البرنامج السري العسكري الأمريكي لتطوير الطائرات

سيد نعوم

ملفات سرية | الطائرة التي ظنها الناس جسمًا فضائيًا
في أواخر سبعينيات القرن العشرين، بدأ سكان بعض المناطق القريبة من صحراء نيفادا الأمريكية يروون قصصًا غريبة. كانوا يشاهدون ليلًا طائرة سوداء ذات شكل غير مألوف، تتحرك بصمت نسبي وتبدو وكأنها بلا أجنحة تقليدية. انتشرت الشائعات سريعًا، واعتقد البعض أنهم شاهدوا مركبة فضائية، بينما ظن آخرون أن الحكومة الأمريكية تختبر سلاحًا لا يعرفه أحد.
في ذلك الوقت، لم يكن لدى الحكومة أي تعليق. بل إن وجود هذه الطائرة كان يُنكر رسميًا، ولم تكن هناك صور أو بيانات منشورة عنها. وكان هذا الصمت جزءًا من خطة مدروسة للحفاظ على سرية أحد أكثر برامج الطيران العسكري تقدمًا في العالم.
بدأ تطوير الطائرة في منتصف السبعينيات ضمن برنامج سري حمل اسم “Have Blue”. كان الهدف هو اختبار فكرة جديدة تمامًا: هل يمكن تصميم طائرة يصعب على أجهزة الرادار اكتشافها؟ اعتمد المهندسون على حسابات رياضية معقدة لتحديد زوايا الهيكل بحيث تعكس موجات الرادار بعيدًا عن مصدرها، بدلًا من إعادتها إليه. لذلك جاء شكل الطائرة مليئًا بالأسطح المستقيمة والزوايا الحادة، وهو تصميم بدا غريبًا مقارنة بأي مقاتلة معروفة في ذلك الوقت.
نجحت التجارب، فطُورت الفكرة إلى طائرة عمليات حقيقية عُرفت باسم F-117 Nighthawk. ورغم أن اسمها يبدأ بالحرف “F” الذي يُستخدم عادةً للمقاتلات، فإنها لم تكن مقاتلة جو-جو، بل صُممت أساسًا لتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف أرضية شديدة الأهمية مع تقليل احتمال اكتشافها.
كانت جميع الرحلات التجريبية تُجرى ليلًا داخل مناطق عسكرية مغلقة، أبرزها منطقة تونوباه في ولاية نيفادا. كان الطيارون والمهندسون يعملون تحت إجراءات أمنية مشددة، وكثير منهم لم يكن يعرف سوى الجزء الذي يعمل عليه من المشروع. وحتى العاملون في قواعد أخرى لم يكن يُسمح لهم بالاقتراب من الطائرة أو تصويرها.
لأكثر من عشر سنوات، لم تعترف وزارة الدفاع الأمريكية بوجود الطائرة. وخلال تلك الفترة، ساهمت مشاهداتها الليلية في انتشار عدد كبير من القصص عن الأجسام الطائرة المجهولة، خاصة أن شكلها لم يكن يشبه أي طائرة معروفة آنذاك.
في نوفمبر 1988، نشرت وزارة الدفاع أول صورة رسمية للطائرة، معلنة للمرة الأولى وجودها. كان ذلك اعترافًا نادرًا بمشروع ظل سريًا طوال سنوات، بعد أن أصبحت التكنولوجيا أقل حساسية مقارنة بوقت تطويرها.
لكن الشهرة الحقيقية للطائرة جاءت بعد ذلك بعامين، خلال حرب الخليج عام 1991. ورغم أنها شكّلت نسبة صغيرة من طائرات التحالف، فقد نُسب إليها تنفيذ عدد كبير من الضربات الدقيقة ضد مراكز القيادة والدفاعات الجوية العراقية في الساعات الأولى للحرب. وأثبتت أن تقنيات التخفي يمكن أن تمنح أفضلية كبيرة في العمليات العسكرية، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في تصميم الطائرات الحربية حول العالم.
ومن المعتقدات الشائعة أن F-117 كانت “غير مرئية” للرادار، لكن هذا غير دقيق. الحقيقة أنها لم تكن تختفي تمامًا، بل كانت تقلل بشكل كبير من المقطع الراداري، ما جعل اكتشافها وتتبعها أكثر صعوبة، خاصة عند دمج هذا التصميم مع الطيران الليلي والتخطيط الدقيق للمهمات.
اليوم لم تعد F-117 Nighthawk في الخدمة القتالية الرسمية بعد إحالتها إلى التقاعد عام 2008، لكن ظهورها المفاجئ في بعض الرحلات التدريبية خلال السنوات الأخيرة يذكر العالم بأن واحدة من أشهر الطائرات السرية في التاريخ ما زالت تحتفظ بجزء من غموضها حتى الآن.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك