رياضة

حكاية دينيس بيركامب

في زمنٍ كانت فيه كرة القدم تتأرجح بين العنف التكتيكي والاندفاع البدني، ظهر رجل هولندي بأناقة نادرة، كأنه خرج من لوحة فنية لا من مدرسة كروية. اسمه دينيس بيركامب، لكنه لم يكن مجرد لاعب… كان شاعرًا بالقدم، ورسامًا بريشة من ذهب ، ولد في أمستردام، وتعلم في أكاديمية أياكس التي لا تُخرّج لاعبين بل تصنع فلاسفة للعبة. لم يكن بيركامب أسرع لاعب في الملعب، ولم يكن الأقوى جسديًا، لكنه امتلك سلاحًا لا يُشترى: الذكاء. كان يقرأ اللعبة كما يقرأ الكاتب روايته، يعرف متى يمرر، ومتى يصمت، ومتى يضرب بقوة الكلمة أو بسحر اللمسة.

بعد بداياته اللامعة مع أياكس، انتقل إلى إنتر ميلان الإيطالي، لكن الكرة هناك لم تكن تفهم لغته. اصطدم بجدار الواقعية الدفاعية، فلم يتألق كما يجب. لكن القدر كان يخبئ له منصة أخرى، في شمال لندن، في نادٍ يُعرف بالهدوء والعقلانية: أرسنال ، هناك تحت قيادة أرسين فينغر، تحول بيركامب إلى معلم. لم يكن يسجل الأهداف فحسب، بل يصنعها كما تصنع الأم حكاية لطفلها قبل النوم. هدفه ضد نيوكاسل عام 2002، بلمسة ساحرة ودوران غير مفهوم، لا يزال حتى اليوم يُدرس كمثال على العبقرية. سُئل بيركامب عنه لاحقًا، فقال بتواضع: “لقد كانت الفكرة في رأسي، وجسدي نفذها وحده.” كم من لاعبٍ يمكنه قول هذا بصدق؟

دينيس لم يكن يسافر بالطائرة، بسبب خوف مرضي معروف، فكان يقطع آلاف الأميال بالسيارة أو القطار. لم يطلب معاملة خاصة، ولم يتحدث كثيرًا، لكنه كان دائمًا حاضرًا عندما يحتاجه الفريق. لم يكن مجرد صانع ألعاب، بل كان صانع أمل، يوصل الكرة إلى زملائه وكأنها رسالة حب.

كان بيركامب يمارس كرة القدم لا ضجيج، لا تمثيل، لا غرور. فقط التزام بالجمال، وولاء للتمرير الصحيح. في زمن تتسابق فيه الأرقام، اختار أن يخلد في الذاكرة لا في الإحصاءات. ولهذا، لن تجده في قوائم الهدافين التاريخيين، لكنك ستجده دائمًا في قلوب من شاهدوه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى