور حول الذات (Egocentric). كم من شخص يربط كل شيء بنفسه، ويتصرّف وكأنه مركز العالم، ويتّخذ وجهة نظره الخاصة مرجعًا وحيدًا، ويجد صعوبة في الإصغاء إلى رأي مخالف لرأيه، بينما يسعى باستمرار إلى جذب الأنظار وإبراز شخصيته؟

وكثيرًا ما نضطر إلى التعامل مع أمثال هؤلاء، بل قد تربطنا ببعضهم علاقات قريبة وحميمية، فنحتار في تفسير بعض مواقفهم وردود أفعالهم، بينما قد يكون جزء من المشكلة أعمق مما نتصور.

ألا ترون أننا في حاجة ماسّة إلى أن نولي الجانب النفسي والروحي في حياتنا اهتمامًا أكبر؟ وأن نعيد النظر في مفهوم العلاج النفسي، بدل اختزال كثير من الحالات في الأدوية والمؤثرات العقلية وحدها؟

ألم يحن الوقت لكي نحاول، كل واحد منا، أن يشخّص ذاته بقدر من الصراحة والوعي؟ لا عيب في أن يعترف الإنسان بأنه يحتاج إلى مساعدة أو مراجعة أو علاج. فالعيب الحقيقي ليس في المرض، وإنما في إنكاره والتستر عليه، ثم تركه يتحوّل إلى سلوك يؤذي صاحبه ومن حوله، ويكون سببًا في كثير من المشاكل والخلافات التي تنشأ بيننا.

فربما قبل أن نحاكم بعض سلوكيات الناس، علينا أن نتحفّظ في قراراتنا وأحكامنا، وأن نتساءل أولًا: ماذا يحدث داخل الإنسان الذي يقف أمامنا؟

إرسال التعليق