التكبّر… أو حين ينتفخ الفراغ
*
رشيد مصباح (فوزي)
*
إذا رأيت إنسانا يتكبّر على الناس، فلا تتعب نفسك بالبحث عن تفسير عميق؛ فالأمر بسيط حدّ السّذاجة: إمّا جاهل لا يعرف حجمه الحقيقي، و إمّا كائن نجح في تضخيم فراغه الداخلي حتى ظنّه إنجازا.
العلم، لو كان له صوت، لصفع المتكبّرين كل صباح. لأن من يعرف أن جسده مجرّد كومة خلايا، قد يوقفها جلطة صغيرة أو فيروس تافه، لا يمكنه أن يمشي بين الناس كأنه معجزة تمشي على قدمين. لكن يبدو أن بعضهم لم يقرأ من العلم إلـّا ما يسمح له بزيادة غروره، لا بما يكفي لتهذيبه.
الأكثر طرافة – بل مأساوية – أنك قد تجد المتكبّر واعيا بكل هذه الحقائق… ورغم ذلك يتكبّر. فهذا يعاني من مرض مزمن اسمه: ”مركّب نقص“، لسبب من الأسباب المعروفة: ماضي فقير، أو طفولة مهمّشة، أو كرامة مجروحة… يحاول التنكّر لماضيه بقناع ”وسائل العصر البرّاقة“؛ يظن أن السيارة الفاخرة غيّرت تاريخه، وأن البدلة الأنيقة مسحت ذاكرته.
تراه يتكبّر باحتراف انتقائي: على الضّعيف و البسيط وعلى من لا يملك جاه ولا سلطة.
لكنّه حين يقف بين يدي مسؤول، أو وجيه أو صاحب نفوذ، أو أيّ من أصحاب الأسماء الثقيلة… ينكمش كما تنكمش مثل الحلزون حين يتقوقع في صدفته.
في هذا العصر المبارك، لم يعد التكبّر يحتاج إلى جهد كبير. يكفيك هاتف ذكي، سيارة بالتقسيط، وملابس ماركة حتى وإن كانت تحمل أسماء لا تعرفها… لتغدو ”شخصية مهمّة“.
وهكذا، صعد كثيرون إلى الواجهة لا لأنهم أفضل، بل لأن المظهر تغلّب على الجوهر. وأصبح بعض الرعاع من ”الأعيان الوجهاء“، لا لأنهم تغيّروا، بل لأن المال غطّى قبح السّلوك، مثل عطر رخيص فوق رائحة عفنة.
أما أصحاب الأصول الحقيقية؛ لا الوراثية ولا البنكية، فيدفعون اليوم ثمن صمتهم، وهم يشاهدون ”الأعيان الجدد“ يمرّون منتفخين، لا يلقون سلاما، ولا يعرفون معنى الاحترام، لكنهم يعرفون جيّدا كيف ينظرون إلى الناس من أعلى… ولو كانوا بالأمس تحت أقدامهم.



إرسال التعليق