57 عاماً من الواقعية الثورية: الجبهة الديمقراطية ومسار الحضور المتجدد في المشروع الوطني الفلسطيني
وسام زغبر
كاتب صحفي وعضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
في الذكرى السابعة والخمسين لانطلاقة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، يتجدد سؤال جوهري في النقاش الوطني الفلسطيني: ما الذي مكّن هذا الفصيل اليساري العريق من الحفاظ على موقعه في قلب الحركة الوطنية، رغم العواصف السياسية، والانقسامات الداخلية، وتحولات الإقليم والعالم؟
الإجابة لا تختصر في حدث بعينه، بل تتجلى في معادلة جمعت بين الواقعية السياسية والصلابة النضالية، وبين الكفاح الميداني والعمل الجماهيري، ضمن رؤية سعت باستمرار إلى التوفيق بين الحقوق الوطنية ومتطلبات اللحظة التاريخية.
من التأسيس إلى بلورة الرؤية السياسية
تأسست الجبهة الديمقراطية في 22 شباط/فبراير 1969، في سياق عربي وفلسطيني اتسم بالغليان والتحولات العميقة. لم تكن مجرد إضافة تنظيمية إلى خريطة الفصائل، بل شكلت محاولة لإعادة صياغة مفهوم النضال الفلسطيني من منظور يساري ديمقراطي يربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي والاقتصادي.
وبرزت مبكراً بطرحها السياسي الجريء، خصوصاً عبر برنامجها المرحلي عام 1974، الذي دعا إلى إقامة سلطة وطنية على أي جزء محرر من فلسطين. ورغم الجدل الواسع الذي أثاره آنذاك، تحوّل لاحقاً إلى أحد المرتكزات الأساسية للبرنامج الوطني الفلسطيني، وأسهم في بلورة مقاربات سياسية اعتمدتها مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
بهذا المعنى، لم تكتفِ الجبهة بدور المقاتل في الميدان، بل سعت إلى أن تكون شريكاً في صياغة القرار الوطني وتطوير بنيته الفكرية والسياسية.
مرتكزات ثلاثة صنعت المسار
على امتداد 57 عاماً، استندت تجربة الجبهة الديمقراطية إلى ثلاثة محاور رئيسية ما تزال تشكل بنيتها الفكرية والتنظيمية:
أولاً: الواقعية الثورية
اعتمدت الجبهة نهج «الواقعية الثورية»، أي قراءة موازين القوى بوعي سياسي دون التخلي عن الأهداف الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، طورت مفهوم الانتفاضة الشاملة وصولاً إلى العصيان الوطني الشامل، باعتباره شكلاً متقدماً من أشكال نضال الشعب بأسره، يدمج بين المقاومة الشعبية وأشكال الكفاح المختلفة في إطار رؤية وطنية جامعة.
ثانياً: تنظيم الشعب وبناء القاعدة الاجتماعية
نظرت الجبهة إلى الجماهير بوصفها قوة منظمة ينبغي تأطيرها في أطر ديمقراطية فاعلة: اتحادات عمالية، أطر طلابية، منظمات نسوية، وهيئات مهنية. وربطت بوضوح بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، معتبرة أن مقاومة الاحتلال لا تنفصل عن الدفاع عن حقوق العمال والطلبة والمرأة والفئات المهمشة، وأن المشروع الوطني لا يكتمل دون بعده الاجتماعي.
ثالثاً: شمولية أشكال النضال
تبنت الجبهة مبدأ التكامل بين العمل السياسي والمقاومة، وبين الحضور الدبلوماسي والنضال الميداني، وفقاً للظروف السياسية والقانونية والأفق المتاح.
فشاركت في معارك الدفاع عن المخيمات في لبنان، وكان لها دور بارز في الانتفاضة الأولى (1987) عبر اللجان الشعبية والتنظيم الميداني، وواصلت حضورها في الانتفاضة الثانية (2000)، وقدمت قادتها وكوادرها في مختلف ساحات المواجهة، بما في ذلك معارك الدفاع عن غزة خلال حرب الإبادة الأخيرة.
بين تحديات الحاضر ورهانات المستقبل
اليوم، تقف الجبهة الديمقراطية – كما سائر مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية – أمام تحديات عميقة: استمرار الانقسام الداخلي، تراجع فاعلية مؤسسات العمل الوطني، التحولات الإقليمية المتسارعة، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية أو اختزالها في حلول جزئية.
ومع ذلك، تواصل الجبهة طرح مبادرات سياسية تستند إلى استعادة الوحدة الوطنية على قاعدة برنامج مقاومة شامل، وإصلاح ديمقراطي حقيقي لمؤسسات منظمة التحرير، بما يعيد الاعتبار لمبدأ الشراكة والتعددية.
في زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتعاظم محاولات طمس الهوية الوطنية، تبرز الحاجة إلى خطاب عقلاني تقدمي يضع مصلحة الشعب فوق الحسابات الفصائلية الضيقة. وهنا تستمد الجبهة مشروعيتها من إرث نضالي طويل وخبرة تنظيمية متراكمة، تجعلها شريكاً أساسياً في أي مسعى لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني.
إرث متجدد لا ذكرى عابرة
في الثاني والعشرين من شباط/فبراير من كل عام، تحيي الجبهة الديمقراطية ذكرى انطلاقتها، لا باعتبارها مناسبة احتفالية فحسب، بل محطة مراجعة وتجديد للعهد.
فالتاريخ لا يُقاس بعدد السنوات، بل بقدرة الفكرة على البقاء والتطور. وخلال 57 عاماً، قدمت الجبهة شهداء وجرحى وأسرى من قياداتها ومقاتليها وكوادرها، دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف: الحرية، وتقرير المصير، والاستقلال، وحق العودة.
إنها مسيرة تؤكد أن المشروع الوطني لا يُصان بالشعارات وحدها، بل بعمل منظم، ورؤية سياسية متجددة، وإرادة قادرة على التكيف مع المتغيرات دون التفريط بالحقوق الوطنية.
بعد سبعة وخمسين عاماً، يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس الوحدة والمقاومة والعدالة الاجتماعية؟
ذلك هو التحدي الذي يشكل جوهر المعركة السياسية في المرحلة المقبلة.



إرسال التعليق