الذكاء الاصطناعي… حين تصبح الثقافة جاهزة ويصبح الزمن إنسانًا
تعقيب فكري على مقال معمر فارح: «Le journalisme mène à tout, à condition d’y rester»
رشيد مصباح (فوزي)
*
قرأت باهتمام مقال الصحفي معمر فارح، المنشور ضمن عموده «Choses de la vie»، تحت عنوان لافت: «Le journalisme mène à tout, à condition d’y rester».
المقال يتناول مستقبل الصحافة في زمن الذكاء الاصطناعي، لكنه، في تقديري، يفتح بابا أوسع بكثير من مستقبل مهنة بعينها. إنه يضعنا أمام سؤال يمسّ الإنسان نفسه: ماذا سيبقى من الإنسان عندما تصبح الآلة قادرة على إنتاج النص، وتحليل المعلومات، وترجمة اللّغات، وتوليد الصور والأصوات، وصناعة محتوى يكاد يستعصي على العين المجّردة أن تميّز حقيقته من زيفه؟
لقد عرف الإنسان، عبر تاريخه، ثورات تقنية غيّرت أدواته، لكنها لم تغيّر جوهره. أما الذكاء الاصطناعي فيبدو مختلفا؛ لأنه لا يكتفي بتطوير أدوات اليد، بل يقترب من مجال العقل نفسه.
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.
فالآلة تستطيع أن تكتب مقالًـا في ثوانٍ، وتلخّص كتابا في دقائق، وتقارن آلاف الوثائق، وتستخرج العلاقات بين البيانات، وتعيد صياغة فكرة بعشرات الأساليب. لكنها، مهما بلغت قدرتها، تظل أمام سؤال فلسفي لم يُحسم:
هل تعرف ما تنتجه، أم أنها بارعة في إنتاج ما يشبه المعرفة فحسب؟
قد يبدو السؤال مجرّد ترف فكري – فلسفي محض، لكنه ليس كذلك.
فالمعرفة الإنسانية ليست مجرّد معلومات جاهزة.
الإنسان لا يعرف الأشياء لأنه جمع عنها أكبر عدد من البيانات، وإنما لأنه عاشها، وتأثّر بها، وأخطأ فيها، وراجع نفسه بشأنها، وربطها بذكرياته وتجربته ووعيه بالعالم.
وهنا استحضر مفهوما فلسفيّا بالغ الأهمية عند هنري برغسون: المدة، أو «la durée».
فالزمن عند برغسون ليس مجرد عقارب ساعة تتحرك، ولا سلسلة من الثواني المنفصلة، وإنما هو زمن يُعاش من الداخل؛ زمن تتداخل فيه الذكريات بالمشاعر، والماضي بالحاضر، والتجربة بالوعي.
الإنسان لا يعيش اللحظة منفصلة عما سبقها.
طفولته تدخل في شبابه، وشبابه يدخل في شيخوخته، وندم قديم قد يغيّر قرارا جديدا، وذكرى بعيدة قد تمنح حدثا حاضرا معنى لم يكن له بالأمس.
الإنسان ابن تاريخه الشخصي.
وهنا، في تقديري، يكمن أحد أعمق الفوارق بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتعامل مع الزمن؛ يستطيع ترتيب الأحداث، و مقارنة الماضي بالحاضر، وتحليل تطور فكرة خلال سنوات، واسترجاع معلومات قديمة.
لكنه لا يملك ما يثبت أنه يعيش الزمن بوصفه مدة معاشة بالمعنى البرغسوني.
يمكنه أن يعرف أن شخصا فقد أباه في سنة معينة، وأن ذلك الشخص كتب بعد سنوات عن فقده. لكنه لا يحمل الفقد في ذاكرة وجودية، ولا ينتظر مرور السنوات، ولا يشعر بأن الماضي قد ترسّب داخله وأصبح جزءا من شخصيته.
إنه يعرف ماذا حدث.
أما الإنسان فيعرف، إضافة إلى ذلك، ماذا فعل ما حدث به.
وهذا فرق هائل.
فالآلة قد تعرف تاريخ الحرب، لكنها لا تعرف معنى أن يعود جندي من الحرب وهو شخص آخر.
قد تعرف معنى الفقر في آلاف الكتب، لكنها لا تعرف ماذا يعني أن ينام طفل جائعا.
قد تحلّل آلاف النصوص عن الحب، لكنها لا تعرف معنى أن ينتظر إنسان رسالة من شخص يحبّه.
وقد تستخرج من ملايين الصفحات كل ما كتب عن الندم، لكنها لا تحمل في داخلها ليلة واحدة قضى فيها إنسان عمره كله يستعيد خطأ ارتكبه.
وهنا نصل إلى مشكلة أخطر من مجرد استبدال الصحفي أو الكاتب أو المترجم.
إنها مشكلة الثقافة الجاهزة.
نحن ندخل عصرا يستطيع فيه الإنسان أن يحصل على كل شيء تقريبا دون أن يقطع الطريق المؤدّي إليه.
ملخّص جاهز بدل قراءة الكتاب.
تحليل جاهز بدل البحث.
ترجمة جاهزة بدل تعلم اللغة.
رأي جاهز بدل تكوين موقف.
صورة جاهزة بدل تخيل.
إجابة جاهزة بدل السؤال.
وحتى النص الشخصي يمكن أن يصبح جاهزا قبل أن يجلس صاحبه مع نفسه ليعرف ماذا يريد أن يقول.
وهنا تكمن المفارقة:
كلما أصبحت المعرفة أسهل وصولًـا، قد يصبح الوصول إلى المعرفة الحقيقية أصعب.
لأن المعرفة ليست النتيجة وحدها.
المعرفة أيضا هي الطريق.
والطريق هو الذي يصنع العقل.
فالإنسان يتعلم من أخطائه بقدر ما يتعلم من نجاحاته. ويتكون وعيه من تراكم التجارب، ومن الصراع مع الأسئلة، ومن الحيرة، ومن البحث، ومن تغيير رأيه عندما يكتشف أنه كان مخطئا.
إذا أخذنا منه هذه الرحلة، وأعطيناه النتائج جاهزة، فقد نكون قد منحناه معلومات أكثر، لكننا لم نمنحه بالضرورة وعيا أكبر.
بل ربما العكس.
قد نصنع إنسانا يعرف الكثير، لكنه لا يعرف كيف يفكر.
من الصحفي إلى الإنسان
وهنا تصبح ملاحظة معمر فارح حول الصحافة أكثر عمقا مما تبدو عليه في البداية.
فالصحفي الحقيقي ليس مجرد شخص يجيد ترتيب الكلمات.
إنه شخص يحمل ذاكرة مهنية وزمنية.
يعرف ما قيل بالأمس، وما قيل قبل عشر سنوات، ويلاحظ التناقض بين الخطابين. يعرف الأشخاص، ويتذكر الوعود، ويراقب التحولات، ويفهم أحيانا معنى الصمت بقدر ما يفهم معنى الكلام.
قد تستطيع الآلة أن تقرأ عشرة آلاف تصريح لمسؤول خلال دقائق، لكنها لا تعيش التاريخ الذي عاشه الصحفي وهو يتابع ذلك المسؤول سنوات طويلة.
وهنا تصبح الخبرة الزمنية جزءا من المعرفة.
فالصحفي لا يجمع الوقائع فحسب؛ بل يعيش تراكمها.
ومن هنا ربما تكون قيمة الصحفي في المستقبل أقل ارتباطا بقدرته على الكتابة وأكثر ارتباطا بقدرته على الشهادة.
أن يقول:
هذا حدث.
كنتُ هناك.
سألتُ فلانا.
تحقّقتُ من المعلومة.
قارنتُ الروايات.
وهذا ما أستطيع أن أتحمل مسؤوليته.
لكن هناك خطرا أكبر: صناعة الحقيقة نفسها
إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على إنتاج نصوص وصور وأصوات مقنعة، فإننا ندخل مرحلة يصبح فيها الكذب أكثر سهولة وأقل تكلفة.
لم يعد من الضروري اختلاق قصة معقدة.
يكفي أحيانا إنتاج صورة مزيّفة.
أو تسجيل صوتي مفبرك.
أو فيديو لم يقع.
أو آلاف النصوص المتشابهة التي تكرّر الادّعاء نفسه حتى يبدو لكثرة تكراره وكأنه حقيقة.
فإذا أصبحت كل صورة قابلة للتزوير، وكل صوت قابلًـا للاستنساخ، وكل فيديو قابلًـا للتوليد، فقد يصل الإنسان إلى مرحلة لا يصدّق فيها شيئا.
وهنا ينتصر التضليل بطريقة مختلفة.
فالمضلّل لا يحتاج إلى أن يقنعك بالكذبة؛ يكفي أن يجعلك تشك في الحقيقة.
ومن هنا يأتي تأمّل آخر…
من زاوية إيمانية، لا أستطيع أن أتجاهل عند التفكير في هذه التحولات ما تمثله فتنة المسيح الدجال في الوعي الإسلامي من معنى بالغ الخطورة: فتنة تقوم على التلبيس والخداع وإرباك القدرة على التمييز.
ولا أقصد بذلك القول إن الذكاء الاصطناعي هو الدجال، أو أنه دليل قطعي على قرب ظهوره، فهذا من الغيب الذي لا يجوز الجزم فيه بغير علم.
لكن يمكننا أن نتأمّل في أمر آخر:
هل نحن نبني، من الناحية التقنية، عالما أصبح أكثر قابلية للتضليل من أي وقت مضى؟
فالإنسان كان يستطيع أن يقول: رأيتُ بعيني.
أما اليوم، فقد يصبح السؤال:
هل ما رأيته بعيني حدث فعلًـا؟
كان الصوت دليلًـا.
واليوم يمكن استنساخ الصوت.
كانت الصورة شاهدا.
واليوم يمكن صناعة الصورة.
كان الفيديو حجّة قوية.
واليوم يمكن أن يكون الفيديو نفسه كذبة متقنة.
وهنا تكمن المفارقة المخيفة: التكنولوجيا لا تمنحنا قدرة أكبر على معرفة الواقع فحسب، بل تمنحنا أيضا قدرة أكبر على صناعة واقع وهمي يبدو حقيقيّا.
ومن هذه الزاوية، يصبح الحديث عن فتنة الدجال تأمّلًـا فكريّا مشروعا في معنى التلبيس والخداع، لا تنبّؤا بمستقبل الغيب.
فأخطر أنواع التضليل ليست تلك التي تمنع الإنسان من رؤية الحقيقة، وإنما تلك التي تجعل الباطل يبدو في صورة الحقيقة.
هل يمكن أن تصبح الآلة وصيّا على العقل؟
هنا أصل إلى السؤال الذي يقلقني أكثر من مسألة استبدال الوظائف.
ماذا لو اعتاد الإنسان أن يسأل الآلة عن كل شيء؟
ماذا لو توقّف عن قراءة الكتاب لأن الآلة تلخّصه؟
وماذا لو توقّف عن البحث لأن الآلة تبحث نيابة عنه؟
وماذا لو توقّف عن تكوين رأيه لأن الآلة تمنحه رأيا متوازنا ومصاغا بإتقان؟
عندها لن تكون المشكلة أن الآلة سرقت منا وظائفنا.
المشكلة أنها قد تسرق منا عملية التفكير نفسها.
وهذا هو الخطر الحقيقي للثقافة الجاهزة.
ليس أن تكون المعلومة جاهزة، وإنما أن يصبح العقل نفسه جاهزا لاستقبالها دون مقاومة.
فالإنسان الذي لا يبحث، ولا يشك، ولا يقارن، ولا يخطئ، ولا يراجع نفسه، قد يصبح أكثر اعتمادا على الآلة كلما ازدادت الآلة ذكاءً.
وهكذا قد يحدث شيء paradoxal: نمتلك أكثر أدوات المعرفة تطورا في التاريخ، لكننا نصبح أقل استعدادا لبذل الجهد الذي يصنع المعرفة.
الذكاء الاصطناعي ليس عدوّا
ومع ذلك، سيكون من الخطأ تحويل هذه المخاوف إلى دعوة لرفض التكنولوجيا.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة عظيمة للإنسان.
يمكنه أن يساعد الصحفي في تحليل الوثائق، والباحث في اكتشاف العلاقات، والطبيب في قراءة البيانات، والكاتب في مراجعة النص، والطالب في فهم موضوع معقد.
المشكلة ليست في أن نستخدم الآلة.
المشكلة في أن نسمح للآلة باستخدامنا.
ينبغي أن نقول لها:
ساعديني على التفكير.
لا:
فكري بدلًـا مني.
ساعديني على البحث.
لا:
اختصري لي العالم كله في إجابة لا أتحقّق منها.
ساعديني على الكتابة.
لا:
اكتبي لي ما ينبغي أن أفكر فيه.
وهنا أرى أن مستقبل الإنسان مع الذكاء الاصطناعي لن يتحدّد بمدى ذكاء الآلة وحده، وإنما بمدى وعي الإنسان بحدودها وحدوده هو أيضا.
في النهاية…
ربما يكون مستقبل الصحافة، كما يقول سي معمر ، مرتبطا ببقاء الصحفي صحفيّا.
لكن المسألة في تقديري أوسع:
مستقبل الإنسان نفسه مرتبط ببقائه إنسانا.
أن يظل قادرا على السؤال.
وعلى الشك.
وعلى الانتظار.
وعلى الخطأ.
وعلى الندم.
وعلى تغيير موقفه.
وعلى أن يعيش الزمن لا أن يكتفي بقياسه.
فالآلة قد تعرف ملايين الأشياء، لكنها لا تحمل طفولة في ذاكرتها، ولا شيخوخة تنتظرها، ولا قبرا ستقف أمامه، ولا خطأً تندم عليه، ولا حلما تخشى ألّـا يتحقق.
إنها تستطيع أن تصف التجربة الإنسانية، لكن الإنسان هو الذي يعيشها داخل الزمن.
وهنا ربما يكمن أحد أعظم أسرار التفوّق الإنساني: ليس في كمية المعلومات التي نملكها، وإنما في المدة التي عشناها، والتجارب التي تركت آثارها فينا، والمعاني التي صنعناها من كل ذلك.
ولهذا فإن المعركة القادمة لن تكون بين الإنسان والآلة كما يتخيّل البعض.
إنها ستكون داخل الإنسان نفسه:
هل سيستخدم الذكاء الاصطناعي ليصبح أكثر عقلًـا، أم سيستخدمه كي يتوقّف عن التفكير؟
وهل ستصبح التكنولوجيا وسيلة لتحرير الإنسان من الأعمال التي تستنزفه، لكي يتفرّغ للإبداع والتأمّل، أم ستتحوّل إلى ثقافة جاهزة تجعله مستهلكا لإجابات لا يعرف كيف وُلدت؟
في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يصنع الكلام والصورة والصوت، قد تصبح الحقيقة أغلى من أي وقت مضى.
وفي عصر يمكن فيه اختصار المعرفة إلى إجابة واحدة، قد يصبح السؤال الجيد أكثر قيمة من الإجابة الجاهزة.
وفي عالم تستطيع فيه الآلة أن تتعامل مع الزمن كله بوصفه بيانات، يبقى الإنسان ـ على الأقل في حدود ما نعرفه اليوم ـ الكائن الذي يعيش الزمن بوصفه تجربة وذاكرة ووعيا وتراكما.
لذلك، ربما لم يعد المطلوب أن نقول فحسب:
«Le journalisme mène à tout, à condition d’y rester.»
بل أن نقول شيئا أوسع:
الذكاء الاصطناعي يقود إلى كل شيء، بشرط ألّـا يقود الإنسان بعيدا عن نفسه.
فالخطر الأكبر ليس أن تصبح الآلة شبيهة بالإنسان.
بل أن يصبح الإنسان، من فرط اعتماده عليها، أقل إنسانية.



إرسال التعليق