روسيا قبل قرن و 08 سنوات

روسيا قبل قرن و 08 سنوات

سليم كبار

اندلعت الثورة البلشفية في روسيا سنة 1917 في سياق تاريخي اتسم بتراكم أزمات عميقة ضربت بنية الدولة القيصرية من جذورها. فقد حكم القيصر نيكولاس الثاني إمبراطورية مترامية الأطراف تعاني من ضعف مؤسساتها، وتخلفها الصناعي مقارنة بأوروبا الغربية، إضافة إلى نظام سياسي مغلق لم يسمح بمشاركة حقيقية للشعب في الحكم. ومع بداية القرن العشرين، تزايدت حدة التوتر الاجتماعي بسبب أوضاع العمال القاسية في المدن الصناعية، وبؤس الفلاحين الذين ظلوا محرومين من الأرض رغم إلغاء القنانة شكليًا. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتكشف هشاشة الدولة، حيث تكبد الجيش الروسي هزائم ثقيلة، وانهار الاقتصاد، وعمّ النقص في الغذاء والوقود، ما فجر موجة غضب شعبي واسعة.
في ثورة فيفري /فبراير1917، انفجرت الاحتجاجات في بتروغراد بسبب نقص الخبز وغلاء المعيشة، وسرعان ما انضم إليها الجنود الرافضون لمواصلة الحرب. أمام هذا الانهيار، اضطر القيصر نيكولاس الثاني إلى التنازل عن العرش، لتنتهي بذلك قرون من الحكم القيصري. تشكلت حكومة مؤقتة تعهدت بإجراء إصلاحات سياسية، لكنها واصلت الحرب ولم تحل مشكلة الأرض أو تحسين الظروف المعيشية، ما أفقدها ثقة الجماهير. في المقابل، ظهرت مجالس السوفييت كقوة فعلية على الأرض، ممثلة للعمال والجنود، وبدأ الصراع بين سلطتين داخل الدولة.
في هذا المناخ المضطرب، برز حزب البلاشفة بقيادة فلاديمير لينين كقوة سياسية منظمة ذات خطاب واضح. ركز البلاشفة على مطالب ملموسة مثل إنهاء الحرب، وتوزيع الأراضي على الفلاحين، ونقل السلطة إلى السوفييت. ومع تزايد الإحباط الشعبي، تمكنوا من توسيع نفوذهم داخل المصانع والوحدات العسكرية. وفي أكتوبر 1917، نفذوا عملية حاسمة أطاحت بالحكومة المؤقتة وسيطروا على المراكز الحيوية في العاصمة، معلنين قيام سلطة جديدة باسم السوفييت.
أدت الثورة البلشفية إلى تحولات جذرية في روسيا. فقد شرعت السلطة الجديدة في تأميم المصانع والبنوك، وإعادة توزيع الأراضي، ووقعت معاهدة بريست-ليتوفسك مع الألمان للخروج من الحرب العالمية الأولى. غير أن هذه الإجراءات فجّرت حربًا أهلية عنيفة بين الجيش الأحمر وأنصار النظام القديم والقوى الأجنبية المتدخلة، استمرت عدة سنوات وأرهقت البلاد بشريًا واقتصاديًا. ومع نهاية الحرب الأهلية، تمكن البلاشفة من تثبيت حكمهم وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
في سنة 1922 أُعلن قيام الاتحاد السوفياتي، ليصبح أول دولة اشتراكية في التاريخ الحديث. ولم تقتصر آثار الثورة البلشفية على روسيا وحدها، بل امتدت إلى العالم بأسره، إذ ألهمت حركات ثورية وأعادت تشكيل النقاشات الفكرية حول العدالة الاجتماعية، ودور الدولة، والعلاقة بين الاقتصاد والسياسة. وبهذا المعنى، شكلت الثورة البلشفية منعطفًا حاسمًا في تاريخ القرن العشرين، ترك بصمته العميقة على مسار العلاقات الدولية والأيديولوجيات الحديثة.

إرسال التعليق