المارد الصبور يخرج عن صمته: هل انتهى عصر “الضبط الاستراتيجي” الإيراني؟
المارد الصبور يخرج عن صمته: هل انتهى عصر “الضبط الاستراتيجي” الإيراني؟
حيدر حسين سويري
تاريخياً،ُعرفت السياسة الخارجية الإيرانية بقدرتها العالية على إدارة الأزمات بأسلوب “حياكة السجاد”؛
صبر طويل، نفس استراتيجي، ولغة ديبلوماسية غامضة تحسب خطواتها بميزان الذهب. لكن المشهد اليوم
يمر بإنعطافة غير مسبوقة. تصريحات أمنية وعسكرية متلاحقة خرجت من طهران بلغة شديدة النبرة، لغة لم
تعهدها الأدبيات السياسية الإيرانية من قبل، وكأنها تعلن نهاية مرحلة الصبر الاستراتيجي والدخول في
مرحلة المواجهة المباشرة والكبرى.
ثلاث رسائل حاسمة تقلب قواعد اللعبة
لم تكن التصريحات الأخيرة مجرد مناورات كلامية، بل رسمت خطوطاً حمراء جديدة بخط عريض، واستهدفت
أكثر من طرف في آن واحد:
- الوعيد العنيف للداخل الأمريكي:
جاء التصريح الأول بمثابة صدمة لأروقة القرار في واشنطن؛ حيث حذرت إيران من أن الولايات المتحدة
“ستشهد ضربة لم تشهد مثلها في تاريخ الحروب، ضربة تستدعي الحداد العام في الداخل الأمريكي”. هذا
الخطاب الوجودي يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية ويعكس استعداداً لمستوى غير مسبوق من المواجهة. - إنذار إقليمي لـ 11 دولة:
في رسالة حازمة وجريئة لمحيطها الإقليمي، وجهت طهران تحذيراً مباشرًا لـ 11 دولة في الشرق
الأوسط. من مغبة إيواء جنود أمريكيين أو تقديم أراضيها وقواعدها كمنطلق لأي عمل عدائي ضد إيران،
مؤكدة أن أي جغرافية تستضيف تهديداً ستكون هدفاً مشروعاً ومباشراً. - معادلة البحر والأزمة الأوكرانية:
لم تغفل طهران التحركات على الساحة الدولية، حيث وجّهت رسالة شديدة اللهجة إلى كييف عقب
استهداف سفينة إيرانية، مؤكدة أن “ضرب أوكرانيا لسفينة إيرانية أمر لا يمكن أن يمر دون رد حاسم”، مما
يوسع دائرة الردع الإيراني لتشمل مسار الصراع الإقليمي والدولي المتشابك.
توسيع دائرة التهديد (بريطانيا والشركاء):
ولم تتوقف التحذيرات عند واشنطن؛ بل امتدت لتشمل لندن والأطراف الغربية، حيث حذرت إيران بريطانيا
بوضوح من أن أي تدخل في الحرب لصالح الولايات المتحدة سيجعلها — وأي دولة أخرى تسلك مسارها —
في مرمى النيران الإيرانية المباشرة.
ما بعد الصواريخ والمسيرات: مفاجآت “المارد”
عقب سنوات من التحليلات الغربية التي كانت تتوقع أن حدود الرد الإيراني تقف عند الصواريخ الباليستية
والطائرات المسيرة، يبدو أن ما كانت تخشاه واشنطن وتل أبيب قد وقع بالفعل. حيث تؤكد التصريحات أن
المسألة لم تعد تقتصر على الأدوات التقليدية للردع الإقليمي؛ بل تتأهب طهران للكشف عن أسلحة نوعية غير معلنة تُخرج للعلن قدرات قادرة على تمزيق الحسابات الأمريكية وإعادة تشكيل موازين القوى في
المنطقة، في تهديد مباشر يستهدف أمن الكيان الصهيوني ووجوده العسكري.
بقي شيء…
إننا اليوم أمام قراءة جديدة لخريطة الصراع في الشرق الأوسط. لغة الحزم والوعيد المطلق التي تبنتها
طهران تشير إلى أن قواعد التدافع القديمة قد انتهت إلى غير رجعة. المنطقة تقف على أعتاب مرحلة تاريخية
حاسمة، وأشواط جديدة تُدار بجرأة غير مسبوقة، في مشهد يرسم ملامح معادلة إقليمية جديدة كلياً.



إرسال التعليق