الريادة والكفاءة.. بين وقار الامتلاء وضجيج الفراغ
بشار مرشد
مقدمة:
في علم الإدارة ودهاليز الحكم، ثمة ظاهرة تلفت الأنظار وتستوقف المتأمل؛ وهي تلك العلاقة العكسية الغريبة بين الضجيج والكفاءة. فبينما يستهلك البعض طاقته في تلميع صورته وبناء هالة من التعالي والولاء والتصفيق، نجد المتمكنين الرياديين الحقيقيين يحيط بهم هدوء الواثقين، مفضلين الكفاءة على الولاء والتصفيق، وتسبقهم إنجازاتهم قبل كلماتهم. وهنا يتجلى التشبيه البليغ بين سحر السنابل وفلسفة الأواني، حيث يقول الشاعر:
مَلأَى السَّنابِلِ تَنْحَني بِتَواضُعٍ … والفارِغاتُ رُؤُوسُهُنَّ شامِخاتُ
هذا البيت ليس مجرد وصف للطبيعة، بل هو دستور أخلاقي ومهني؛ فالإنسان الكفء يشبه السنبلة المليئة والمثقلة بالقمح، ثقل علمه وعمق خبرته يجذبانه نحو الوقار. وتلك حقيقة كونية؛ فكما أن الأواني الفارغة هي من تصدر القرقعة والضجيج عند أدنى حركة، نجد الأواني الممتلئة تثبت في مكانها بفضل ثبات وزنها ورسوخ محتواها. هكذا هو القائد الحقيقي؛ ثقيلٌ بعطائه، ساكنٌ بتمكنه، لا يحتاج لضجيج القرقعة ليُثبت وجوده.
النزاهة.. حين يكون الانسحاب قمة الكفاءة:
ومن أسمى وأرقى صفات الإنسان الكفء أنه لا يقبل بأن يكون مجرد تكملة عدد أو شاهد زور على الفشل. فالمهني الحقيقي ينأى بنفسه جانباً إذا وجد أن وجوده في المنصب لا يمكنه من إحداث إصلاح حقيقي. إنه يرفض العمل في بيئات موبوءة مالم يكن له دور فاعل في شفائها؛ فوفاؤه لمبادئه يسبق تمسكه بالمكاسب. فبالنسبة له، التخلي عن الكرسي حفاظاً على المبدأ هو انتصار، بينما البقاء في بيئة فاسدة دون تغيير هو هزيمة نكراء لكفاءته.
سقوط الأقنعة.. من التمجيد إلى الهجوم:
أما الاختبار الحقيقي للمعادن، فيظهر عند مغادرة المنصب. فبينما يرحل الكفء بصمت الملوك، تاركاً خلفه إرثاً مهنياً وأخلاقياً ومكانة حُفرت في مواطن المؤسسة وقلوب الزملاء، نجد الشخص الصاخب الفارغ الانتهازي ينقلب بمجرد تنحيته. فجأة، تتحول المؤسسة التي كان يُمجدها إلى وكر للخراب! يبدأ بكيل الاتهامات، متناسياً أن تلك المؤسسة هي التي عانت من فشله الإداري ووبائه السلوكي وفساده وإفساده. إن هجومه المتأخر ليس حرصاً على الصالح العام، بل هو صرخة الإناء الفارغ الذي لم يعد يملؤه سوى صدى ضجيجه، ومحاولة بائسة لغسل يديه من إخفاق كان هو أحد صناعه، أو بحثاً عن مكان آخر ليعيد ضجيجه الفارغ ويبث سمومه من جديد.
من يصنع من؟
هنا تبرز الحقيقة الجوهرية: الناجح والريادي هو من يصنع الكرسي، وليس الكرسي من يصنعه. إن الشخص الذي يستمد قيمته من عنوان وظيفي يعيش في وهم القوة، وبمجرد أن يغادر هذا الكرسي، يكتشف عُريَه المهني، فيحاول ارتداء ثوب المصلح المظلوم. أما القائد الحقيقي، فهو الذي يحفر اسمه في قلوب الناس بإنصافه؛ فبالنسبة له الكرسي “أداة”، فإذا انتهى دوره، غادره بوقار، وظل وفياً للمكان الذي خدمه، لأن وفاءه نابع من أصله وليس من منصبه.
الخلاصة:
إن الكفاءة والمهنية العالية تفرض على صاحبها فروسية أخلاقية، واتزان الكفاءة، وثبات المتمكن، ونضج القيادة، ورسوخ الخبرة، وسكينة الواثق، وانضباط الانفعال. فالريادي والكفء لا يحتاج للصراخ ليُسمع، ولا إلى اندفاع الأنا، أو هشاشة الانفعال، أو صخب الأنا المرتبكة، أو حِدّة السلوك الدفاعي، أو توتر العجز وعدوانية العجز، أو قلق المنصب وفوضى المزاج القيادي. إنه لا يغدر بالمكان ليُذكر، لأنه يدرك يقيناً أن الضجيج لغة العاجز، وأن الهدوء هو لغة المقتدر، وأن الثبات والرزانة هما المقياس الحقيقي للامتلاء.



إرسال التعليق