العربية بين ضجيج الخصومة ورهانات الهوية

رشيد مصباح (فوزي)

*

ما إن يُطرح موضوع تعميم استعمال اللغة العربية في الجزائر حتى تنفجّر ضجّة صاخبة، تتجاوز حدود النقاش الموضوعي لتتحوّل إلى حملة تشويه ممنهجة. وهذه الضجّة ليست بريئة كما يحاول أصحابها إيهام الرأي العام؛ إذ تقف وراءها، في كثير من الأحيان، جهات معروفة بتوجّهاتها السياسية والفكرية وبحساسيتها المفرطة تجاه كل ما يرمز إلى هوية الجزائر العربية والإسلامية.

والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يعادي بعضهم اللّغة العربية، وهي لغة إنسانية كغيرها من اللّغات، فضلًـا عن مكانتها بوصفها لغة القرآن والوحي؟

إن هذا العداء لا يستند غالبا إلى حجج علمية أو تربوية رصينة، بل إلى خليط من الجهل، والعقد النفسية، والحسابات السياسية، والارتهان لخلفيات ثقافية وفكرية غريبة عن وجدان المجتمع الجزائري.

ولفهم هذه الظاهرة، ينبغي التمييز بين أسباب ذاتية وشخصية، وأخرى سياسية وثقافية وفكرية.

الأسباب الشخصية والذاتية:

يصدق على بعض المعترضين المثل القائل: «من جهل شيئًا عاداه». فهناك من لم تتح له فرصة تعلم العربية بصورة سليمة، بسبب ظروف تاريخية واجتماعية مختلفة، من بينها آثار الاستعمار، أو الغربة، أو الإقامة في بيئات لا تتوافر فيها مدارس تُعنى بتعليم اللغة العربية. لذلك يجد هؤلاء صعوبة في فهم مفرداتها واستيعاب قواعدها النحوية والإعرابية، فيتحوّل العجز عن التعامل معها إلى نفور منها، ثم إلى موقف عدائي تجاهها.

وهذا الصنف يمكن تفهّم موقفه، وإن كان الجهل لا ينبغي أن يتحوّل إلى مبرّر دائم لمعاداة اللغة أو الانتقاص من قيمتها.

الخلفيات الاستعمارية والسياسية:

لا يمكن فصل قضية اللغة في الجزائر عن تاريخ استعماري طويل سعى، على مدى أكثر من قرن، إلى اقتلاع العربية من ألسنة الجزائريين، وإضعاف الدِّين في نفوسهم، وفرض الفرنسية باعتبارها لغة الإدارة والتعليم والنخبة. وقد عمل الاستعمار على تهميش العربية ومنعها من أداء دورها الطبيعي في المدارس والمؤسسات، ضمن سياسة واضحة لتفكيك الشخصية الجزائرية وقطع صلتها بهويتها.

ومن المؤسف أن بعض الأصوات لا تزال تكرّر، بصورة واعية أو غير واعية، الدور نفسه الذي خدم المشروع الاستعماري؛ فهي تنظر إلى العربية بوصفها خطرا، لا لأنها عاجزة عن مواكبة العصر، بل لأنها تمثّل ذاكرة المجتمع ولسانه الحضاري ووعاء دينه وثقافته.

تيار الفرانكو علمانية:

أما الفئة الأكثر حدّة في عدائها للعربية، فهي تلك التي ارتبطت تاريخيا وثقافيا بمراكز نفوذ فرنسية، رسمية وغير رسمية، وظلّت تنظر إلى المجتمع الجزائري العربي المسلم بعين الوصاية والاحتقار. وهذه الفئة لا تكتفي بالدفاع عن الفرنسية بوصفها لغة أجنبية، بل تسعى إلى تحويلها إلى أداة للهيمنة الرمزية، وإلى جعل العربية غريبة في وطنها.

ويظهر بعض أفراد هذا التيار داخل دوائر الإدارة والثقافة والإعلام والسياسة، حيث يمارسون تأثيرا يتجاوز حجمهم الحقيقي، ويدفعون باتجاه قرارات تُضعف العربية وتُبقي مؤسّسات الدولة رهينة لنزعة لغوية غربية مستوردة. إنهم لا يدافعون عن التعدّد اللغوي بقدر ما يوظّفون هذا الشعار لتبرير إقصاء العربية، وكأن احترام اللّغات الأخرى لا يتحقّق إلا بإهانة اللّغة الوطنية.

والأخطر من ذلك أن بعض المتطرّفين في هذا الاتّجاه يخلطون عمدًا بين العربية والإسلام، فيحاربون الأولى لأنها تذكّر بالثاني، ثم يحاربون الإسلام بوصفه مكوّنًا أصيلًـا من هوية الشعب الجزائري، سعيًا إلى فرض نموذج علماني متطرّف لا يراعي خصوصية المجتمع ولا تاريخه ولا اختياراته الحضارية.

وقد أشرف الحاكم العام الفرنسي على احتفالات الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر عام 1930، وألقى خطابا يؤكّد فيه بقاء فرنسا في الجزائر و إلى الأبد. وقال حينها مقولته الشهيرة: ”إنّنا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتحدثون العربية، فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم“.

وقد ارتبط هذا التيار، بحسب منتقديه، بمواقف سياسية بالغة الخطورة خلال تسعينيات القرن الماضي، حين أسهمت حسابات الإقصاء والصدام في تعميق الأزمة الوطنية وتأجيج ما عُرف بالعشرية السوداء.

إن الدفاع عن العربية لا يعني معاداة الفرنسية أو غيرها من اللغات، كما أن المطالبة بتعميمها لا تعني إلغاء التعدّد اللغوي. القضية ببساطة هي أن تكون العربية لغة الدولة والتعليم والإدارة والثقافة، وأن تُعامل بوصفها لغة وطنية رسمية في وطنها، لا بوصفها ضيفًا ثقيلًـا يُسمح له بالحضور متى شاءت النخب المرتبطة بالخارج.

فاللّغة العربية ليست عائقًا أمام التقدّم، وإنما العائق الحقيقي هو عقلية التبعية التي ترى في الجزائر سوقًا للمنتجات الأجنبية، ولا ترى في أبنائها إلّـا تابعين ثقافيًا.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك