مونديال قبل 31 سنة

في صيفٍ أمريكي حار، اجتمعت أعين العالم لتتابع حدثًا كان بمثابة احتفال عالمي لكرة القدم: كأس العالم 1994، أول مونديال يُقام في الولايات المتحدة الأمريكية. لكن خلف المدرجات المليئة والجماهير المتحمسة، كانت هناك حكايات أكبر من مجرد أهداف وتمريرات—حكايات عن أحلام تحطّمت، وأخرى تحققت، وعن كرة القدم عندما تتحول إلى قضية حياة أو موت.
جاء مونديال 1994 مختلفًا منذ البداية. لأول مرة تُقام البطولة في بلدٍ لا تُعد فيه كرة القدم الرياضة الأولى، مما أثار تساؤلات عن نجاحها. لكن الشكوك تبددت سريعًا. الملاعب كانت مبهرة، الحضور الجماهيري حطم الأرقام (أكثر من 3.5 مليون متفرج)، وكرة القدم بدأت تُزرع بذورها في أرضٍ جديدة.
البرازيل دخلت البطولة بجيل مميز يقوده روماريو، ببيتو، ودونغا. كانت البلاد قد عاشت ثلاثين عامًا من الحنين منذ آخر لقب عام 1970، وكان مونديال أمريكا فرصة لاستعادة المجد الضائع. النهائي ضد إيطاليا انتهى بدون أهداف، لكن ركلات الترجيح كتبت التاريخ: باجيو، ذلك النجم الإيطالي، سدد الكرة فوق العارضة، وارتفعت دموعه قبل أن ترتفع دموع ملايين الإيطاليين.
أما البرازيل، فاحتفلت بلقبها الرابع، ولكن بشكل جديد: بعيدًا عن السامبا، جاءت البطولة بواقعيةٍ ودفاعٍ منضبط، بقيادة دونغا الصارم، لا زيكو الفنان. كان الانتصار البرازيلي لحظة للتأمل: أحيانًا، تحقيق الحلم لا يأتي بالطريقة التي نتوقعها.
لكن المونديال لم يكن فقط أفراحًا. واحدة من أحلك صفحاته كانت مأساة أندريس إسكوبار، مدافع كولومبيا. بعد أن سجل هدفًا عكسيًا في مرمى فريقه ضد الولايات المتحدة، أقصيَت كولومبيا مبكرًا، وعاد إسكوبار إلى بلاده ليلقى حتفه برصاص الغدر بعد أيام فقط. موته كان صفعةً مؤلمة: كرة القدم يمكن أن تتحول من لعبة إلى عبء قاتل، في عالم تغلب فيه الجريمة على الرياضة.
مارادونا، الأسطورة الأرجنتينية، عاد إلى المونديال الأخير له، لكن العودة لم تدم طويلًا. ظهوره المثير أمام نيجيريا، وهدفه الرائع، جعلا الجماهير تحلم من جديد. لكن سرعان ما جاء اختبار المنشطات الذي أطاح به من البطولة، وأعلن بذلك نهاية فصل من أعظم قصص الكرة. صورته وهو يُقاد خارج الملعب من يد ممرضة، بعيون واسعة ونظرة غريبة، أصبحت أيقونة حزينة لنهاية بطل.

إرسال التعليق