المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية .. القصة الكاملة

معتصم حمادة

عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

في لقاء مع أسرة «الحرية»، جرى في مكاتبها في مخيم اليرموك، والني نهبها الإرهابيون لاحقاً، تحدث الراحل الصديق الدكتور أحمد ثابت الأستاذ في جامعة القاهرة، عما أسماه بـ«القوة التفاوضية».
ورد ذلك في حديثه رداً على سؤال حول قدرة المعارضة المصرية، في زمن الرئيس الأسبق الراحل حسني مبارك، إذ فسر الدكتور ثابت فشل المعارضة في الضغط على النظام المصري لإحداث الإصلاح والتغيير المطلوب، بأنها معارضة لا تملك «القوة التفاوضية» التي من شأنها أن ترغم النظام على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع القوة، والتفاوض معه على مشروعها للإصلاح، وصولاً لتحقيق أهدافها أو حتى بعضها.
ودون الذهاب بعيداً في شرح مفهوم «القوة التفاوضية» نعود إلى تجارب شعوب نجحت في إمتلاك هذه القوة وفرضها على أعدائها أو خصومها، منها على سبيل المثال، في جنوب شرق آسيا، الثورة الفيتنامية التي نجحت في إرغام الولايات المتحدة الأميركية بجيوشها وأساطيلها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات في باريس، بحثاً عن حل للمأزق الأميركي في غزوة لفيتنام.
ومنها أيضاً التجربة الجزائرية، حين نجحت الثورة الجزائرية في إرغام فرنسا الأطلسية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بحثاً عن حل للمأزق الذي أرغم فرنسا «العظمى» بقيادة «عظيمها» شارك ديغول للبحث عن مخرج من الأزمة الجزائرية يكفل بعض ماء الوجه للاستعمار الأوروبي العنصري ونموذجه الفاضح آنذاك، الاستعمار الفرنسي.
ينطبق الأمر كذلك على بريطانيا العظمى، التي أرغمت على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وجهاً لوجه مع ثوار عدن في اليمن الجنوبي السابق، للوصول إلى نهاية توفر للاستعمار البريطاني خروجاً آمناً من البلاد.
السؤال: إلى أي مدى تنطبق هذه المقولة «القوة التفاوضية» على الحالة الفلسطينية في العلاقة مع دولة الاحتلال؟
لدينا في هذا السياق، عدة محطات تمثلت فيها هذه المقولة.

■ ■ ■

المحطة الأولى: «مؤتمر مدريد للسلام»
في سياق أوضاع دولية إقليمية مضطربة، منها حروب الخليج والتداعيات الكبرى للانتفاضة الوطنية الفلسطينية الأولى، دعت الولايات المتحدة، بمشاركة غير متوازنة من الاتحاد السوفييتي إلى «مؤتمر للسلام» اختيرت العاصمة الإسبانية مدريد لتكون حاضنة له. وقد رافق الدعوة نشاط دبلوماسي أميركي محموم، كان هدفه الرئيس (كما آنذاك وتأكد بعده أيضاً) ضمان مشاركة م. ت. ف. في المؤتمر.
الشروط الإسرائيلية بحق الجانب الفلسطيني كانت مجحفة، إذ اشترطت أن يكون الوفد الفلسطيني جزءاً من الوفد الأردني، وليس وفداً مستقلاً باسم م. ت. ف، وألا يضم شخصيات من م. ت. ف. بل يتوجب أن تكون كلها مستقلة، وألا يضم الوفد أعضاء من اللاجئين، أو أعضاء مقدسيين، أي اشترطت إسرائيل آنذاك تغييب م. ت. ف. والقدس وقضية اللاجئين عن مؤتمر مدريد وجدول أعماله، وفي هذه الشروط ما يكشف السقف السياسي للموقف الإسرائيلي.
الأطراف العربية المدعوة آنذاك إلى مدريد (سوريا + الأردن + لبنان – أي أصحاب الأراضي المحتلة، ومعها مصر كطرف مراقب) علقت قرارها بالمشاركة على موافقة الجانب الفلسطيني، وبالتالي وكما اعترف الأميركيون لاحقاً في مذكراتهم، كان الفلسطينيون هم من يمسكون بمفتاح المؤتمر، وكان بإمكانهم أن يعطلوه، لو رفضوا الشروط الإسرائيلية – الأميركية. المجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير، في جلسة له في تونس، وضع أسساً للمشاركة في مدريد، أعاد التأكيد عليها لاحقاً المجلس المركزي وهو ما أكد أنه كان يملك «قوة تفاوضية»، يستطيع من خلالها أن يحسن شروط المشاركة في مؤتمر دولي، ينعقد لحل قضايا الصراع في الشرق الأوسط.
كان يمكن للقيادة الفلسطينية أن تفرض شروطها، هكذا اعترف الدبلوماسيون الأميركيون في مذكراتهم، غير أن قيادة م. ت. ف. في تونس، وقد ساورها القلق على مصيرها، خاصة في ظل بروز قيادات شابة في خضم الانتفاضة، بدأت تحتل موقعاً معززاً في الحياة اليومية، كما أدارت أذنيها نحو الضغوط الخليجية، وبذريعة إنقاذ م. ت. ف. من العزلة، ومن أجل أن تستعيد قيادة تونس موقعها في «المعادلة»، وافقت منفردة، ودون الالتزام بقرارات المجلسين الوطني والمركزي، على الذهاب إلى مدريد، بالشروط الإسرائيلية فتخلت عن «قوتها التفاوضية» بحثاً عن مصالح آنية على حساب المصالح الاستراتيجية.
البداية كانت خاطئة، والخاتمة كانت خاطئة، إلى حد الكارثة، الخاتمة كان أوسلو …

مفاوضات كامب ديفيد 2
انعقدت مفاوضات كامب ديفيد 2، برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، للوصول إلى «حل دائم» لقضايا الصراع، كما نص على ذلك «اتفاق أوسلو».
في هذه المفاوضات طُرِحَت القضايا التفجيرية، مستقبل الكيان الفلسطيني، حدوده، مستقبل المستوطنات، العلاقات الأمنية، مصير القدس، قضية اللاجئين، العلاقات الاقتصادية … الخ، وكما قال وزير الخارجية المصري الأسبق، والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى وجد الرئيس (الراحل) ياسر عرفات نفسه أمام اقتراحات ومشاريع حلول لا يستطيع إلا أن يرفضها، فهي هبطت كثيراً، وكثيراً جداً عن الحد الأدنى المقبول فلسطينياً، فضلاً عن كونها «لا تنسجم» مع شخصية «زعيم الشعب الفلسطيني»، الذي لا يريد أن يختم حياته السياسية بكارثة وطنية أخرى تشكل التوأم الآخر لكارثة 1948.
أدرك الرئيس عرفات، وهو في كامب ديفيد، أنه يملك «قوة تفاوضية» لم يستعملها حتى الآن في مواجهة إسرائيل والضغط الأميركي، رفض العروض التي قدمت له، كما رفض «الاستشارات» التي قدمها له بعض أعضاء الوفد الفلسطيني المرافق وضغوطهم، وقفل عائداً إلى قطاع غزة، حيث استعاد عنصر «القوة التفاوضية» التي بين يديه، فاشتعلت الانتفاضة الثانية التي أعادت خلط الأوراق، في إسرائيل وفي الولايات المتحدة وفي أوروبا، وفي بعض العواصم العربية، التي أطلق بعض رؤسائها، على صفحات الجرائد نداءات استغاثة إلى واشنطن للإسراع بإطفاء الحريق الفلسطيني قبل أن يتحول إلى حريق عربي شامل.
فكانت مباحثات السفارة الأميركية في باريس بعد أسابيع على انطلاق الانتفاضة الثانية.

مباحثات السفارة الأميركية في باريس
انعقدت مباحثات باريس، في السفارة الأميركية، نهاية الشهر العاشر من العام 2000، مثل فيها الجانب الأميركي وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، وعن الجانب الفلسطيني وفد برئاسة الرئيس الراحل عرفات.
وكما أوضح المحللون والمراقبون، ما كان للرئيس كلينتون أن يبعث بوزيرة خارجيته أولبرايت للقاء عرفات، لولا الرعب الذي أصاب الدوائر الغربية (وبعض العربية) من نيران الانتفاضة الثانية. أي ذهب الرئيس عرفات إلى باريس وهو يملك قوة تفاوضية تمكنه من الضغط على الجانب الأميركي للحصول على المكاسب التي يطمح إلى تحقيقها.
وقائع المباحثات تقول إن العروض الأميركية، كما قدمتها أولبرايت أثارت غضب عرفات، فنهض واقفاً وغادر قاعة المباحثات، وهو يقول: إن عنواني معروف لكم. وكما يقول المحللون ما كان لعرفات أن يتحدى أولبرايت وأن يحتقرها وأن يغادر، بالشكل الذي حدث، لولا احساسه بالقوة التفاوضية التي تقف خلفه، أي الانتفاضة الكبرى في عرض الوطن وطوله، وتداعياتها على محمل الحالة الإقليمية.
وأولبرايت بدورها، راعها ما فعل عرفات فهرولت وراءه، حافية القدمين تصرخ بالحراس أن يغلقوا أبواب السفارة، وأن يمنعوه من الخروج، وتحتضن عرفات ممسكة بذراعه، وتدعوه بلطف للعودة إلى طاولة المفاوضات.
هل سبق لأولبرايت أن فعلت الشيء نفسه، مع رئيس آخر في حياتها الدبلوماسية. وهل كان لأولبرايت أن تهرول وراء عرفات حافية القدمين، ترجوه العودة إلى طاولة المفاوضات، لولا إدراكها لحجم القوة التي كان يتمتع بها عرفات باستناده إلى الانتفاضة التي زلزلت الإقليم وعواصمه.
عاد عرفات إلى الأراضي المحتلة يفاوض باليد، ويغذي الانتفاضة بيد أخرى. إلى أن تطورت الأوضاع خلافاً لرغبات الانتفاضة وطموحها السياسي. وفي ظل الافتقار إلى مركز موحد للقرار، وبروز مراكز مشاغبة انتهت الأمور إلى الرحيل الغامض لعرفات، بينما لا تكف الدوائر المطلعة تتحدث عن اغتياله على يد، ما زالت الجهات المطلعة تتكتم حول هويتها، وفي مقدمها بطبيعة الحال العدو الإسرائيلي، بالتعاون مع الولايات المتحدة التي دعت، أكثر من مرة، وعلى لسان رئيسها بوش الابن إلى ضرورة قيام «قيادة فلسطينية جديدة بديلاً لقيادة عرفات الفاسدة».
نختتم بالسؤال عن «القوة التفاوضية» للقيادة السياسية للسلطة الفلسطينية، وهي تلح على الرئيس الأميركي إطلاق عملية سياسية لـ«حل الدولتين»، وفي السياق عن «القوة التفاوضية» التي تملكها في مباحثاتها مع الاحتلال الإسرائيلي وآخرها «مسار العقبة – شرم الشيخ»

■ في القسم الأول من هذه المقالة، تناولنا تجربة الرئيس الراحل ياسر عرفات في إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي معتمداً سياسة الخيارات المفتوحة، من بينها خيار التفاوض، دون أن يكون هو الخيار الوحيد، فقد كان الرئيس عرفات يدرك أن المفاوضات إلى الطاولة هي، إلى حد كبير، انعكاس للواقع الميداني، لذلك كان يحرص على امتلاك قوة تفاوضية تمكنه من الوصول إلى المفاوضات، باعتبارها أحد الخيارات، وليست الخيار الوحيد، لتحقيق الهدف المنشود.
وهذا ما عبّر عنه، إيجاباً في أحيان كثيرة، وسلباً في بعض الأحيان، في مسيرته النضالية خاصة بعد أن انفتحت أمام المسألة الفلسطينية آفاق الحلول التفاوضية بدءاً من مؤتمر مدريد للسلام، وصولاً إلى مسار العقبة – شرم الشيخ، مروراً باتفاق أوسلو والتزاماته.

  • وقبل الانتقال إلى مرحلة ما بعد الرئيس عرفات، من المهم أن نلفت الأنظار، إلى أن سياسته القائمة على الخيارات المفتوحة، خاصة بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، لقيت معارضة شديدة من بعض أطراف القيادة التي كان على رأسها عرفات.
    فعارضت موقفه في مفاوضات كامب ديفيد 2، ومارست عليه ضغوطاً كي لا ينسحب من المفاوضات. كذلك عارضت موقف الوفد الفلسطيني إلى مفاوضات طابا، التي انعقدت بعد كامب ديفيد 2، لبحث ما يسمى «معايير كلينتون» للحل، ورأت في طابا فرصة أضاعتها سياسة عرفات وتصلبه، والأمر نفسه بشأن مباحثاته مع الوزيرة الأميركية أولبرايت في السفارة الأميركية في باريس.
    أما التطورات التي أحدثت عاصفة في الصف القيادي المحيط بالرئيس عرفات، آنذاك، فكانت تحميله مسؤولية تفجير الانتفاضة الثانية و«عسكرتها»، وبشكل خاص تشكيل «كتائب شهداء الأقصى»، دون علم اللجنة المركزية لحركة «فتح»، كما قيل آنذاك، و«تورطه» في استيراد السلاح سراً إلى الضفة الفلسطينية، وإسناده من خلف الستار لفصائل المقاومة المسلحة، بعد أن تلمس عرفات كما تقول تجربته، وكما يقول المؤرخون والمحللون – إن المفاوضات بلا قوة تفاوضية، ما هي إلا إنتحار سياسي، لذلك، عندما طلب إليه، في كامب ديفيد 2 أن يتخلى عن القدس وعن الأقصى، قال للجانب الآخر: «سأوقع، لكن سأدعوكم إلى جنازتي في اليوم التالي».
    هذه المعارضة، من داخل بيت أوسلو، وهذا اللوم وهذا العتاب لم يمر دون نتائج، فقد فتحت هذه المعارضة شهية الأطراف الخارجية، خاصة الولايات المتحدة، وأوروبا، للضغط على الرئيس عرفات، إما ليغادر موقعه القيادي، أو أن يسلم بإعادة صياغة النظام السياسي، باستحداث مؤسسة رئاسة الحكومة، والفصل بينها وبين مؤسسة رئاسة السلطة، وأمام هول العاصفة، بما فيها عاصفة «عملية السور الواقي» التي شنها شارون، وفي ظل تواطؤ عربي، بات يضيق ذرعاً بسياسة عرفات «الخيارات المفتوحة»، وافق أبو عمار من حيث المبدأ، على الفصل بين المؤسستين، وهو ما وضع المجلس التشريعي المشكل كله من فتح، أمام مهمة صعبة، لإعادة صياغة القانون الأساسي للسلطة، وإعادة توزيع الصلاحية بين «رأسين»، وغرق المجلس التشريعي في البحث في تدوير الزوايا (حيث لم يكن هناك زوايا تدوّر).
    وتحت الضغوط السياسية، ولد القانون الأساسي الجديد للسلطة، جرد مؤسسة الرئاسة من صلاحياتها المالية، والأمنية، والتفاوضية، وأحالها إلى رئيس الوزراء ووزرائه، فصار هناك وزير للمال، كان سابقاً أحد مدراء صندوق النقد الدولي، ليكون مشرفاً على أموال السلطة، بعيداً عن صلاحيات عرفات، كما عين وزير للداخلية مسؤولاً عن الأجهزة الأمنية، التي أصبحت تحت صلاحيات رئاسة الحكومة، كما تم تشكيل مجلس للأمن القومي، تولى رئاسته أحد الوزراء، وأعيد تشكيل الأجهزة الأمنية بإشراف الجنرال دايتون، لإبعاد كافة العناصر العسكرية، الذين ساهموا في إطلاق النار على الاحتلال في الانتفاضة الثانية، وأعيدت صياغة العقيدة الأمنية للأجهزة العسكرية على قاعدة التنسيق والتعاون مع قوات الاحتلال.
    أما في الجانب السياسي، أي التفاوض، فقد سلمت الرباعية الدولية وثائق «خارطة الطريق» إلى رئاسة الوزراء، باعتبارها هي المشروع الدولي لإطلاق عملية سياسية جديدة، في إطار مفاوضات الحل الدائم، عملاً بنصوص «اتفاق أوسلو».
    وتلك كانت كلها خطوات لإضعاف الرئيس عرفات وتجريده من عناصر القوة، وإبعاده عن مركز القرار، لكن غاب عن الذين خططوا لهذا، أن ثمة قوة يملكها الرئيس عرفات، لم يستطيعوا تجريده منها، هي قوته كزعيم وكقائد للشعب الفلسطيني ومقاومته، وهذا ما أكدته الأحداث اللاحقة، إلى أن حانت لحظة غيابه «الغامض المكشوف» في 11/11/2004، فتولى القيادة من بعده الأطراف المؤتمنة على «اتفاق أوسلو»، الرئيس محمود عباس، الذي وقع الاتفاق في 13/9/1993 في حدائق البيت الأبيض وأحمد قريع (أبو علاء) الذي تولى المفاوضات من خلف ظهر المؤسسة الفلسطينية الرسمية وعلى يديه، ولد الاتفاق المذكور.
  • مع القيادة الجديدة التي خلفت الرئيس عرفات، باتت استراتيجية السلطة تقوم على مبدأ «الخيار الوحيد»، أي المفاوضات تحت سقف أوسلو، وعبر آلياته، واستبعاد كل ما يتعارض مع ذلك، بما في ذلك إعادة بناء مؤسسات السلطة التشريعية والتنفيذية، الأمر الذي تطلب حواراً وطنياً، انعقد في القاهرة في آذار (مارس) 2005 على أعلى المستويات، توصل بعد نقاش صاخب إلى إعلان التهدئة لمدة سنة، تنتهي في نهاية العام نفسه، وإدخال إصلاحات على مؤسسات السلطة، خاصة تعديل قانون الانتخابات ليقوم على نظام التمثيل النسبي.
    في هذا السياق، يجدر القول أن ما بعد رحيل عرفات، لم يكن كما قبله، وأن ما بعد الانتفاضة الثانية لم يكن كما قبلها، فقد تشكلت بنى عسكرية لدى صف من الفصائل، بات خيار المقاومة المسلحة واحداً من خياراتها الرئيسية، فضلاً عن أن الخيارات المتباينة أحدثت توازنات جديدة في الصف الفلسطيني، وقد تبدى ذلك في بحث مسألة «التهدئة» حتى نهاية العام، وفي مناقشة قانون الانتخابات الجديد، حيث تخوفت أوساط نافذة في السلطة أن يؤدي هذا القانون إلى خلط الأوراق في المجلس التشريعي، لذلك رسا القانون الجديد، كما رسمه «التشريعي الأول» (وغالبيته الساحقة من فتح) على نظام المناصفة بين الترشيح الفردي، وقائمة التمثيل النسبي.
    كذلك وقفت السلطة أمام استحقاق تاريخي، حين قرر شارون إخلاء قطاع غزة من المستوطنات، بعد أن تبين له أن لا أفق للمشروع الاستيطاني في غزة، وفي إطار مشروع استراتيجي أكبر يقوم على «الانكفاء» وراء جدار الفصل والضم العنصري في الضفة الفلسطينية، وأعاد انتشار قواته حول القطاع، وأخلى أربع مستوطنات في شمال الضفة الفلسطينية (عادت إليها منذ الأيام حكومة نتنياهو)، كل ذلك بديلاً لخطة الطريق التي فشلت الرباعية الدولية في ارسائها أساساً لعملية سياسية ذات مغزى.
    استحقاقات كبرى وقفت أمامها السلطة الفلسطينية كان يمكن البناء عليها لصالح المزيد من الاستحقاقات الإيجابية، كالإعلان على سبيل المثال عن أبسط السيادة الفلسطينية على كامل أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة، لكن التزام قيود أوسلو، والرهان على المفاوضات خياراً وحيداً أفقد السلطة القدرة على البناء الإيجابي على ما تحقق، خاصة وأن رياح الانتخابات التشريعية لم تهب كما كانت تشتهي السلطة.
    فحلت حماس أولاً في «التشريعي»، واحتل إسماعيل هنية مقعد رئيس الحكومة، وعزيز دويك مقعد رئيس المجلس التشريعي، وأصبحت السلطة ذات رأسين، تحكمها صراعات نفوذ بين حركتين كبيرتين، الأولى تعض على جراحها بعد أن خسرت موقعها النافذ في السلطة الفلسطينية، والثانية لا تقف عند طموح، بل باتت تتطلع نحو م. ت. ف، أيضاً باعتبارها بوابتها الأخرى لتعزيز نفوذها المحلي، والفتح على الأوضاع الإقليمية والدولية.
    وفي ظل تجاذبات سياسية وأمنية، امتدت طوال العام 2006، ورغم محاولات معالجة الصرع المتزايد (الوساطة القطرية + المصرية + وثيقة الوفاق الوطني) وقع المحذور الدموي في 14/6/2007، في انقلاب أحد الطرفين ولجوئه إلى الحسم العسكري، بدعوى مواجهة التيار الصهيوني في السلطة، أثبتت الوقائع لاحقاً أنها كانت مجرد ذريعة من أجل تبرير الاستفراد بقطاع غزة ومزاحمة السلطة في رام الله على شرعيتها.
    وهكذا أثبت الفصل الأول من مرحلة القيادة الجديدة للسلطة أنها لم تحصد سوى الخسارة الصاخبة.
  • خسرت المجلس التشريعي
  • خسرت رئاسة الحكومة
  • خسرت السلطة على قطاع غزة
  • أهدرت فرصة البناء على سياسة الانكفاء الإسرائيلية بسبب سياستها الانتظارية القائمة على الخيار الوحيد (أي المفاوضات) ■

■ انتهينا في القسم الثاني من هذه المقالة بالانقلاب الذي شهده قطاع غزة في 12/6/2007، خسرت فيه السلطة الفلسطينية في رام الله السيطرة على القطاع، إلى جانب خسارتها لموقعي رئيس الحكومة (التي كان يتولاها اسماعيل هنية) ورئاسة المجلس التشريعي (التي كان يتولاها عزيز دويك) وانتقلت إلى نائبه أحمد بحر في غزة بعد أن تعطلت اجتماعات «التشريعي» في الضفة.
خرجت القيادة السياسية للسلطة في رام الله مثخنة بالجراح، أرهقتها الهزيمة والتي لا سابق لها في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة وإن ما جرى في القطاع تلقى دعماً واسناداً إقليمياً نافذاً، على قاعدة التمييز بين «المقاومة» التي يمثلها انقلاب غزة، وبين مسار أوسلو، الذي تمثله القيادة السياسية في رام الله، والموقع التمثيلي لقيادة رام الله ، بما في ذلك من الجانب الإسرائيلي نفسه الذي تساءل فيما إذا كانت قيادة رام الله قادرة على الزام قطاع غزة بالنتائج، التي يمكن أن تسفر عنه أية عملية سياسية قادمة.
وبدأت القيادة الإسرائيلية تمارس هوايتها بالتشكيك بوجود «شريك فلسطيني» للمفاوضات، مشترطةً أن تقوم قيادة رام الله (أولاً) باستعادة السيطرة على قطاع غزة، في دعوة ساخرة لإحداث فتنة جديدة في الصف الفلسطيني.
ذهبت حركة حماس بعيداً في التشكيك بـ «شرعية» قرارات رئيس السلطة في الضفة بدعوى أن المجلس التشريعي، والذي تمّ انتخابه في كانون الثاني (يناير) 2006، وما زال قائماً في مقره في القطاع، وهو يمثل أكثرية أعضاء المجلس وبالتالي يملك الصفة القانونية، وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس الحكومة.
الملجأ الوحيد الذي اعتبرته قيادة رام الله موقعاً حصيناً يحميها من حملات التشكيك، ويؤكد شرعيتها السياسية والقانونية وموقعها التمثيلي الذي لا تشكيك فيه، هو في م. ت. ف. فانعقد على الفور اجتماع للمجلس المركزي لمنظمة التحرير، والذي لا يمكن لأحد أن يشكك بشرعيته وقانونيته وموقعه التمثيلي (م. ت. ف. هي الممثل الشرعي والوحيد أياً كانت أحوال السلطة وأياً كان تقاسم الخصوم لمواقعها القيادية).
ولعلها تجربة شديدة الأهمية، وخلاصة يجب ألا تغيب عن البال، تؤكد أن الموقع الحصين، الذي يعزز شرعية التمثيل الشامل للشعب الفلسطيني هي م. ت. ف، وأن السلطة (بالمقابل) ما هي إلا مؤسسات هشة، تحت هيمنة سلطات الاحتلال، ولا تشكل في ظل القيود المفروضة عليها باتفاق أوسلو، ضمانة للمشروع الوطني، انقسمت السلطة على حالها. وأصاب النظام السياسي الفلسطيني تشوهات كبرى، ففي غزة سلطة تزعم الشرعية، بيدها الحكومة والمجلس التشريعي، وتنزع الشرعية عن خصومها في رام الله، وسلطة في رام الله، تقتصر على «رئيس السلطة»، فاقدة لأكثرية المجلس التشريعي، لمنصب رئيس الحكومة وأكثرية وزرائها، تتمسك بشرعيتها، تنعت الخصم في غزة بالانقلابيين وما أقدموا عليها «انقساماً».
هذه التجربة، المغمسة بالدم الفلسطيني، أكدت الخطأ الجسيم الذي ارتكبته القيادة المتنفذة في م. ت. ف، حين همشت مؤسسات المنظمة، لصالح مؤسسات السلطة على رهان أن السلطة هي المحطة الانتقالية نحو قيام الدولة الفلسطينية، لتجد القيادة المتنفذة نفسها أمام سلطة ممزقة مقطعة الأوصال، وأن حصنها الوحيد، الذي مكنها من مواجهة «الانقلاب والانقسام في غزة» هي م. ت. ف، الممثل الشرعي والوحيد.
فهل حفظت القيادة السياسية في رام الله الدرس، وهل عملت به، أم أن سرعان ما أدت الأحداث، والانفراجات الوهمية، إلى تجاهل هذا الدرس، وإحالته إلى عالم النسيان؟
في محاولة للإجابة على هذا السؤال، يمكن القول، بكل ثقة، إن هذا الدرس المستخلص من التجربة الدموية، سرعان ما تبخر.
وتحول الأمر، وما زال حتى اللحظة، صراعاً على السلطة، يحاول كل طرف فيه أن يستقوي بعناصر القوة التي يعتقد أنها متوفرة لديه، في وقت كان فيه الخاسر الأكبر القضية الوطنية والشعب الفلسطيني، حيث هدرت على مذبح الصراع على السلطة، الكثير من مكتسباته النضالية، خاصة وأنه صراع ألحق التشويه بالقضية الوطنية وبالوجه الحضاري للشعب الفلسطيني، ما وفر لإسرائيل الفرصة للادعاء أن الشعب الفلسطيني ما زال غير مؤهل ليدير شؤونه بنفسه، وأن أية دولة سيقيمها ستكون دولة الفوضى والإرهاب، ما يشكل خطراً على أمن إسرائيل، كما بدأت وسائل إعلامها تزعم أمام الرأي العام العالمي، في سياق هذا الصراع اعتقدت القيادة السياسة للسلطة في رام الله، أنها تتفوق على سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، أنها الطرف الفلسطيني المعترف به شرعياً من قبل لجنة الرباعية العربية، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك المنظمة الدولية للأمم المتحدة، واعتبرت هذا كله قوة تمكنها من العودة إلى التحرك سياسياً، فضلاً عن أن الرئيس الأميركي بوش الابن تعمد بالوفاء بوعده إلى الرئيس محمود عباس بإقامة الدولة الفلسطينية، عبر المفاوضات، حتى موعد أقصاه نهاية العام 2008، أي نهاية ولاية بوش/ الثانية.
في هذا السياق، دعت الولايات المتحدة إلى مؤتمر أنابوليس (نوفمبر 2007) لإطلاق مفاوضات فلسطينية – إسرائيلية في الولايات المتحدة وتحت رعايتها.
كانت هي المرة الأولى التي تدعو فيها الولايات المتحدة إلى استئناف العملية السياسية، منذ أن وصل الرئيس عباس إلى رئاسة السلطة في كانون الثاني (يناير) 2005، وقد شهدت إسرائيل منذ ذلك التاريخ تطورات ذات مغزى، منها انشقاق شارون عن حزب الليكود بعد أن أسقط مشروعه للانكفاء ، كحل للصراع مع الفلسطينيين.
شكل شارون حزب «كاديما»، وأعاد نشر قواته حول قطاع غزة، وأخلى القطاع من المستوطنات، كما أخلى أربع مستوطنات في شمال الضفة، (وقررت حكومة نتنياهو العودة إليها مؤخراً حكومة نتنياهو) وبدأ يجهز للضم وإعادة رسم الحدود من طرف واحد، خلف جدار الفصل في أراضي الضفة، إلى جانب مناطق أخرى. القدر خالف رغبة شارون، الذي أقعده وشله المرض، وتولى القيادة عنه إيهود أولمرت.
أحدثت الحرب الإسرائيلية _ اللبنانية (تموز _ يوليو 2006) تغيراً استراتيجياً في خطة الإنكفاء. فقد خلص الإسرائيليون إلى تخطئة الانسحاب من لبنان عام2000. ووفقاً لهذه الخلاصة، خطأت الدوائر السياسية والعسكرية في إسرائيل خطة الإنكفاء من جانب واحد، ورأت ضرورة أن يسبق ذلك «معاهدة سلام»، أو ضمان أمن أراضي دولة إسرائيل، قبل إعادة رسم الحدود مع الضفة من طرف واحد .
في ظل هذه المعطيات، ذهب الوفد الفلسطيني ممثلاً السلطة إلى المفاوضات، فماذا كان يملك من القوة التفاوضية.

  • ذهب إلى المفاوضات بقرار منفرد، خارج الاجماع الوطني حيث افتقدت هيئات م. ت. ف، المعنية بقرار المفاوضات إلى التوافق، في ظل اعتراض قوى وازنة فيها.
  • ذهب إلى المفاوضات وهو لا يملك رؤية متكاملة للعمل مع الجانب الإسرائيلي، سوى التنازلات التي كان قد قدمها في محطات سابقاً، غياب أي أجندة سياسية واضحة، سوى مبادرة السلام العربية متجاوزاً حتى ما جاء في إتفاق أوسلو عن «مفاوضات الحل الدائم». وبالتالي وافق على تبادل الأراضي عبر خطوط حزيران 67 ( أي الموافقة على بقاء مستوطنات في الأراضي الفلسطينية). كما وافق ضمناً على شطب حق العودة إلى الديار والممتلكات، لصالح حل أقره مشروع جينيف – البحر الميت، لاستبدال حق العودة، بمكان سكن دائم للاجئين، أما بشأن القدس فقد بقيت المواقف الفلسطينية غامضة، في جوهرها، وعلى استعداد لحل يرضي الطرفين.
  • ذهب الوفد الفلسطيني الرسمي إلى المفاوضات، في ظل تشكيك إسرائيلي بشرعية تمثيله للفلسطينيين، لذلك أكد الجانب الإسرائيلي على أن أي اتفاق يتم التوصل إليه سيبقى معلقاً، إلى أن تستعيد السلطة في رام الله سيطرتها على قطاع غزة.
  • ذهب، كما يعتقد، مدعوماً من الولايات المتحدة، بوعد من الرئيس بوش بإقامة الدولة الفلسطينية في نهاية عام 2008.
    ما جرى أن المفاوضات تحولت إلى سلسلة من المناورات الإسرائيلية، يقدم خلالها الوفد الإسرائيلي اقتراحاً اليوم، ثم يسحبه غداً لصالح اقتراح أخر، ويقدم خارطة للحدود اليوم، ثم يسحبها لصالح خارطة في اليوم التالي، إلى أن انقضى العام 2008. في حرب شنتها إسرائيلي على قطاع غزة.
    الرئيس عباس طار إلى واشنطن، ليعتذر منه الرئيس بوش عن عدم وفاءه بالوعد بإقامة دولة فلسطين نهاية عام 2008.
    أما الرئيس عباس، فقد استنتج في تصريح له أن إسرائيل لم تكن ترغب في السلام، متجاهلاً دور العراب الأميركي في تحويل القضية الفلسطينية إلى ملهاة على مسرح الشرق الأوسط ■

معتصم حمادة
عضو المكتب السياسي
للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

■ انتهت وعود الرئيس الأميركي الأسبق بوش الابن بإقامة الدولة الفلسطينية في نهاية ولايته الثانية، نهاية العام 2008، بكذبة كبرى، واعتذار سخيف، وحرب دموية، شنها رئيس حكومة إسرائيل إيهود أولمرت على قطاع غزة.
الرئيس الجديد، باراك أوباما، ورث أزمة اقتصادية، وحرباً أميركية ضد المنظمات الإسلامية، فانهمك في بداية ولايته الأولى، في معالجة آثار الأزمة الاقتصادية في بلاده، وإعادة رسم إستراتيجية تقوم على التصالح مع «الاسلام المعتدل» كانت إشارتها الأكثر وضوحاً في محاضرته الشهيرة في القاهرة، كما أطلق شعاراً، كانت له آثاره السعيدة في رام الله، حين قال إن قيام دولة فلسطينية يشكل مصلحة للأمن القومي الأميركي في الشرق الأوسط، دون، طبعاً، أن يرسم معالم هذه الدولة وحدودها وسقوفها السياسية.
وعلى خلفية ذلك، رسمت القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية لنفسها إستراتيجية، لملء الفراغ، بانتظار تفرغ الإدارة الأميركية للالتفات إلى الملف الفلسطيني، إستراتيجيتها قامت وفق الرؤية التالية:
إصلاح الأوضاع الإدارية في السلطة، وبناء مؤسسات الدولة تحت الاحتلال، وتشجيع القطاع الخاص بتشكيل المشاريع الصغيرة، إلى جانب القطاع العام «أي الدولة» للشروع في بناء الاقتصاد الوطني الفلسطيني.
كانت رؤية، فيها من الإغراء ما يجذب أوساطاً عديدة للاعتقاد حقاً، بأن السلطة الفلسطينية هي المحطة الانتقالية لقيام الدولة، وإن إقامة الدولة تتطلب بناء الوزارات والإدارات، لتأخذ طابع الدولة، ورسم سياسات اقتصادية تساعد أصحاب المشاريع الصغيرة، على تجاوز الحاجة إلى السوق الإسرائيلية والاعتماد عليها في تزويد السوق الفلسطينية باحتياجاتها الخدمية، بما في ذلك خدمات البنية التحتية [مياه – كهرباء – اتصالات – مواصلات – استشفاء].
وشهدت الحالة الفلسطينية نقاشات صاخبة حول مثل هذه الإستراتيجية، هل من الممكن حقاً بناء الدولة تحت الاحتلال، إدارات، وخدمات واقتصاداً، وذهب أصحاب هذه الرؤية إلى حد القول: إننا بنينا الدولة الفلسطينية المستقلة، بكل مظاهرها، ولم يبقى سوى رحيل الاحتلال، وكأن مسألة رحيل الاحتلال هي مشكلة جزئية، وليست هي المشكلة الأساسية والرئيسية، والتي بدونها لا يمكن التنبؤ بطبيعة الكيان الفلسطيني، وبقيت نغمة «بنينا الدولة ولا يبقى سوى رحيل الاحتلال» هي السائدة لفترة ليست بالقصيرة، إلى أن اصطدمت السلطة الفلسطينية وقيادتها السياسة في نيسان (ابريل) 2014، بوزير خارجية الرئيس أوباما، الوزير جون كيري، بأن إسرائيل لا تريد السلام، وأن طريق العملية السياسية باتت مسدودة، وكان في هذا التصريح إعلان بوفاة إستراتيجية بناء الدولة تحت الاحتلال، علماً أنه قد سبقت هذا الإعلان الحاسم، سلسلة واسعة من الإشارات والأحداث التي هيأت لمثل هذا التصريح.

  • فالدولة التي زعمت حكومة السلطة أنها بصدد بناءها، كانت دولة تفتقد إلى كل علامات السيادة ومنها أن العملة المتداولة كانت الشيكل الإسرائيلي، ولم يتم رسم اتجاه بديل لهذه العملة ما أبقى مصير موازنات الدولة الفلسطينية، ومصير مشاريعها، وخططها الاقتصادية، رهناً بتقلبات سعر الشيكل، ورهناً بسيطرة دولة الاحتلال على تدفق «المال العام»، أي الشيكل إلى أراضي الدولة الفلسطينية المزعومة.
    فضلاً عن ذلك بقيت «حدود الدولة»، أي معابرها إلى الخارج، تحت سيطرة دولة الاحتلال، هي التي تسمح بالعبور للمسافرين، وهي التي تفتح المعابر وهي تغلقها.
    كما أن دولة الاحتلال هي التي كانت تتحكم بحركة الاستيراد والتصدير، تحدد المواد المسموح استيرادها وكمياتها، والمواد المسموح تصديرها وكمياتها، وكثيراً ما لجأت إلى تعطيل الحركة على المعابر، أو ابطاءها، في معرض ضغوطها على السلطة الفلسطينية مما كان يكبد التجار الفلسطينيين، الذين كانوا الرهان على بناء قطاع خاص فلسطيني نشط، لذلك هرب الرأسمال الفلسطيني من الأراضي المحتلة إلى الخارج، بعدما تعرض لخسائر فادحة على يد دولة الاحتلال وتحكمها بحركة المعابر ومعاملات الاستيراد والتصدير، التي كانت من صلاحيات الإدارة المدنية التابعة للاحتلال، كما أن تجربة حكومة اشتيه الحالية مع مسألة استيراد اللحوم من الخارج، أثبتت أن دولة الاحتلال هي التي تحدد متى يأكل الفلسطينيين اللحم، ومتى عليهم أن يمتنعوا عنه، ومن أين عليهم أن يستوردوها، ما دامت المعابر تحت سلطة الإدارة المدنية.
    إلى جانب أنها لا تملك السيادة على اقتصادها ولا تملك عملتها الوطنية الخاصة، ولا تملك السيادة على المعابر، كانت في الوقت نفسه، دولة لا تملك السيادة حتى على المواطن الفلسطيني فسجل النفوس كان (ولا يزال حتى الآن) بيد الإدارة المدنية للاحتلال، هي التي تمنح هذه المواطنة (أي المسمى الرقم الوطني)، وهي التي تمنح بطاقة التعريف الشخصية باللغتين العربية والعبرية [تسهيلاً للحواجز الإسرائيلية] وهي التي تحدث سجل النفوس، فضلاً عن كونها، كما أسلفنا، هي المعنية بمنح رخص الاستيراد والتصدير ورخص البناء في المناطق المسماة (ب) و (ج) وهي تعادل حوالي 80% من مساحة الضفة الفلسطينية (المنطقة ج تساوي وحدها 60% من مساحة الضفة).
  • في السياق نفسه، وفي مجال الأمن كانت حكومة «الدولة» المدعاة، عضواً في لجنة أمنية ثلاثية يحضرها، بإدارة الجنرال دايتون المعروف للجميع، رئيس حكومة إسرائيل إلى جانب رئيس حكومة السلطة، الفلسطينية، وكانت تبحث «إصلاح» أوضاع المؤسسات الأمنية الفلسطينية، أي تسريح من تعارض وترفض إسرائيل التحاقهم بالأجهزة الفلسطينية بسبب ميولهم «السياسية المعادية لإسرائيل»، كذلك كانت تبحث السقف العددي للعاملين في الأجهزة الأمنية وتسليحهم، والأهم من هذه كله، كانت تبحث في «التعاون والتنسيق» الأمني بين السلطة وبين إسرائيل في ظل اتفاق ثنائي ترعاه الولايات المتحدة لمكافحة «الإرهاب» في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا إرهاب سوى مقاومة الاحتلال.
    إذن، فشلت إستراتيجية بناء الدولة تحت الاحتلال، ولم يبقى فيها سوى إدارات فرشت بأحدث المفروشات والأساسات، حرصاً على «هيبة الدولة»، وسيارات فارهة، ورواتب عالية، وامتيازات غير محدودة، محفزات مالية يتم ابتداعها يوماً بعد يوم، ومشاريع فوق الطاولة، ومشاريع أخرى تحت الطاولة، وبقي المقدس الوحيد هو التنسيق الأمني في انتظار ولادة مرحلة جديدة لإطلاق عملية سياسية جديدة.
    تقدمت المؤسسة الوطنية في المجلس المركزي نحو إجراء مراجعة حادة تمثلت في قرارات 5/3/2015 لمغادرة اتفاق أوسلو، لكن رهان القيادة السياسية على عملية سياسية يتبناها الأميركيون دفعتهم إلى تعطيل القرارات (وما زالت معطلة حتى الآن) تمت ملاحقة المناضلين في الحركة الطلابية والحركة الشبابية وفرض الحصار على المعاهد والجامعات، وتعرضت حقائب الطلاب للتفتيش، لوقف انتفاضة السكاكين، واعترف مدير جهاز المخابرات في الضفة الفلسطينية أن جهازه عطل خلال سنة واحدة 200 عملية شبابية ضد الاحتلال.
    إلى أن غادر أوباما وجاء ترامب ليعلن استعداده لحل القضية الفلسطينية في نصف ساعة من المفاوضات، بموجب «صفقة قرن» يعمل على التحضير لها فريق في البيت الأبيض يقوده رجل الأعمال اليهودي في عالم العقارات وصهر الرئيس ترامب كوشنير.
    وسقط مشروع الدولة تحت الاحتلال لصالح الرهان على «صفقة القرن»، فكان ما كان ■

إرسال التعليق