بعد الانسحاب الأمريكي من يهدد كوردستان؟

د. محمود عباس

بعد الانسحاب الأمريكي من يهدد كوردستان؟

ما يجري في أربيل ليس مجرد نقل معدات أو تبديل مواقع عسكرية. الولايات المتحدة تسحب القسم الأكبر من قواتها الثقيلة، وتزيل منظومات الباتريوت التي شكّلت طوال السنوات الماضية جزءًا مهمًا من المظلة الدفاعية حول مواقعها في إقليم كوردستان. وفي الوقت نفسه تتراجع القوات البريطانية والفرنسية والألمانية بدرجات متفاوتة.

السؤال إذن ليس، هل غادرت بطارية باتريوت مطار أربيل؟ بل: هل نحن أمام بداية خروج أمريكي من كوردستان، أم أمام تغيير جذري في شكل الوجود الأمريكي؟ وما الذي سيتركه ذلك للكورد؟

بحسب ما أمكن التحقق منه حتى 2 آب/أغسطس 2026، هناك تحول مهم فعلًا في الوجود العسكري الأمريكي في الإقليم. لكنني أميز بين إنهاء القواعد العسكرية الكبيرة والوجود العلني المباشر، وبين خروج الولايات المتحدة أمنيًا وعسكريًا واستخباراتيًا من العراق وكوردستان نهائيًا. والأمران ليسا مترادفين.

فالقرار لم يولد مع الحرب الحالية مع إيران. ففي 14 تموز/يوليو أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث لرئيس الوزراء العراقي أن واشنطن ماضية في إنهاء مهمة Operation Inherent Resolve بحلول 30 أيلول/سبتمبر 2026. أي إن مسار الانسحاب من الصيغة العسكرية القديمة كان مقررًا قبل موجة السحب الأخيرة.

لكن الحرب مع إيران، في تقديري، سرّعت التنفيذ وغيّرت حساباته.

فإقليم كوردستان، بسبب موقعه القريب من إيران ووجود قواعد ومصالح أمريكية فيه، أصبح إحدى أكثر ساحات الوجود الأمريكي تعرضًا للصواريخ والمسيّرات الإيرانية والميليشياوية. وبذلك لم تعد القواعد الكبيرة مجرد أداة قوة، بل تحولت أيضًا إلى أهداف ثابتة ومكلفة تحتاج إلى منظومات دفاعية ضخمة لحمايتها.

لماذا تسحب أمريكا الباتريوت؟

أرى أن هناك خمسة عوامل متداخلة:

أولًا:

انتهاء المهمة القديمة للتحالف.
الباتريوت لم يُنشر أصلًا ليكون جيش دفاع جوي دائم لإقليم كوردستان، بل لحماية القوات والمنشآت الأمريكية وقوات التحالف. ومع تقلص تلك القوات، تصبح واشنطن أقل استعدادًا لإبقاء منظومات ثقيلة ومكلفة في موقع تتراجع أهميته العسكرية المباشرة بالنسبة إليها.

ثانيًا:

الحرب الإيرانية أعادت ترتيب الأولويات الأمريكية.
المواجهة الحالية تستهلك كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية، وتجبر واشنطن على إعادة توزيع دفاعاتها الجوية وفق الجبهات الأكثر أهمية وخطورة. وبالتالي فإن سحب الباتريوت من أربيل لا يعني بالضرورة تراجعًا أمريكيًا أمام إيران؛ قد يعني العكس تمامًا: نقل أدوات القوة إلى المكان الذي تريد واشنطن خوض المواجهة فيه، بدل إبقائها لحماية قواعد أصبحت أهدافًا مكشوفة.

ثالثًا:

تقليص الأهداف التي تستطيع إيران ضربها.
كل قاعدة أمريكية معلنة، وكل بطارية باتريوت ضخمة، تجعل كوردستان جزءًا مباشرًا من الحرب الأمريكية–الإيرانية. وتقليص البصمة العسكرية الأمريكية يقلل عدد الأهداف الثابتة التي تستطيع طهران أو الميليشيات التابعة لها مهاجمتها، وقد يخفف في الوقت نفسه من تحويل أربيل إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الطرفين.

رابعًا:

بغداد تريد إنهاء الصيغة القديمة للوجود الأمريكي.
الحكومة العراقية تريد انتهاء وجود قوات التحالف بشكله الحالي، لكنها لا تريد إنهاء العلاقة العسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة. وهنا تكمن المفارقة: بغداد تطالب بخروج القوات الأجنبية، لكنها في الوقت نفسه تصف واشنطن بأنها شريك استراتيجي وتريد استمرار التعاون الدفاعي معها.

بمعنى آخر، المطلوب ليس بالضرورة إخراج أمريكا من العراق، بل إخراج الشكل القديم لوجودها العسكري واستبداله بعلاقة أمنية جديدة.

خامسًا:

إيران والميليشيات رفعتا كلفة البقاء.
لا يمكن تجاهل هذا العامل. القوات والمصالح الأمريكية تعرضت لمئات الهجمات خلال الأشهر الماضية، ومن الطبيعي أن تدخل هذه الكلفة في الحساب العسكري الأمريكي. القاعدة التي تحتاج إلى منظومات باتريوت وقوات حماية كبيرة لكي تبقى، قد تصبح أقل فائدة من وجود أصغر وأخف وأكثر حركة.

1- هل تخرج أمريكا من كوردستان؟

هنا أختلف مع القراءة المتسرعة التي تعتبر سحب القوات والباتريوت إعلانًا عن نهاية الدور الأمريكي.

الأرجح أن القواعد الكبيرة والوجود النظامي العلني المرتبط بعملية Inherent Resolve سينتهي أو يتقلص بشدة حتى 30 أيلول/سبتمبر.

لكن انتهاء القاعدة لا يعني انتهاء أمريكا.

التصور الأمريكي للمرحلة التالية يتحدث عن استمرار مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون مع القوات العراقية والبيشمركة، وإمكان وجود أمريكي دوري أو مرحلي من دون قواعد دائمة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

واشنطن قد تنتقل من نموذج:
قواعد كبيرة + آلاف الجنود + باتريوت + وجود معلن

إلى نموذج آخر:
استخبارات + مستشارون + تعاون عسكري + قوات محدودة عند الحاجة + قدرات جوية وبعيدة المدى.

أي إن ما نشهده قد يكون تغييرًا في شكل الوجود الأمريكي أكثر من كونه نهاية للدور الأمريكي.

وحتى الآن لا توجد أدلة موثوقة تسمح بالقول إن واشنطن عقدت صفقة سرية مع طهران للخروج من كوردستان. مثل هذا الاستنتاج مغرٍ سياسيًا، لكنه يحتاج إلى دليل.

الأكثر واقعية أن إيران استطاعت، بالصواريخ والمسيّرات والميليشيات والنفوذ داخل بغداد، أن تجعل كلفة الوجود الأمريكي الكبير أعلى بكثير، فيما تحاول واشنطن في المقابل فرض معادلة مختلفة على الحكومة العراقية: إذا انتهى وجود قوات التحالف، فيجب أن تنتهي أيضًا ذريعة «مقاومة الاحتلال»، وأن تصبح أسلحة الميليشيات تحت سلطة الدولة.

2- ومن سيملأ الفراغ؟ الحشد والفصائل المرتبطة بإيران

هنا قد تبدأ المشكلة الأصعب بعد انسحاب القوات الأمريكية.

لا أعتقد أن خروج القوات الأمريكية سيؤدي تلقائيًا إلى انتهاء الفصائل المرتبطة بإيران. على العكس، نحن أمام صراع سيشتد داخل العراق حول مستقبل هذه القوى: هل تُنزَع أسلحتها، أم تُدمج فعليًا في مؤسسات الدولة، أم تغيّر أسماءها وأشكالها وتبقى قوتها العسكرية والسياسية كما هي؟

واشنطن تضغط بوضوح باتجاه نزع سلاح الفصائل الخارجة عن سلطة الدولة، وبعض القوى أبدت استعدادًا للتسوية أو الاندماج، بينما ما تزال الفصائل الأكثر ارتباطًا بطهران ترفض تسليم سلاحها، وبعضها ربط ذلك أصلًا بخروج القوات الأمريكية من العراق. ومع انتهاء الوجود الأمريكي بصيغته الحالية، ستسقط إحدى أهم الذرائع التي استخدمتها هذه القوى تحت عنوان «مقاومة الاحتلال»، وسيصبح السؤال أكثر إحراجًا لها: لمن يبقى هذا السلاح، وضد من سيُستخدم؟

3- وهنا تكمن الخطورة بالنسبة إلى كوردستان.

فإذا لم تستطع بغداد فرض حصر السلاح بيد الدولة، فقد تجد بعض هذه الفصائل نفسها تبحث عن أدوار وأهداف جديدة للحفاظ على نفوذها. وكوردستان، بما تمثله سياسيًا وجغرافيًا وعلاقتها بالولايات المتحدة والغرب، وبسبب الخلافات حول المناطق المتنازع عليها والنفط والحدود، قد تصبح إحدى ساحات الضغط.

ولا أتوقع بالضرورة حربًا مباشرة بين الحشد وإقليم كوردستان؛ الأخطر قد يكون حرب الاستنزاف: مسيّرات، صواريخ محدودة، تهديد المنشآت النفطية والمطارات، ضغط في المناطق المتنازع عليها، ومحاولات استخدام بغداد سياسيًا واقتصاديًا لتقليص هامش القرار الكوردي.

وهنا تظهر مفارقة خطرة: خروج القوات الأمريكية قد يقلل ذريعة مهاجمة كوردستان بسبب وجود الأمريكيين، لكنه في الوقت نفسه يزيل جزءًا من قوة الردع التي كانت تحدّ من تمادي تلك الفصائل.

لذلك فإن مستقبل كوردستان بعد الانسحاب لن يتحدد فقط بما تفعله واشنطن، بل أيضًا بما إذا كانت الدولة العراقية ستنجح فعلًا في تحويل الحشد إلى قوة خاضعة لقرارها، أم أن بعض فصائله ستبقى جيشًا موازيًا مرتبطًا بحسابات طهران.

وفي تقديري، هذه هي المعركة العراقية الحقيقية بعد 30 أيلول: ليست إخراج الأمريكيين، بل معرفة من سيحكم السلاح بعد خروجهم. وإذا فشلت بغداد في ذلك، فقد يكون إقليم كوردستان أول من يشعر بنتائج الفراغ.

4- لكن أين الكورد من كل ذلك؟

هذه، في رأيي، هي القضية الأخطر.

أمريكا تستطيع نقل جنودها وباتريوتها إلى مكان آخر خلال أيام. أما كوردستان فتبقى في مكانها، على حدود إيران، وبين شبكة من الميليشيات والصراعات الإقليمية.

والباتريوت الأمريكي، رغم أنه لم يُنشر رسميًا للدفاع عن إقليم كوردستان، كان يوفر عمليًا مظلة دفاعية مهمة لمطار أربيل والمنشآت المحيطة وجزء من المجال الحيوي للإقليم.

عندما ترحل هذه المنظومات، يظهر السؤال الذي كان مؤجلًا طوال سنوات:

5- من سيدافع عن سماء كوردستان؟

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، لا في عدد الجنود الأمريكيين.

إذا كانت واشنطن تنتقل من الحماية العسكرية المباشرة إلى علاقة أمنية أخف، فعلى أربيل أن تدرك أن المرحلة القادمة مختلفة تمامًا. ولا يجوز أن يبقى إقليم كوردستان، بعد كل ما تعرض له من صواريخ ومسيّرات، بلا منظومة دفاع جوي حقيقية، ولا قدرات كافية للإنذار المبكر واعتراض المسيّرات والصواريخ.

ولهذا يجب أن يكون أحد أهم مطالب القيادة الكوردستانية في المرحلة المقبلة هو الحصول، بالتنسيق مع بغداد وبدعم أمريكي وغربي، على منظومة دفاع جوي قادرة على حماية الإقليم، مع تطوير قدرات البيشمركة في الدفاع الجوي والاستخبارات والرصد المبكر.

فالتحول الذي يجري اليوم قد يكون أخطر من مجرد انسحاب قاعدة.

أمريكا لا تبدو حتى الآن وكأنها تتخلى عن كوردستان سياسيًا، لكنها تتراجع عن نموذج حمايتها بوجود عسكري أمريكي كثيف، وتدفع أربيل وبغداد لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهما.

وهذا يعني أن السؤال الكوردي لم يعد:

6- هل ستبقى أمريكا؟

بل أصبح:

إذا غيّرت أمريكا شكل وجودها، هل أعددنا نحن أنفسنا لما بعد الباتريوت والقواعد الأمريكية؟

وفي تقديري، خروج القواعد والقوات النظامية الأمريكية الكبرى بصورتها الحالية حتى نهاية أيلول احتمال مرتفع جدًا. أما انتهاء الدور الأمني والاستخباراتي والعسكري الأمريكي في العراق وكوردستان بالكامل، فأراه أقل احتمالًا بكثير.

نحن، على الأرجح، أمام إعادة تموضع أمريكية لا مغادرة أمريكية للمنطقة.

ويبقى بالنسبة للكورد السؤال الأكثر إلحاحًا:

من سيملأ الفراغ الذي تتركه المظلة العسكرية الأمريكية عندما تُطوى فوق أربيل؟

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك