الديكتاتور المجنون
الديكتاتور المجنون
مجنون في منصب كبير
امال عبد الشافي
كان جنون العظمة أحد أبرز ملامح شخصية بينيتو موسوليني، وقد نما تدريجيًا مع تثبيت حكمه وتحول الدولة إلى أداة تمجيد لشخصه. منذ بداياته في السلطة، حرص على تقديم نفسه كقائد تاريخي لا يُخطئ، فاختزل الأمة الإيطالية في شخص «الدوتشي»، واعتبر أن إرادته تعلو على المؤسسات والقوانين.
اعتمد موسوليني على الدعاية المكثفة وصناعة الصورة، فامتلأت إيطاليا بخطبه وصوره واستعراضاته، ما عزز شعوره بالتفوق والخلود السياسي. ومع القضاء على المعارضة وتكميم الصحافة، عاش داخل دائرة مغلقة من المديح، فتآكلت قدرته على سماع النقد أو تقدير الواقع بدقة.
ظهر جنون العظمة بوضوح في سياسته الخارجية. كان يؤمن بأن إيطاليا مقدَّر لها أن تعود إمبراطورية متوسطية، فخاض مغامرات عسكرية تفوق قدرات بلاده، مثل غزو إثيوبيا والتدخل في إسبانيا. هذه القرارات لم تُبنَ على حسابات واقعية، بل على رغبة شخصية في كتابة اسمه إلى جانب قياصرة روما.
بلغ هذا الوهم ذروته مع دخوله الحرب العالمية الثانية. تجاهل ضعف الجيش والاقتصاد، مقتنعًا بأن وجوده في الحرب كافٍ لصنع النصر. وعندما انهارت الجبهة الداخلية وسقط نظامه، لم يعترف بالمسؤولية، بل رأى نفسه ضحية خيانة من الشعب والنخب.
في سياسته الخارجية. رأى موسوليني نفسه وريثًا لأباطرة روما، وتخيّل أن المتوسط «بحيرة إيطالية». غزو إثيوبيا لم يكن ضرورة استراتيجية بقدر ما كان فعلًا رمزيًا لإشباع وهم الإمبراطورية. ورغم العقوبات والعزلة الدولية، تعامل معها كتحدٍّ شخصي، لا كتحذير سياسي. الجنون هنا لم يكن في القرار وحده، بل في تفسيره للواقع.
تحالفه مع هتلر يعكس التناقض الأوضح في جنون العظمة. فقد أراد أن يكون ندًّا لزعيم أقوى منه، فقلّده في القوانين العنصرية والدعاية، معتقدًا أن التاريخ سيضعهما في الصف ذاته. تجاهل الفوارق الهائلة في القوة الصناعية والعسكرية، ودخل الحرب العالمية الثانية وهو يردد أن «إيطاليا تحتاج إلى آلاف القتلى فقط» لتجلس على طاولة المنتصرين، في جملة تختصر انفصاله الكامل عن الواقع.
حتى في السقوط، لم يتخلَّ موسوليني عن وهمه. بعد عزله سنة 1943، وقبوله أن يكون دمية في «جمهورية سالو» تحت حماية النازيين، ظل يتحدث كزعيم تاريخي لا كحاكم مهزوم. لم يعترف بالخطأ، بل بالخذلان، وكأن الأمة خانت عبقريته لا أنه خانها بقراراته.
معاناة موسوليني من جنون العظمة تكشف أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الزعيم وحده، بل في النظام الذي يسمح له بتقديس ذاته. فحين يتحول الحاكم إلى أسطورة حية، يصبح الواقع عدوًا، وتصبح الكارثة مسألة وقت. تاريخ موسوليني ليس قصة رجل مختل، بل تحذير دائم من السلطة حين تُطلق بلا قيود.



إرسال التعليق