لماذا يعارض بعضهم الإسلام؟
رشيد مصباح (فوزي)
رغم ما يعيشه العالم الإسلامي، منذ عقود، من ضعف سياسي وعسكري وتشتّت داخلي، لا يزال الإسلام نفسه محلّ جدل ومعارضة في كثير من الأوساط الفكرية والإعلامية والسياسية. فإذا كان المسلمون اليوم لا يمثّلون القوة التي كانوا عليها في مراحل سابقة من التاريخ، فلماذا يستمر الهجوم على الإسلام بهذه الحدّة؟
يرى كثير من المسلمين أن الخصومة ليست موجّهة إلى المسلمين بقدر ما هي موجّهة إلى الإسلام نفسه، باعتباره منظومة عقدية وأخلاقية وتشريعية تحمل تصوّرا للإنسان والمجتمع يختلف، في جوهره، عن كثير من الأسس التي تقوم عليها الحضارة المادية المعاصرة.
فالإسلام، في نظر المؤمنين به، بدأ بتحرير الإنسان من عبودية الإنسان، فلم يجعل السيادة المطلقة إلا لله وحده، ورفض أن يتحوّل البشر إلى أدوات في خدمة المصالح الاقتصادية أو السياسية أو الأيديولوجية. فالإنسان في الإسلام مكرّم لذاته، وليس سلعة تُباع وتُشترى، ولا وسيلة لتحقيق الأرباح مهما كانت الذرائع. ولذلك يرى كثير من المسلمين أن هذا التصور يصطدم مع كل منظومة تجعل المنفعة المادية فوق كرامة الإنسان.
كما يدعو الإسلام إلى حياة تقوم على الاعتدال، وإلى الانتفاع بما سخّره الله في الطبيعة من أسباب الرزق والشفاء، مع الأخذ بكل علاج ثبتت سلامته وفعاليته. ويرى مؤمنون أن هذه النظرة تختلف عن منطق اقتصادي قد تتحوّل فيه الصحة، أحيانا، إلى سوق تحكمها اعتبارات الربح أكثر مما تحكمها مصلحة الإنسان.
كما يحرّم الإسلام الخمر وكل ما يغيّب العقل من المخدّرات والمهلوسات، لأن العقل هو مناط التكليف، وأعظم ما يميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات. ويرى كثير من المسلمين أن هذا التحريم لا يهدف فقط إلى حماية الفرد من الإدمان، بل إلى حماية الأسرة والمجتمع من الآثار الصحية والنفسية والاقتصادية المدمّرة لهذه الآفات. ومن هذا المنطلق، يعتقدون أن هذا الموقف يتعارض مع مصالح صناعات وتجارات عالمية تدرّ مليارات الدولارات سنويا من تجارة المشروبات الكحولية والمواد المخدّرة، المشروعة منها وغير المشروعة، وهو ما يجعل القيم الإسلامية في هذا المجال على طرف نقيض من منطق السوق والربح.
ويقدّم الإسلام كذلك تصوّرا خاصّا لمكانة المرأة؛ فهي الأم والمربية والزوجة والابنة، لها كرامتها وحقوقها، ويُنظر إلى الحياء والحشمة باعتبارهما جزءا من صون هذه الكرامة وحماية الأسرة. وفي المقابل، ينتقد كثير من المسلمين بعض المظاهر الثقافية والإعلامية التي يرون أنها تختزل المرأة في بعدها الجسدي، وتحوّل صورتها إلى وسيلة للتسويق والإعلان، بما يفقدها كثيرا من إنسانيتها.
وفي المجال الاقتصادي، يحرّم الإسلام الربا، ويجعل الزكاة حقا معلوما للفقراء والمحتاجين والغارمين وغيرهم، بما يرسّخ مبدأ التكافل والتضامن الاجتماعي. ويرى المؤمنون أن هذا التصور يختلف عن النظام المالي السائد، الذي أصبحت فيه الفائدة المصرفية إحدى ركائزه الأساسية، وهو ما يخلق اختلافا جوهريا في الرؤية إلى المال ووظيفته داخل المجتمع.
كما يجعل الإسلام العدل قيمة عليا لا يجوز التفريط فيها، ويحرّم الظلم والطغيان والاستبداد، سواء كان ظلم فرد لفرد، أو جماعة لجماعة، أو دولة لشعبها، أو أمة لأمة أخرى. فالعدل، في التصور الإسلامي، مبدأ ثابت لا يخضع لموازين القوة، ولا يتبدّل بتبدّل المصالح. ولذلك يرى كثير من المسلمين أن ما يشهده العالم اليوم من ازدواجية في المعايير، ومن تغوّل بعض القوى على الشعوب الضعيفة، واستباحة حقوقها وأراضيها ومقدّراتها، يتناقض مع هذا المبدأ.
ومن هذا المنطلق، يعتقد كثير من المسلمين أن سبب الاعتراض على الإسلام لا يكمن في شعائره التعبدية فحسب، وإنما في كونه يقدّم منظومة متكاملة من القيم والمبادئ والأحكام، تنطلق من مرجعية الوحي، وتطرح بديلا أخلاقيا وتشريعيا يختلف عن المرجعيات الوضعية السائدة.
وفي المقابل، يرى منتقدو الإسلام أن اعتراضهم لا يعود إلى هذه المبادئ في ذاتها، بل إلى بعض التأويلات أو التطبيقات التي يرون أنها لا تنسجم مع تصوراتهم للدولة الحديثة، وحقوق الإنسان، والحريات الفردية. ومن هنا يستمر الجدل بين رؤيتين مختلفتين لمصدر القيم والتشريع: رؤية تجعل الوحي مرجعها الأعلى، وأخرى تجعل الإنسان والعقل والتجربة التاريخية المرجعية النهائية.
ولهذا، فإن أي حوار جاد حول الإسلام لا ينبغي أن يقوم على الاتهامات المتبادلة أو الصور النمطية، وإنما على فهم حقيقي لمبادئه، وعلى مناقشة أفكاره بموضوعية واحترام، لأن نقد أي منظومة فكرية لا يكون برفضها مسبقا، وإنما بفهمها فهما صحيحا قبل الحكم عليها.


إرسال التعليق