حين يصبح الماضي مرآةً للندم

حين يصبح الماضي مرآةً للندم
رشيد مصباح (فوزي)

*

«الخطأ من طبيعة البشر، أما الإصرار عليه فمذموم.»

قد يخطئ الإنسان بسبب جهله، أو اندفاعه، أو ضعف تقديره، أو سوء اختياره، ثم يمضي في حياته وكأن شيئا لم يكن. وقد يكرّر الخطأ مرّة ثانية، وثالثة.. حتى يصبح ما كان زلّة عابرة سلوكا متأصّلًـا يصعب التخلّص منه.

لكن هناك لحظة في حياة الإنسان يتوقّف فيها عن الهروب من ماضيه، ويجلس وحيدا أمام نفسه. عندها يتحّول الماضي إلى مرآة يرى فيها الإنسان صورته بكل ما فيها من ضعف ونقص وتسرّع وأخطاء.

وهنا يبدأ الندم.

ليس الندم مجرّد قول: «ليتني لم أفعل». وليس هو مجرّد حزن على ما فات. الندم الحقيقي أعمق من ذلك؛ إنه لحظة وعي، يكتشف فيها الإنسان أنه لم يكن يومها هو الإنسان الذي أصبح عليه اليوم.

وهذا هو الجانب الإيجابي في الندم: أن الإنسان لا يستطيع تغيير الماضي، لكنه يستطيع أن يغيّر نظرته إليه، وأن يجعل من أخطائه القديمة دروسا لا تتكرّر.

فالخطأ الأول قد يكون من طبيعة البشر، أما الاستمرار فيه مع معرفة عواقبه فهو اختيار آخر.

كثيرا ما أسأل نفسي: هل يكفي أن يقول الإنسان «أنا نادم» حتى يتخلّص من ثقل الذنب الذي يلاحقه؟

ربما لا.

فالندم الحقيقي ليس ”دائمًا “ جلدا للذات، ولا إدانة مستمرّة للنفس، ولا عيشا أبديّا في أسر الماضي.. إنه اعتراف شجاع بما كان، ومحاولة صادقة لفهم أسبابه وتصحيح ما يمكن تصحيحه.

وقد يكون أصعب ما في الندم أن الإنسان يحاكم نفسه اليوم بعقل لم يكن يملكه بالأمس.

لقد تغيّرتَ، ونضجتَ، وتعلمتَ، وأصبحتَ ترى أشياء كثيرة بوضوح لم تكن تراها في شبابك. ولذلك تبدو لك بعض قرارات الماضي اليوم ساذجة، وبعض التصرّفات متهوّرة، وبعض الاختيارات مؤلمة إلى حد أنك تتمنّى لو كان بإمكانك العودة إلى الوراء.

لكن عجلة الزمن لا تعود إلى الوراء.

وما لا نستطيع تغييره هو الماضي، أما ما يمكن تغييره فهو ما تبقّى من العمر.

حين يهدأ ضجيج الحياة، ويقرّر الإنسان أن يبتعد قليلًـا عن الناس، ويجلس مع نفسه، تبدأ الذاكرة في استعادة ما ظن أنه نسيه: وجوهٌ غابت.. مواقفٌ انتهت..كلماتٌ قيلت في لحظة غضب.. قراراتٌ اتُّخذت دون تفكير.. أشخاصٌ ربما ظلمناهم، وآخرون ربما ظلمونا.. فرصٌ ضاعت، وأخرى لم نحسن استغلالها… وفي تلك العزلة، لا يعود الإنسان قادرا على الكذب على نفسه بسهولة. وهنا قد يشعر بحسرة شديدة، ويتمنى لو أن الزمن يعود إلى الوراء.

لكن الزمن لا يعود.

ولعل الحكمة ليست في أن نتمنّى عودته، وإنما في أن نتعلّم كيف نعيش ما تبقّى منه بوعي أكبر.

ما الذي يدفع الإنسان إلى ارتكاب الأخطاء؟

الأسباب كثيرة، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد.

الجهل واحد منها.

والجهل ليس عدم معرفة القراءة والكتابة أو عدم امتلاك المعلومات فحسب، بل قد يكون جهلًـا بالنفس، و بالعواقب، وبالحياة، وبالدِّين، وبالناس. وقد يكون الإنسان واسع المعرفة في مجال، لكنه شديد الجهل بنفسه في مجال آخر.

وهناك أيضا ما يمكن تسميته بـ”الجهل المركّب“؛ حين يعتقد الإنسان أنه يعرف، بينما هو في الحقيقة لا يعرف أنه لا يعرف.

وهذا النوع من الجهل قد يكون أخطر من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل يستطيع أن يتعلّم، أما من يظن أنه بلغ غاية المعرفة فقد يغلق على نفسه باب التعلمّ.

وليس العلم الحقيقي حفظ المعلومات أو ترديد الأقوال، وإنما القدرة على الفهم، وربط المعرفة بالواقع، والتمييز بين ما نعرفه وما نجهله، وبين ما هو ثابت وما يحتاج إلى مراجعة.

ثم يأتي الشباب.

وليس الشباب تهمة، ولا كل شابٍّ متهورا. ففي شبابنا من نشأ على الاستقامة وحسن الخلق وتحمّل المسؤولية، ومن استطاع أن يتجاوز ما في هذه المرحلة من اندفاع.

لكن الشباب بطبيعته مرحلة قوّة وحماس، وفيها قد يغلب الاندفاع الحكمة، وقد يبدو المستقبل طويلًـا إلى درجة تجعل الإنسان يتصرّف وكأنه لن يحاسب على شيء.

ثم تمرُّ السنوات.

ويكتشف الإنسان أن بعض القرارات التي اتخذها في لحظة قصيرة تركت آثارا بليغة.

وهناك المال والجاه والمنصب.

ولا المال شرّ في ذاته، ولا المنصب، ولا المكانة الاجتماعية. إنما المشكلة في الإنسان الذي لا يملك وعيا كافيا للتعامل معها.

فالمال في يد إنسان صالح قد يكون وسيلة للخير، وفي يد إنسان آخر قد يتحوّل إلى وسيلة للظلم والإفساد.

والمنصب يمكن أن يكون مسؤولية وخدمة للناس، كما يمكن أن يتحوّل إلى باب للغرور واستغلال النفوذ.

ليست المشكلة إذن في الأشياء وحدها، وإنما في الإنسان الذي يستخدمها.

ثم تأتي الصحبة.

ولعلّها من أكثر العوامل تأثيرا في شخصية الإنسان، خصوصا في سنوات التكوين.

فالمرء يتأثّر بمن يجالسهم، بما يسمعه منهم، وبما يعتاد رؤيته بينهم. وقد يبدأ الأمر بمجاراة بسيطة، ثم يتحوّل مع الوقت إلى سلوك، ثم يصبح السلوك عادة.

ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تحذّرنا الحِكم والأمثال من أثر الصحبة، وأن يقال: «الصاحب ساحب».

فالإنسان لا يعيش في فراغ، وإنما يتشكّل جزء من شخصيته من البيئة التي يعيش فيها والأشخاص الذين يسمح لهم بالاقتراب منه.

ويبقى الدِّن بالنسبة إلى المؤمن أحد أهم منابع الهداية والضبط الأخلاقي.

لكن الدِّين ليس مجرّد مظاهر خارجية، ولا ينحصر في الصلاة وحدها أو في بعض العادات التي قد يظن الإنسان أنها تكفي للحكم على استقامته.

الدِّين وعيٌ ومسؤولية وصدق وعدل ورحمة: – (بينَما كَلبٌ يُطيفُ برَكيَّةٍ، كادَ يَقتُلُه العَطَشُ، إذ رَأته بَغيٌّ مِن بَغايا بَني إسرائيلَ، فنَزَعَت مُوقَها فسَقَته، فغُفِرَ لها به) الحديث الشريف.

أن تخاف الله حين لا يراك أحد.. أن ترد الحق إلى صاحبه.. أن تكف أذاك عن الناس.. أن تعترف بخطئك.. أن تصلح ما أفسدته يدك متى استطعت.

وأن تعرف أن الإنسان مهما بلغ من القوة أو المال أو الجاه، يبقى عبدا ضعيفا محتاجا إلى رحمة الله.

ومن هنا فإن الابتعاد عن القيّم الدِّينية والأخلاقية قد يجعل الإنسان أكثر عرضة للانحراف، سيّما حين تجتمع معه صحبة سيّئة أو جهل أو اندفاع أو غياب للوعي.

علينا ألّـا نجعل الدِّين مجرّد أداة لإدانة الآخرين؛ فالإيمان الحقيقي يبدأ بمحاسبة النفس قبل محاسبة الناس.

ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان أنه لا يكتشف قيمة بعض الأشياء إلّـا بعد أن يفقدها.. ولا يعرف خطورة بعض الأخطاء إلا بعد أن يرى آثارها.. ولا يفهم بعض دروس الحياة إلا عندما يكون قد دفع ثمنها… وحين يتقدم العمر، وتقترب مرحلة الشيخوخة، يصبح الإنسان أكثر قدرة على رؤية الصورة كاملة. وتتراجع أوهام كثيرة، وتسقط أقنعة كثيرة، ويبدأ المرء في طرح أسئلة لم يكن يجد وقتا لطرحها من قبل:

ماذا فعلتُ في حياتي؟

من ظلمتُ؟

من أسأتُ إليه؟

وأين أخطأتُ؟

وماذا كان يمكن أن أفعل ولم أفعل؟

وقد تكون هذه الأسئلة قاسية، لكنها ضرورية.

فمراجعة النفس ليست ضعفا، والاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، والندم ليس عيبا.

العيب أن يعرف الإنسان خطأه ثم يصرُّ عليه.

والخسارة الحقيقية أن يمضي العمر كله دون أن يتعلمّ الانسان شيئا من أخطائه.

ومع ذلك، لا ينبغي للندم أن يتحوّل إلى سجن؛ هناك فرق كبير بين مراجعة النفس وجلد الذات.

الأولى تقود إلى الإصلاح، والثانية قد تقود إلى اليأس.

وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يمحو ما فعله بالأمس، فإنه يستطيع أن يجعل من ندمه بداية لشيء أفضل اليوم.

وهنا أتذكر قول الله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

هذه الآية لا تلغي مسؤولية الإنسان عن أخطائه، لكنها تفتح أمامه بابًا لا ينبغي أن يغلقه بنفسه: باب الأمل.

فمهما كان الماضي ثقيلًـا بأخطائه وسلبياته، تبقى رحمة الله أوسع.

ومهما كثرت الأخطاء، يبقى باب التوبة مفتوحا ما دام في العمر بقية.

فالماضي لا نستطيع استعادته، لكننا نستطيع أن نحوّله من عبءٍ يطاردنا إلى درس ينقذ ما تبقى منا.

وربما يكون أجمل ما في الندم أنه يخبرنا، رغم قسوته، بأن في داخلنا شيئا لم يمت بعد: ضميرا ما زال حيّا، وقلبا ما زال يعرف الفرق بين الخطأ والصواب، ونفسا ما زالت تبحث عن طريق العودة.

عرض ليبيا التواجد العسكري الاجنبي يعرقل وحدتها. .

إرسال التعليق