جاسوس المليار دولار
منزل الخيانة المقابل للسفارة….. صفحة احترام تكشف أخطر ملف تجسس في التاريخ: كيف كشفت موسكو “جاسوس المليار دولار”؟ ومن هو الضابط السكير الذي انتقم من وكالة المخابرات المركزية CIA وأرسله إلى الموت….؟
ماذا لو أخبرتك أن أخطر جاسوس زرعته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في قلب الاتحاد السوفيتي، لم يكشفه جهاز الاستخبارات السوفيتي “كي جي بي” بعبقريته بل خانه انتقام رجل طُرد من الوكالة بسبب الكحول والمخدرات…..؟
الاسم الملعون: أدولف تولكاتشيف….. الطفل الذي كسرت الحرب اسمه
وُلد أدولف تولكاتشيف في السادس من يناير 1927 في مدينة أكتوبينسك الكازاخية، زكان والده مغرمًا بالرومانسية الألمانية، فأطلق عليه اسم “أدولف” قبل سنوات من صعود هتلر…..
بعد عامين انتقلت العائلة إلى موسكو وعندما اشتعلت الحرب العالمية الثانية، تحول اسمه الجميل إلى لعنة، زملاؤه في المدرسة سخروا منه وضربوه وكسروا أنفه لأن اسمه أصبح مرادفًا للعدو.
تقول المحللة النفسية للقضية إن هذا الاضطهاد المبكر زرع في داخله شعورًا بالغبن والكراهية للنظام الذي لم يحمه، وهذا الشعور كما سيروي التاريخ لاحقًا، وكان أول شرارة الخيانة.
المهندس المثالي: من هو أدولف تولكاتشيف؟
بعد تخرجه من معهد خاركوف للبوليتكنيك عام 1954 التحق تولكاتشيف بمعهد أبحاث الراديو التابع لوزارة الصناعة الإشعاعية السوفيتية وسرعان ما أصبح مهندسًا رائدًا في مكتب تصميم “فازوترون” المسؤول عن تطوير أنظمة الرادار للطائرات المقاتلة.
كان يعمل على أخطر الأسرار: أنظمة الرادار لمقاتلات ميغ-25 وميغ-29 وأنظمة التعرف على الصديق والعدو وإجراءات التشويش الإلكتروني. كان لديه وصول مباشر إلى مكتبة الوثائق السرية.
كان راتبه 250 روبل شهريًا مع 100 روبل إضافية للسرية لم يكن فقيرًا، لكنه كان يشعر بأنه لا يحصل على ما يستحقه. زوجته ناتاليا كانت تغذي هذا الشعور باستمرار، وتقول له إن عقله يستحق أكثر من ذلك بكثير…..
السكن المدان: شقة تطل على العدو
المفارقة الأكثر إثارة للدهشة أن تولكاتشيف كان يسكن في مبنى “ستاليني” شاهق في ميدان فوستانيا على بعد خطوات من السفارة الأمريكية. من نافذته في الطابق التاسع كان يرى علم الولايات المتحدة يرفرف…..
منحه السكن بالقرب من السفارة، رغم عمله في أكثر المعاهد سرية، ميزة استراتيجية بحيث يستطيع مراقبة تحركات الدبلوماسيين الأمريكيين وتحديد سياراتهم، وربما يتواصل معهم دون إثارة الشك…..
هذا القرب المكاني تحول إلى أداة للخيانة فبدل أن يكون تحت نظر الاستخبارات السوفيتية، كان عمليًا على مرمى حجر من ملاذه المحتمل….
بداية الخيانة: ملاحقة السيارات الأمريكية
في يناير 1977 بدأ تولكاتشيف محاولاته الأولى للاتصال بوكالة المخابرات المركزية، وكان يتسلل إلى محطات الوقود المخصصة للسيارات الدبلوماسية، ويراقب السيارات الأمريكية.
في محاولته الأولى ألقى رسالة عبر نافذة سيارة متوقفة، ومن سوء الحظ أو حسن الحظ، كانت السيارة تعود لروبرت فولتون رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في موسكو نفسه.
لكن الأمريكيين لم يلتقطوا الطعم وكانوا خائفين من فخاخ “كي جي بي” وتجاهلوه مرارًا فازداد تولكاتشيف إصرارًا، وأرسل المزيد من الرسائل، حتى أنه أرفق إحداها بمعلومات سرية حقيقية عن رادار ميغ-25…..
في النهاية استسلم الأمريكيون لفضولهم، وقرروا اختباره، لقد كانوا أمام كنز لا مثيل له…
“سفيرا”.. الاسم الذي هز لانغلي
منحته وكالة المخابرات المركزية الاسم الحركي “سفيرا” لكن فيما بينهم كانوا يسمونه “المضخة” و”بئر النفط” و”الشلال” لأن حجم المعلومات التي كان يضخها فاق كل التوقعات.
بين يناير 1979 ويونيو 1980 وحدهما سلّم تولكاتشيف معلومات تقدر قيمتها بمليارات الدولارات. كانت تشمل أسرار أنظمة الرادار، وطرق التعرف على الطائرات الصديقة، وتفاصيل التشويش الإلكتروني.
قدرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أن هذه المعلومات وفرت على الولايات المتحدة ما بين 8 و10 سنوات من البحث العلمي بل قال أحد الضباط إنها “كانت ستحسم كفة الميزان في حال نشوب حرب نووية”…..
انتقلت بعض هذه الأسرار إلى إسرائيل وساعدت في إسقاط المقاتلات السوفيتية الصنع التي كانت تخدم في الجيوش العربية، كما حدث في سماء لبنان….
الراتب الرئاسي: كم كان يكسب الجاسوس؟
كان تولكاتشيف يتقاضى أجرًا يوازي تقريبًا راتب الرئيس الأمريكي حينها. في البداية طلب أموالاً نقدية ثم طلب مجوهرات وتحفًا وأدوات كتابة فاخرة، بحجة إهدائها لابنه أوليغ.
كان الأمريكيون يدفعون بسخاء، لأن ما يحصلون عليه يساوي أضعاف ما يدفعون لكن تولكاتشيف عاش حياة مزدوجة مؤلمة. كان يملك آلاف الروبلات مخبأة في شقته لكنه لم يستطع صرفها خوفًا من كشفه……
اشترى سيارة “زيغولي” قديمة وكوخًا متواضعًا وظل يزرع البطاطس بنفسه، لقد كان يملك ثروة هائلة على الورق، بينما يعيش حياة موظف سوفيتي بسيط…….
عاش في رعب دائم لأنه كان يشعر أن كل طرقة على الباب قد تكون نهايته. وكان هذا هو ثمن الخيانة.
إدوارد لي هوارد.. الرجل الذي فجّر القنبلة
في بداية الثمانينيات استعدت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لإرسال عميل جديد إلى موسكو للعمل كضابط اتصال وكان اسمه إدوارد لي هوارد، وقد تدرب في مزرعة “كامب بيري” الشهيرة، وكان من المفترض أن يتولى رعاية عملاء مثل تولكاتشيف……
لكن قبل مغادرته خضع لاختبار كشف الكذب واعترف بأنه تعاطى المخدرات في الماضي وأخفى ذلك عند التقدم للوظيفة، وهذا القرار كان قاسيًا تسبب بطرده من الوكالة.
شعر هوارد بالظلم لأنه كان يحلم بأن يصبح بطلًا قوميًا، فوجد نفسه مفصولًا ومهانًا وهنا قرر الانتقام، وفي عام 1984 اتصل بالقنصلية السوفيتية في فيينا، وعرض خدماته على “كي جي بي”…..
كانت الصفقة بسيطة: معلومات مقابل 150 ألف دولار ومن بين المعلومات التي سربها، كانت هناك إشارة واضحة إلى “جاسوس في معهد عسكري” يعيش بالقرب من السفارة الأمريكية.
ألدريش أميس.. الضربة الثانية من الداخل
إذا كان إدوارد لي هوارد هو من زرع القنبلة فإن ألدريش أميس هو من فجّرها. كان أميس رئيسًا لفرع مكافحة التجسس السوفيتي في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وهو منصب حساس للغاية…..
لكن أميس كان مدمنًا على الكحول وغارقًا في الديون، باع نفسه لـ”كي جي بي” مقابل ملايين الدولارات. كان يمرر قوائم بأسماء العملاء السريين الأمريكيين في الاتحاد السوفيتي.
عندما وصلت القائمة إلى موسكو كان اسم “سفيرا” حاضرًا وأكد أميس أن المهندس الذي يعيش في المبنى الشاهق هو الجاسوس الذي طالما بحث عنه “كي جي بي”. ….
فلم يكن كشف تولكاتشيف نتيجة عبقرية سوفيتية بل نتيجة خيانة داخلية مزدوجة داخل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية نفسها…..
الاعتقال: كيف سقط الجاسوس؟
في التاسع من يونيو 1985 كان تولكاتشيف عائدًا من كوخه الريفي مع زوجته ناتاليا وعلى الطريق نُصب له كمين محكم.
تظاهر رجال الأمن بوجود حاجز شرطة وأوقفوا السيارة وطلبوا من السائق النزول، وفي لحظة واحدة انقضت مجموعة “ألفا” الخاصة على تولكاتشيف…..
جردوه من ملابسه بسرعة خاطفة بحثًا عن كبسولة السم التي يعتقدون أنه يحملها لكنهم وجدوا قلم حبر يحتوي على أمبولة سيانيد، لو كان أسرع ثانية واحدة لكان مات منتحرًا.
اقتادوه إلى سجن ليفورتوفو، وهناك عرضوه على جنرال عسكري كبير، وكانت الرسالة أنه لا مكان للمساومة.
ثروة في البنوك: ماذا كانت تحتوي شقته؟
عند تفتيش شقته عثر المحققون على أكثر من 600 ألف روبل مخبأة هذا المبلغ كان يعادل قيمة عشرات السيارات الفاخرة في ذلك الوقت…..
وفي كوخه الريفي عثروا على أموال وأدوات تجسس ومعدات تصوير وتبين لاحقًا أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فتحت له حسابًا في بنك أجنبي تجاوزت قيمته مليوني دولار.
كان يعيش حياة بسيطة لا توحي بأي ثراء لكنه في الحقيقة كان من أغنى أعداء الدولة. هذه المفارقة أحد الأسباب التي جعلت القضية تثير دهشة المحققين.
الإعدام: حبل المشنقة أم الرصاص؟
في محاكمة سرية عسكرية وجهت له تهمة الخيانة العظمى حاول التوسل، وقال إنه نادم وتعاون مع المحققين وأخبرهم بكل شيء لكن المحكمة العسكرية أصدرت حكمها: الإعدام رميًا بالرصاص.
في 24 سبتمبر 1986 نُفذ الحكم وتم إعدامه في مبنى سري ولم يُكشف مكان دفنه. وعندما حاول الرئيس الأمريكي رونالد ريغان التدخل وطلب العفو عنه خلال لقائه مع ميخائيل غورباتشوف أجابه غورباتشوف: “لقد فات الأوان”.
لم يكن هناك أي تعاطف…… كان الجاسوس الذي باع أسرار بلاده قد حُسم أمره.
ما بعد الإعدام: مصير العائلة
حُكم على زوجته ناتاليا بالسجن ثلاث سنوات بتهمة عدم الإبلاغ عن زوجها لكن أفرج عنها بعفو عام عام 1987.
في سنواتها الأخيرة عملت مراقبة في محل لتوزيع التدفئة وحاولت التواصل مع السفارة الأمريكية طالبة مساعدة طبية لكن ردها الأمريكيون بجفاء: “هناك مثلك كثيرون لا نستطيع مساعدتكم جميعًا” ماتت وحيدة بمرض السرطان في 1991.
ابنه أوليغ الذي لم يكن يعرف شيئًا عن نشاط والده واصل حياته وأصبح معماريًا ناجحًا في موسكو، وبقي يعيش مع إرث اسم والده، وحقيقة أنه خان وطنه من أجل المال.
لماذا سقط تولكاتشيف؟
لم يسقط تولكاتشيف بسبب فشل أمني في “كي جي بي” بل سقط بسبب الانتقام الداخلي داخل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
وهكذا فإن أخطر جاسوس أمريكي في الاتحاد السوفيتي، سقط بفعل خيانة داخلية مزدوجة. وهذا يطرح سؤالاً مرعبًا: كم من الجواسيس لا يزالون طلقاء لأن خونة آخرين لم يكشفوهم بعد؟
وهل كان تولكاتشيف يستحق الموت، أم كان مجرد ضحية لشعوره بالغبن استغلته وكالة استخبارات أجنبية بذكاء؟



إرسال التعليق