بالأخلاق ينتصر الإسلام.. لا بالقوّة
بالأخلاق ينتصر الإسلام.. لا بالقوّة
رشيد مصباح (فوزي)
لن ينتصر الإسلام بالقوّة النوويّة، ولا بالعمليات الإرهابية، ولا بالشّعارات الصاخبة التي تُرفع باسم الدين. إنما ينتصر الإسلام بالأخلاق الحسنة وبالكلمة الطيّبة، كما انتصر في بدايته الأولى. لقد كان الصدق والأمانة من أهم الأسباب التي جعلت الناس يقبلون على هذا الدين، وكان خُلُق الرسول الأعظم الكريم هو الذي سكن قلوبهم، لا نسبه إلى بني هاشم ولا انتماؤه إلى قريش.
”من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه“.
ولن يصلح آخر هذه الأمة إلّـا بما صلح به أولها. وقد نُسب إلى عليٍّ رضي الله عنه قوله:
كن ابن من شئت واكتسب أدبًا
يغنيك محموده عن كل طلب
فالانتماء إلى بلد أو قبيلة أو جماعة، والانتساب إلى جهة مهما بلغت مكانتها، لا يساوي شيئا إذا كان الإنسان فاقدا للأخلاق والمروءة والشهامة. قيمة الإنسان في عمله وخلقه، لا في الشعارات التي يرفعها ولا في الأسماء التي ينتسب إليها.
اليوم تعيش الأمة الإسلامية حالة غير مسبوقة من التفرّق والتمزّق. وقد لعبت المذهبية السياسية دورا خطيرا في تعميق هذه الانقسامات وإشعال العداوات بين شعوب يفترض أن يجمعها دين واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة. وقد استغلّ أعداء الأمة هذا الشرخ فدخلوا منه إلى جسدها، فغزوها فكريّا وسياسيّا وعسكريّا، حتى أصبحت كثير من المجتمعات الإسلامية منسلخة عن ثقافتها الأصيلة، ذائبة في ثقافة غيرها، فاقدة لثقتها بنفسها.
إن أمةً تُبنى ثقافة بعض تياراتها على سبّ الصحابة -رضي الله عنهم- ولعْنِهم، ثم تزعم أنها تدافع عن آل البيت، أمة تعيش تناقضا أخلاقيّا وتاريخيّا لا يمكن أن يقود إلى وحدة حقيقية. فهذه الممارسات لم تكن يوما طريقا للإصلاح، بل كانت أحد أهم أسباب تمزيق الصف الإسلامي وإحياء الأحقاد التاريخية.
والأخطر من ذلك أن بعض المسلمين اليوم يراهنون على أنظمة سياسية بعينها باعتبارها ممثّلًـا للإسلام في مواجهة خصومه. ومن أبرز هذه الأمثلة ”نظام ولاية الفقيه في إيران“، الذي يقدّمه أنصاره باعتباره رأس حربة في مواجهة إسرائيل والغرب. غير أن الوقائع على الأرض تروي قصة مختلفة تماما.
فهذا النظام تورّط في صراعات دامية داخل العالم الإسلامي، وارتبط اسمه بتأجيج النزاعات الطائفية في أكثر من بلد. كما أن التاريخ القريب يسجّل بوضوح ”فضيحة “إيران–چيت“ التي كشفت التعاون العسكري السري بين إيران وإسرائيل بوساطة أمريكية، حيث زُوّد النظام الإيراني بالأسلحة رغم شعارات العداء المعلنة.
وفي الوقت نفسه لعبت إيران أدوارا مباشرة أو غير مباشرة في صراعات إقليمية معقّدة في ”العراق وسوريا ولبنان واليمن“، وهي صراعات لم تؤدِّ إلّـا إلى مزيد من الدم والدمار والانقسام داخل المجتمعات الإسلامية.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة صارخة: شعارات كبرى تُرفع باسم مقاومة العدو، بينما الوقائع تكشف شبكة معقّدة من الصراعات والمصالح والتحالفات المتناقضة. وفي نهاية المطاف تتحول بعض الأنظمة إلى ”أوراق وظيفية في صراعات القوى الكبرى“؛ تُستخدم حين تخدم المصالح، ثم يجري الاستغناء عنها عندما تنتهي مهمتها.
إن نهضة الأمة تأتي من الرهان على الأخلاق، والعدل، والصدق، والعودة إلى الأساس الذي قام عليه الإسلام أول مرة، من دون ذلك سيبقى المسلمون وقودا لصراعات الآخرين، بدل أن يكونوا أصحاب مشروع حضاري يجمعهم ويقودهم إلى المستقبل.
خطاب مفتوح إلى أنصار المراهنة على إيران
إلى الذين يرون في إيران قلعة الإسلام الأخيرة،
إلى الذين يختزلون مصير الأمة في انتصار نظامٍ سياسي على خصومه،
الإسلام لم ينتصر يوما بدولة، ولا بسلالة، ولا بمذهب مسيّس. انتصر حين كان خُلقا قبل أن يكون سلطة وشعارا. لم يفتح القلوب بسطوة السلاح، بل بسطوة الكلمة الطيّبة والخلق الكريم.
حين تجعلون من نظام ولاية الفقيه في إيران ممثّلًـا حصريّا للإسلام في مواجهة إسرائيل والغرب، فإنكم تختزلون دينا عالميّا في تجربة بشرية محكومة بحسابات القوة والمصلحة والتحالفات المتغيّرة.
التاريخ القريب لا يُمحى بالشعارات.
فضيحة ”إيران–چيت“ كشفت تنسيقا عسكريّا بين إيران وإسرائيل بوساطة أمريكية، في الوقت الذي كانت فيه المنابر تضجّ بخطاب العداء المطلق: الموت لإسرائيل وأمريكا ”الشيطان الأكبر“
والتدخلات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن عمّقت الانقسام، ولم تنتج وحدة إسلامية.
فهل يجوز أن نحوّل صراع نفوذ إقليمي إلى معركة عقيدة؟
- وهل كل من يرفع شعار “المقاومة” يصبح تلقائيّا ممّثلًـا للإسلام؟
- وهل تُقاس نصرة الدين بعدد الصواريخ، أم بعدد القلوب التي توحّدت؟
الإسلام أكبر من أن يُختزل في محور أو نظام.
وأخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نربط قدسية الدِّين بتقلّبات نظام سياسيّ، يتفاوض حين تقتضي المصلحة، ويتحالف حين تفرض الضرورة، ويعيد تموضعه حين تتغير موازين القوى.
أنتم تراهنون على انتصار نظام.
- لكن ماذا لو انتصر النظام وخسرت الأمة؟
- ماذا لو تبدّلت التحالفات غدا كما تبدّلت بالأمس، وبقي المسلمون وحدهم يدفعون الثمن؟
إن الله تعالى يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
التغيير لا يبدأ من طهران ولا من واشنطن، بل من إصلاح الداخل: من تجريم التحريض الطائفي أيّا كان مصدره، من وقف نزيف الدم بين المسلمين، من تقديم الأخلاق على الأيديولوجيا، ومن الاعتراف بأن صراعات اليوم سياسيّة بقدر ما هي مذهبية.
ويقول تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
لقد ذهب كثيرٌ من ريح الأمة بسبب نزاعاتها الداخلية، لا بسبب قوّة خصومها فحسب. إن كنتم تريدون نصرة الإسلام حقّا، فابدؤوا بما بدأ به: بالصدق والعدل، وحرمة الدماء، ووحدة الصف. لا بالشّعارات المزيّفة.
هذه دعوة لعدم تحويل الدين إلى مظلّة لصراعات سياسيّة متقلّبة.
فراجعوا الرهان.. قبل أن يتحوّل إلى قيد جديد في سلسلة أخطاء دفعت الأمة ثمنها طويلًـا.



إرسال التعليق