لو كان عدوك نمله لا تنم له : دروس من الشرق الأوسط
محمد ع يوسف
ملخص
تتناول هذه الدراسة الحكمة العربية القائلة “لو كان عدوك نمله لا تنم له” بوصفها عدسة تحليلية لفهم
الإخفاقات الدبلوماسية والاستراتيجية المتكررة في تاريخ الشرق الأوسط. تنطلق الورقة من فرضية أن
الاستهانة بالخصم – مهما بدا صغيراً أو ضعيفاً – كانت عاملاً مشتركاً في كثير من الكوارث السياسية
والعسكرية التي شهدتها المنطقة. من خلال تحليل نماذج تاريخية تمتد من حرب حزيران (1967) إلى
اتفاقيات كامب ديفيد (1978) وأوسلو (1993)، مروراً بغزو العراق (2003) وصولاً إلى مفاجأة
السابع من أكتوبر (2023)، تقدم الدراسة قراءة نقدية لكيفية تحول تقدير الخصوم إلى نقطة عمياء في
صنع القرار. تعتمد الورقة منهجاً تاريخياً تحليلياً مقارناً، مستعينة بأعمال باحثين في التاريخ الدبلوماسي
والاستراتيجي. توصل الدراسة إلى أن الاستهانة بالخصم تتخذ أشكالاً متعددة – من الاستهانة بالقدرات
العسكرية، إلى الاستهانة بالإرادة السياسية، إلى الاستهانة بالديناميكيات الاجتماعية والهوياتية – وأن
دروس الشرق الأوسط تقدم تحذيراً خالداً بأن “الشرارة إن أُهملت صارت ناراً، والخطر إن استُصغر
صار إعصاراً”.
الكلمات المفتاحية: الاستهانة بالخصم، الإخفاقات الدبلوماسية، الشرق الأوسط، حرب الأيام الستة، كامب
ديفيد، أوسلو، المفاجأة الاستراتيجية.
أولاً: المقدمة
“إذا كان عدوك نملة فلا تنم له”. هذه المقولة العربية القديمة، التي تتردد في الثقافة السياسية العربية
كتذكير دائم بعدم الاستهانة بالخصوم مهما بدوا صغاراً، تحمل في طياتها حكمة تتجاوز البعد الأخلاقي
إلى البعد الاستراتيجي المحض. فالنملة، في هذا المثل، ليست مجرد كائن ضعيف، بل رمز للخطر الذي
يُستهان به حتى يستحيل كارثة. وكما قيل: “الشرارة إن أُهملت صارت ناراً، والخطر إن استُصغر صار
إعصاراً”.
يزخر تاريخ الشرق الأوسط الحديث بأمثلة صارخة على ثمن الاستهانة بالخصوم. فمن حرب حزيران
1967، حيث استهانت الأنظمة العربية بقدرات إسرائيل العسكرية فدفعت ثمناً باهظاً، إلى اتفاقيات أوسلو
1993، حيث استهان الإسرائيليون بقدرة الفصائل الفلسطينية على مواصلة النضال، إلى مفاجأة السابع
من أكتوبر 2023، حيث استهانت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بقدرات حماس. وفي كل مرة، كان الثمن
هو الدماء والأراضي والاستقرار.
تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن سؤالين محوريين: ما هي الأنماط المتكررة للاستهانة بالخصوم في
تاريخ الشرق الأوسط؟ وما هي الدروس المستخلصة من هذه الإخفاقات المتكررة؟ وتنطلق الدراسة من
فرضية أن الاستهانة بالخصم ليست مجرد خطأ في التقدير، بل هي نمط استراتيجي متكرر تعززه عوامل
بنيوية: الغطرسة الاستراتيجية، وضعف الاستخبارات، والانحيازات المعرفية، والقراءة الخاطئة
للديناميكيات الداخلية للخصم.
ثانياً: الإطار النظري: لماذا نستهين بالخصوم؟
2.1 الغطرسة الاستراتيجية وانحياز الثقة المفرطة
تشير أدبيات علم النفس السياسي إلى أن صنّاع القرار معرضون لانحياز “الثقة المفرطة”
(overconfidence bias)، حيث يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم الذاتية والاستهانة بقدرات
الخصوم. وهذا الانحياز يتعزز في سياقات النجاحات المتتالية، حيث تغذي الانتصارات السابقة شعوراً
بالتفوق الاستراتيجي يؤدي إلى الاستهانة بالتهديدات القادمة.
في سياق الشرق الأوسط، تجلت هذه الظاهرة بوضوح في النشوة التي أعقبت النصر الإسرائيلي في
حرب 1967، حيث رسخ الانتصار الساحق شعوراً بالأمن قاد إلى الاستهانة بالتهديدات العربية لست
سنوات قبل أن تأتي مفاجأة أكتوبر 1973. وكذلك تجلت في الاستهانة العربية بقدرات إسرائيل قبل حرب
1967، حيث كانت التقديرات الاستخباراتية العربية ترى أن إسرائيل غير قادرة على شن حرب واسعة.
2.2 فشل الاستخبارات والقراءة الخاطئة للنوايا
يرتبط الاستهانة بالخصوم ارتباطاً وثيقاً بفشل الاستخبارات في قراءة نوايا الخصم وقدراته. وقد درس
الباحثون هذه الظاهرة في سياق الشرق الأوسط بشكل مكثف. ففي حرب أكتوبر 1973، فشلت
الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية في توقع الهجوم المصري-السوري المشترك، لأن المحللين كانوا
أسرى “نموذج” فكري افترض أن مصر لن تهاجم قبل أن تمتلك قدرات جوية كافية.
وكما لاحظ الباحثون في تحليلهم لفشل استخباراتي لاحق، فإن “المفاجأة نشأت ليس على الرغم من وفرة
البيانات بل بسببها”. فهذه المفارقة تشير إلى أن كثرة المعلومات قد تؤدي إلى ارتباك تحليلي يعمّق
الاستهانة بالخصم، حين تغرق الأجهزة الاستخباراتية في التفاصيل على حساب الصورة الكلية.
2.3 الاستهانة بالديناميكيات الاجتماعية والهوياتية
أحد أعمق أشكال الاستهانة بالخصوم هو الاستهانة بالعوامل غير المادية التي تحركهم: الهوية، والإرادة،
والتضحيات، والروح المعنوية. فالدول والجماعات التي تركز على التفوق المادي – العسكري
والتكنولوجي – تميل إلى الاستهانة بقدرة الخصوم الأضعف مادياً على تعويض هذا الضعف عبر الإرادة
والتضحية والدعم الشعبي.
وهذا النمط يتكرر في الشرق الأوسط: فإسرائيل استهانت بقدرة حماس على التطور العسكري والتنظيمي
رغم سنوات من الحصار؛ والولايات المتحدة استهانت بقدرة المقاومة العراقية على إطالة أمد الاحتلال
بعد 2003؛ والأنظمة العربية استهانت بقدرة الحركات الإسلامية على تحويل الإخفاقات السياسية إلى
زخم شعبي.
2.4 “النملة” كاستعارة استراتيجية
تعكس استعارة “النملة” في المثل العربي بعداً استراتيجياً عميقاً. فالنملة، رغم صغر حجمها، تمتلك
قدرات تنظيمية مذهلة، وإرادة جماعية، وقدرة على التكيف، وصبراً استراتيجياً. وهذه الصفات تجعل
منها خصماً لا يُستهان به، ليس لأنها تشكل تهديداً فورياً، بل لأن إهمالها يسمح لها بالنمو والتكاثر
والتحول إلى خطر استراتيجي. فالخطر، كما يشير المثل، “إن استُصغر صار إعصاراً”.
ثالثاً: نماذج تاريخية للاستهانة بالخصوم في الشرق الأوسط
3.1 حرب حزيران 1967: الاستهانة العربية وقوة الردع الإسرائيلي
تمثل حرب حزيران (يونيو) 1967 واحدة من أكثر الأمثلة دراماتيكية على ثمن الاستهانة بالخصم في
تاريخ الشرق الأوسط. ففي مايو 1967، أقدم الرئيس المصري جمال عبد الناصر على سلسلة من
الخطوات التصعيدية: طلب انسحاب قوات الطوارئ الدولية من سيناء، وإعادة فرض الحصار على
مضيق تيران، ونشر قوات مصرية ضخمة على حدود إسرائيل.
كانت التقديرات العربية ترى أن إسرائيل لن تجرؤ على شن هجوم استباقي، خاصة في ظل الدعم
السوفيتي لمصر والوجود العسكري المصري المكثف. وقد لعبت التشجيعات السوفيتية – العلنية والخاصة
- دوراً كبيراً في دفع القيادة المصرية نحو حافة الحرب.
غير أن هذا التقدير كان خاطئاً تماماً. ففي 5 يونيو، شنت إسرائيل هجوماً استباقياً دمر فيه القوات الجوية
المصرية على الأرض، ثم سحقت الجيوش المصرية والسورية والأردنية في ستة أيام فقط. كانت الخسائر
العربية فادحة: فقدت مصر سيناء، وسوريا الجولان، والأردن الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وقد خلصت دراسة لثلاثة دبلوماسيين أميركيين مخضرمين إلى أن غياب التزام أميركي واضح بإسرائيل
في تلك اللحظة “أثر على عقلية صنّاع القرار الإسرائيليين في كل مرة واجهوا فيها معضلات أمنية وطني
في السنوات اللاحقة، مما دفعهم إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الأحادية”. ففشل الدبلوماسية في منع
الحرب، كما لاحظوا، عزز التصور الإسرائيلي بأن “الضمانات الخارجية، رغم فائدتها، لا يمكن الاعتماد
عليها كوسيلة وحيدة لمواجهة حالة تهديد محتملة”.
3.2 حرب أكتوبر 1973: الاستهانة الإسرائيلية بالقدرات العربية
إذا كانت حرب 1967 مثالاً على الاستهانة العربية بإسرائيل، فإن حرب أكتوبر 1973 كانت مثالاً
صارخاً على الاستهانة الإسرائيلية بالقدرات العربية. فبعد النصر الساحق في 1967، ترسخ في المؤسسة
الأمنية الإسرائيلية اعتقاد بأن الجيوش العربية غير قادرة على شن هجوم ناجح، وأن إسرائيل تمتلك
“ردعاً كافياً” يمنع أي هجوم عربي.
هذا الاعتقاد قاد إلى استهانة استخباراتية فادحة. ففي 6 أكتوبر 1973، شنت مصر وسوريا هجوماً
مفاجئاً تزامن مع عطلة يوم الغفران اليهودي، محققتان اختراقات مذهلة في خط بارليف وجبهة الجولان.
وقد فشلت الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية في توقع الهجوم، لأن المحللين كانوا أسرى نموذج فكري
افترض أن مصر لن تهاجم قبل أن تمتلك قدرات جوية كافية.
ورغم أن إسرائيل تمكنت في النهاية من قلب الطاولة عسكرياً، فإن المفاجأة الاستراتيجية كانت صدمة
عنيفة هزت ثقة الإسرائيليين بأنفسهم وغيرت ميزان القوى النفسي في المنطقة. وقد خلصت دراسات
لاحقة إلى أن “التذبذب في الفترة التي سبقت حرب 1967 لا يزال يعلّم درساً تحذيرياً مهماً، يوضح أين
فشلت الضمانات الدولية فشلاً تاماً”.
3.3 اتفاقيات كامب ديفيد (1978): الاستهانة بالثمن السياسي
تمثل اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعها الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم
بيغن برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر في سبتمبر 1978، مثالاً على استهانة أطراف عدة
بتداعيات النجاح الدبلوماسي.
فالسادات، في خطابه التاريخي أمام الكنيست الإسرائيلي، قال: “لم آتِ من أجل اتفاق منفصل بين مصر
وإسرائيل… حتى لو تحقق السلام بين جميع دول المواجهة وإسرائيل، في غياب حل عادل للقضية
الفلسطينية، لن يكون هناك أبداً ذلك السلام الدائم والعادل”. غير أن الاتفاقيات التي خرج بها كانت، في
نظر كثير من العرب، “خيانة للفلسطينيين”.
استُهين بثمن هذا الاتفاق السياسي. فقد عُزلت مصر في العالم العربي وطُردت من الجامعة العربية. وبعد
ثلاث سنوات فقط، في 1981، اغتيل السادات على يد متطرفين إسلاميين معارضين لمعاهدة السلام.
والأكثر إيلاماً، أن آمال كامب ديفيد في حل القضية الفلسطينية لم تتحقق. فبعد 45 عاماً، ظل
“الفلسطينيون لم ينجحوا في تحقيق دولتهم، بينما بقيت هضبة الجولان بقوة في أيدي إسرائيل”. وكما
لاحظت إحدى الدراسات، فإن “الفشل في دفع الاتفاقيات إلى ما هو أبعد من استعادة سيناء خلق قدرية
غذّت التطرف”.
3.4 اتفاقيات أوسلو (1993): الاستهانة بالإرادة الفلسطينية
إذا كانت كامب ديفيد مثالاً على الاستهانة بالثمن السياسي، فإن اتفاقيات أوسلو كانت مثالاً على الاستهانة
بالإرادة الفلسطينية وقدرتها على مواصلة النضال. ففي 1993، وقّعت منظمة التحرير الفلسطينية
وإسرائيل اتفاقيات أوسلو، في لحظة بدت وكأنها فجر سلام.
لكن الاتفاقيات، كما يراها نقادها، كانت مبنية على استهانة إسرائيلية بقدرة الفصائل الفلسطينية على
رفض التسوية، واستهانة فلسطينية بقدرة إسرائيل على استغلال الغموض لإطالة أمد الاحتلال. وقد خلص
بعض المحللين إلى أن الاتفاقيات انهارت “ليس بسبب الفشل في الالتزام بالاتفاقات، بل بسبب بنود
وأيديولوجيات الاتفاقات ذاتها”.
ويصف الدكتور دان ديكر، رئيس مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، أوسلو بأنها “واحدة من أعظم
الكوارث الاستراتيجية، ربما أعظم كارثة استراتيجية منذ تأسيس دولة إسرائيل”. ويضيف: “السبب ليس
لأنها قدمت حلاً وسطاً، بل لأننا انعكست شرعيتنا مع منظمة التحرير الفلسطينية… سلمنا جائزة نوبل
للسلام إلى ياسر عرفات، وأصبح هو المعيار الأخلاقي، حتى لم نعد نستطيع التحرك ضد الإرهاب لأنك
كنت تتحرك ضد حائز على جائزة نوبل”.
وقد أدى فشل أوسلو إلى تعقيد الصراع بدلاً من حله. فبدلاً من أن تؤدي إلى دولة فلسطينية، رسخت واقعاً
سمح “للإرهاب الفلسطيني بالنمو” وأسفر عن آلاف الضحايا.
3.5 غزو العراق 2003: الاستهانة بالواقع العراقي
يمثل الغزو الأميركي للعراق في مارس 2003 واحداً من أكثر الأمثلة فداحة على الاستهانة بالواقع
المحلي. فقد استهانت إدارة الرئيس جورج بوش الابن بعدة عوامل: قدرة الجيش العراقي على المقاومة
(رغم ضعفه)، تعقيدات التركيبة الطائفية والعرقية العراقية، قدرة المقاومة على إطالة أمد الاحتلال،
وحجم التكاليف البشرية والمادية للاحتلال.
وقد انعكس هذا الاستهانة في الإعداد الدبلوماسي للغزو. ففي مارس 2003، أي قبل أيام من الغزو، قال
أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى لصحيفة نيويورك تايمز إنه لم يتمكن من التحدث إلى الرئيس
بوش منذ سبتمبر السابق، وعلم بالخطة الأميركية فقط من خلال الأخبار. وعقدت الجامعة العربية قمة
طارئة في شرم الشيخ في 1 مارس 2003، لكنها فشلت في التوصل إلى موقف موحد.
وقد انتهى الغزو إلى كارثة: مئات الآلاف من القتلى، وتدمير البنى التحتية، ونشوء تنظيم داعش، وإطالة
أمد الوجود الأميركي في العراق لعقدين. وكما لاحظت إحدى الدراسات، فإن “الحروب الفاشلة أو غير
الحاسمة، مثل تلك التي خاضت في العراق وأفغانستان، أثبتت أنها مكلفة وغير مجدية”.
3.6 طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023): الاستهانة بقدرات حماس
ربما يكون الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 أحدث وأبلغ مثال على
ثمن الاستهانة بالخصم في التاريخ الحديث. فالمؤسسة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية، التي كانت
تعتبر نفسها من الأكثر كفاءة في العالم، فشلت فشلاً ذريعاً في توقع الهجوم.
وقد خلصت دراسات لاحقة إلى أن “القادة السياسيين الإسرائيليين وأجهزة الاستخبارات بالغوا في تقدير
قدراتهم الذاتية واستهانوا بقدرات حماس، استناداً إلى الفجوات بين المجتمعين في النشر والوصول إلى
التكنولوجيا”. والأكثر إثارة للدهشة، أن “المفاجأة نشأت ليس على الرغم من وفرة البيانات بل بسببها”،
مما يشير إلى أن كثرة المعلومات قد تؤدي إلى ارتباك تحليلي يعمق الاستهانة بالخصم.
وقد شبه بعض المحللين هذا الإخفاق بإخفاق حرب أكتوبر 1973، مشيرين إلى أوجه تشابه مذهلة بين
الحالتين. وكما لاحظت إحدى الدراسات، فإن “الدروس المستخلصة من هذين الإخفاقين التاريخيين مفيدة
ليس فقط للأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بل أيضاً للدول الأخرى التي تسعى إلى الحماية من المفاجآت
الاستراتيجية”.
رابعاً: تحليل العوامل المشتركة: لماذا نستهين بالخصوم في الشرق الأوسط؟
انطلاقاً من النماذج التاريخية التي استعرضناها، يمكن تحديد مجموعة من العوامل المتكررة التي تفسر
ظاهرة الاستهانة بالخصوم في الشرق الأوسط:
أولاً: الغطرسة الاستراتيجية. تتغذى الاستهانة بالخصوم على شعور بالتفوق – عسكرياً، تكنولوجياً، أو
أيديولوجياً – يدفع صنّاع القرار إلى اعتبار الخصم غير قادر على توجيه ضربة مؤثرة. وقد تجلى هذا في
الاستهانة الإسرائيلية بقدرات الجيوش العربية بعد 1967، وفي الاستهانة الأميركية بالمقاومة العراقية
بعد 2003، وفي الاستهانة الإسرائيلية بقدرات حماس قبل 2023.
ثانياً: فشل الاستخبارات والانحيازات المعرفية. في كثير من الحالات، لم تكن الاستهانة بالخصم نتيجة
نقص المعلومات، بل نتيجة قراءة خاطئة للمعلومات المتاحة. فالمحللون كانوا أسرى نماذج فكرية
افترضت سلوكاً معيناً للخصم، مما حال دون رؤية الاحتمالات الأخرى. وقد تجلى هذا في فشل توقع
حرب أكتوبر 1973 وفي فشل توقع هجوم 7 أكتوبر 2023.
ثالثاً: الاستهانة بالعوامل غير المادية. تميل الدول والجماعات التي تركز على القوة المادية إلى الاستهانة
بالعوامل غير المادية التي تحرك الخصوم: الإرادة، والروح المعنوية، والدعم الشعبي، والقدرة على
التكيف. وقد تجلى هذا في الاستهانة بالإرادة الفلسطينية في أوسلو، وفي الاستهانة بالديناميكيات
الاجتماعية العراقية في 2003.
رابعاً: الاستهانة بالثمن السياسي. في بعض الحالات، كانت الاستهانة بالثمن السياسي للقرارات
الدبلوماسية هي العامل المحوري. فالسادات استهان بثمن السلام المنفرد مع إسرائيل، فدفع حياته ثمناً له.
وصنّاع القرار في كامب ديفيد وأوسلو استهانوا بتعقيدات القضية الفلسطينية، فدفع المنطقة عقوداً من
الصراع.
خامساً: الاستهانة بالصبر الاستراتيجي للخصم. تمتاز “النملة” في المثل العربي بالصبر والقدرة على
التخطيط طويل المدى. وهذا ما استهان به الكثيرون في الشرق الأوسط. فحماس خططت لهجوم 7 أكتوبر
لسنوات، والجيوش العربية خططت لحرب أكتوبر 1973 لسنوات، والمقاومة العراقية خططت لإطالة
أمد الاحتلال. وفي كل مرة، كان الخصم “الأضعف” هو الذي امتلك الصبر الاستراتيجي.
خامساً: الخاتمة
إن تاريخ الشرق الأوسط، كما تقدمه هذه الدراسة، هو تاريخ من الدروس المتكررة في ثمن الاستهانة
بالخصوم. فمن حرب حزيران 1967 إلى طوفان الأقصى 2023، ومن كامب ديفيد إلى أوسلو، يتكرر
النمط ذاته: تقدير خاطئ للخصم يؤدي إلى كارثة، ثم دروس تُتعلم لكنها تُنسى بسرعة.
لعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذه الرحلة التاريخية الطويلة هو أن الاستهانة بالخصم ليست مجرد
خطأ في التقدير، بل هي مرض استراتيجي يتغذى على الغطرسة، والانحيازات المعرفية، والقراءة
الخاطئة للواقع. وهذا المرض، كما رأينا، لا يفرق بين عربي وإسرائيلي، ولا بين دولة عظمى ودولة
صغرى، ولا بين نظام ديمقراطي ونظام استبدادي. فالجميع معرضون للإصابة به، والجميع يدفعون ثمنه.
والمثل العربي القديم “إذا كان عدوك نملة فلا تنم له” يقدم لنا، بعد قرون من صياغته، حكمة لا تزال
صالحة لكل زمان ومكان. فالنملة، رغم صغرها، تمتلك إرادة وتنظيماً وصبراً يمكن أن يحولها إلى خطر
استراتيجي إذا أُهملت. وكما يقول المثل: “الشرارة إن أُهملت صارت ناراً، والخطر إن استُصغر صار
إعصاراً”.
في النهاية، تظل دراسة الاستهانة بالخصوم في الشرق الأوسط ضرورة أكاديمية وسياسية، لأنها تذكّرنا
بأن الحكمة الحقيقية في السياسة والدبلوماسية لا تكمن في تقدير قوة الخصم فحسب، بل في تقدير إرادته،
وصبره، وقدرته على المفاجأة. وكما علمتنا التجارب المريرة، فإن الخصم الذي تبدو عليه علامات
الضعف اليوم قد يكون هو من يفرض شروطه غداً.
قائمة المراجع
“قالوا قديما ‘إذا كان عدوك نملة فلا تنم له’.” فيسبوك، 2026.
“When Diplomacy Failed: Lessons Learned from June 1967.” The
Washington Institute for Near East Policy، 2007.
“Camp David Accords’ flawed path to peace.” Arab News، 2020.
“Oslo Accords called Catastrophe by Dan Diker.” The Jerusalem
Post، 2025.
“The Failure of Diplomacy and International Law in the Israel-Iran
Conflict.” LSE British Politics and Policy، 2025.
“Liberal Institutionalism in Crisis: Reassessing the Iran-West Nuclear
Standoff.” Digest of Middle East Studies، 2025.
“Don’t Let Spoilers Derail Middle East Diplomacy.” The National
Interest، 2025.
“Israel’s October 7 Surprise: Anatomy of an Intelligence
Failure.” Korean Citation Index، 2026.
“Techno-Digital Vulnerability and Intelligence Failures.” MDPI، 2026.
“Arabs snub US over Iraq troops.” BBC News، 2003.
“American Influence After Iraq.” Foreign Affairs، 2023.
“The Arab Spring: the failure of the Obama doctrine.” Army
University Press، 2022.
“Syria Betrayed: Atrocities, War, and the Failure of International
Diplomacy.” WorldCat، 2022.
“Beyond America’s Grasp: A Century of Failed Diplomacy in the
Middle East.” Wright State University، 2024.



إرسال التعليق