بين حنين الطباشير وهيبة القرار
بين حنين الطباشير وهيبة القرار
الأستاذ حشاني زغيدي
كنتُ هناك.
في حجرتي التي ضاقت جدرانها، واتسع مداها بأحلام الصغار. كنتُ أستاذاً، أمضي نهاري بين سبورة تتسابق إليها الأيدي، وكراسات تبوح بأسرار العقول الغضة.
كان إعداد الدرس صلاتي الخاصة. أحدق في الكتب، أنقش المعنى في ذهني قبل الورق، وأنتقي كلمات ستغدو غداً نجوماً في سماء فصلي. أرتب الأفكار كما ترتب الأم حقائب أبنائها، بدقة وحب.
والوقوف أمام التلاميذ كان عرضاً وجدانياً. عيون تترقب، وآذان تصغي، وقلوب تفتح نوافذها للنور. كنت أرى النبوغ يولد في لفتة طفلة خجولة، أو في انتباه طفل مشاغب سحره البيان.
أما تصحيح الكراسات فكان لقاءً سرياً. أتتبع الخطوط المتعرجة بحثاً عن بهجة مفقودة، وكانت النجمة الحمراء في الهامش تكفي لرسم بسمة في وجه غدهم.
وفي الاختبارات، تتجلى ثمار التعب، وتتوزع اللحظات بين الخوف والرجاء، بين الورقة والقلم.
لكن الأيام لا تثبت على حال.
حملتني من ضجيج الفصول الدافئ إلى صمت المكاتب الإدارية البارد. صرت مديراً، فتبدلت اللغة، وتشعبت الأدوار. لم أعد أُعد درسي، بل صرت أراقب كيف يُعد الآخرون دروسهم؛ كطبيب يشخص العلة لكنه لا يملك حق العلاج المباشر.
أدخل الفصول فأستنشق رائحة الطباشير حنيناً، وأتمنى لو أستعيد مكاني خلف السبورة ولو للحظة.
هنا تلاشت البساطة. تحولت الكراسات إلى ملفات رسمية، والأنشطة إلى اجتماعات، وصار همي أن أسوس قوانين التربية بين المطعم والساحة وقاعات الدرس. أدور في غدو ورواح لا ينتهي، أدير شؤوناً، وأنظم وقتاً، وأحل مشكلات.. لكن قلبي ظل عالقاً عند أولئك الذين يكتبون على السبورة.
يبقى الدور التربوي هو الرابط الوحيد. ألمحه في الممرات، في همسات معلم مع طالب، في قرار أتخذه ليصنع بيئة أفضل. وأجمل لحظاتي حين يمر بي طالب قديم يبتسم لي، فيفيض قلبي دفئاً، وأقول في نفسي: “هذا كان في فصلي ذات يوم”.
والآن، وبعد أعوام في ملك الأختام، جاءت اللحظة التي طالما اقتربت وها هي تختم المشوار.
جئت لأُسلم سجلاتي، وأحرر براءة ذمتي من أغلال كانت تخيفني يوماً: تسليم المهام، والمحاسبة عن الشاردة والواردة. أتحرر اليوم من أغلال الوظيفة، لكني أبقي خلفي آثاراً بيضاء وراحة بال.. أن أمضي وقد ظلت يداي صفحة بيضاء، لم يدنسها خدوش الزمن.
رحيقي كان الطباشير وصار الحبر. كنت أصحح الكراسات بقلم أحمر، ثم صرت أصحح المسارات بقرارات زرقاء. اختلفت الأدوات، وبقي الجوهر: الطفل هو المركز، والأستاذ يبني بالكلمة، والمدير يبني بالقرار، وكلانا في النهاية يبني إنساناً.
الآن، وأنا أطوي الصفحة الأخيرة، لا أملك إلا أن أقول:
سلاماً على تلك السنوات التي مضت.
سلاماً على سبوراتي وتلاميذي ومكاتبي.
سلاماً على كل من اشتقت إليهم.
سأمضي تاركاً خلفي بصمة لا تمحوها الأختام، وقبلة لا تبارح الطباشير.
وبياضاً لا يشبهه إلا النقاء.



إرسال التعليق